في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، مثّل فوز التقدمي الاشتراكي المسلم من أصول أفريقية هندية، زهران ممداني، بمنصب عمدة مدينة نيويورك، أهم مدن الولايات المتحدة، بداية حراك جديد لجيل جديد في السياسة الأميركية، يضع ملف غزة في قلب أجندته السياسية للمرة الأولى إلى جانب قضايا القدرة على تحمل تكاليف المعيشة ورعاية صحية للمواطنين.
فتح فوز ممداني الباب أمام الراغبين في الترشح لرفع أصواتهم عالياً، والمجاهرة ضد إسرائيل، بعد محاولات سابقة كان يتم فيها القضاء سياسيا على كل من يعلن العداء لها، بينما نبّه فوزه في الوقت ذاته حركة اللوبي الصهيوني من أجل إنفاق ملايين الدولارات في محاولة لمنع تكرار نجاحات التقدميين والاشتراكيين الجدد في المشهد السياسي الأميركي، وداخل الحزب الديمقراطي.
ويظهر فوز التقدمية الاشتراكية في الحزب الديمقراطي ميلات كيروس، التي سبق أن شكّكت في الحق بنشأة دولة إسرائيل، بالانتخابات التمهيدية الديمقراطية، الثلاثاء الماضي، عن إحدى دوائر مجلس النواب الأميركي عن ولاية كولورادو، على النائبة الديمقراطية الحالية المخضرمة ديانا ديغيتي، نمطاً متكرراً للمرشحين التقدميين الاشتراكيين الذين يقدمون أنفسهم بالتركيز في حملاتهم على قضايا تكاليف المعيشة والرعاية الصحية، إلى جانب موقفهم ضد إسرائيل، مع موقف موحد يرفض أموال اللوبي الصهيوني تحديداً، وأموال الشركات بشكل عام.
وتصوّت هذه الدائرة في كولورادو، بشكل دائم للديمقراطيين، ما يعني ضمان كيروس بشكل شبه نهائي مقعدها في الكونغرس بدورته المقبلة في يناير/كانون الثاني المقبل.
وتعد ميلات كيروس واحدة من الذين ألهمهم فوز ممداني بمنصب عمدة نيويورك العام الماضي، حيث نشرت وقتها فيديو أعلنت فيه نيّتها الترشح لعضوية مجلس النواب عن إحدى دوائر كولورادو وتحدي العضو الديمقراطية بالمجلس منذ 30 عاماً، ديانا ديغيتي.
وقالت كيروس إن فوز ممداني أثبت أن التنظيم أقوى من المال، داعية إلى عدم الخوف في مواجهة المال السياسي.
فاز في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية حتى هذه اللحظة أكثر من 35 مرشحاً من التقدميين والاشتراكيين الجددواليوم، قبل نحو 4 أشهر من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، وعلى 35 مقعداً من مقاعد مجلس الشيوخ الـ100، فاز في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية حتى هذه اللحظة أكثر من 35 مرشحاً من التقدميين والاشتراكيين الجدد، ما يجعلها المرة الأولى في تاريخ الانتخابات الأميركية التي يفوز فيها مثل هذا العدد بعد ترشحه على أجندة ترفض أموال اللوبي الصهيوني وتعارض الدعم الأميركي الكامل لإسرائيل.
ورغم ذلك، لا تزال أموال جماعات الضغط الداعم لإسرائيل وعلى رأسها لجنة الشؤون الأميركية الإسرائيلية" أيباك"، تعمل على التغلب على مرشحين أقوياء يعارضون إسرائيل، وذلك من خلال شبكة تمويل معقدة للغاية تستهدف تضليل الناخبين وعدم ربط الأموال المقدمة باللوبي الإسرائيلي.
كما تدعم" أيباك" مرشحين جمهوريين على بعض المقاعد التنافسية لمواجهة هؤلاء المرشحين التقدميين.
تمثل المجموعة التقدمية الفائزة حتى الآن أكبر تحرك تاريخي ضد أموال اللوبي الإسرائيليوليس من المتوقع أن تنجح هذه المجموعة الاشتراكية الجديدة رغم ذلك في إحداث تغيير جذري في الكونغرس، غير أنها تمثل أكبر تحرك تاريخي ضد أموال اللوبي الإسرائيلي، حيث كان مجرد تصريح أي مرشح للانتخابات علناً ضد" أيباك" بمثابة انتحار سياسي يقضي على مستقبل المرشح، ويبعده عن العمل السياسي بشكل كامل.
واستمر هذا التأثير حتى بضع سنوات مضت، وكان للعدوان الإسرائيلي على غزة في الربع الأخير من عام 2023، أثر كبير في التغير الحاصل.
الموجة التقدمية في الحزب الديمقراطيولا تعدّ الموجة الاشتراكية والتقدمية الجديدة هي الأولى في العقود الأخيرة، حيث شهدت الفترة الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، خلال عام 2018، ظهور مرشحين تقدميين واشتراكيين على رأسهم التقدمية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز التي كانت في أواخر العشرينيات من عمرها حينها، ورفضت الاستعانة بأموال الشركات خلال ترشحها.
واستلهمت الموجة الجديدة من تجاربها وتجارب أخرى حملات طرق الأبواب التي برع فيها الجيل الجديد.
ومثّل التقدميون الديمقراطيون والاشتراكيون خلال هذه الفترة ما يقارب 100 عضو في مجلس النواب، وأطلق عليهم التجمع التقدمي في الكونغرس، وكان لهم تأثير كبير في السياسات المتبعة آنذاك.
رغم تبني هذه المجموعة في الحزب الديمقراطي شعارات العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتحويل الاقتصاد الأميركي نحو مصادر الطاقة المتجددة بشكل كامل، غير أنها تتبنى أيضا سياسات مثيرة للجدل لم يكن بعضها مناسباً حتى بالنسبة لمدن وولايات ليبرالية من بينها حمامات موحدة للرجال والنساء، ووقف تمويل الشرطة وتقليص دورها وتمويلها في أقل التقديرات، وسياسات متعلقة بالمناخ أدّت إلى اصطدامهم بالواقع السياسي وتراجع صوتهم بشكل كبير، خصوصاً في ظلّ خسائر متكررة تلقاها الحزب الديمقراطي في المجالس المحلية ببعض الولايات المتأرجحة.
وكان استغلال الحزب الجمهوري لحادث تحرش بطفل في واحدة من مدارس ولاية فيرجينيا، أحد الأسباب التي أدت إلى تراجع دورهم داخل الحزب الديمقراطي نفسه، ورغم نجاحهم في الحفاظ على حجمهم في الكونغرس، إلا أن سياساتهم تراجعت لصالح تيار الوسط داخل الحزب.
وحتى 2024 لم تكن السياسة الخارجية وتحديدا الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة أمراً رئيسياً ضمن الأجندة الكاملة لهذه المجموعة، باستثناء أصوات محدودة اختارت منذ البداية أن تعلن موقفها، ولكن في المقابل كان العشرات منهم في ما يتعلق بإسرائيل يتخذون الموقف التقليدي للحزب الجمهوري وكذلك الحزب الديمقراطي بالدفاع الدائم عنها ودعم المساعدات الأميركية لها وتمرير التشريعات التي تخدم مصالحها وتجاهل معاناة الفلسطينيين.
ومثّل انتقام جماعات الضغط الصهيونية وعلى رأسها" أيباك" من النائبين التقدميين جمال بومان وكوري بوش اللذين اتهما إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، وإنفاق ما يقارب 30 مليون دولار ضدهما في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب عام 2024، ما أدى إلى خسارتهما، رسالة تحذير واضحة لجميع التقدميين بأن من ينتقد إسرائيل سيتم القضاء عليه سياسياً.
كما حصل نحو 36 عضواً من المجموعة التي تسمي نفسها" التقدميين" على أموال من اللوبي الصهيوني خلال انتخابات الكونغرس 2024، وأعلنت" أيباك" في الخامس من نوفمبر 2024، أنها دعمت 362 عضواً في الكونغرس من الديمقراطيين والجمهوريين المؤيدين لإسرائيل من بينهم 101 من أعضاء تجمع" أميركيين من أجل المساواة"، و36 عضواً من التقدميين و20 عضواً من أصول لاتينية و26 عضواً من تجمع الأميركيين السود و40 عضواً من تجمع الأميركيين الآسيويين والمحيط الهادئ في الكونغرس، مضيفة أن" دعم إسرائيل سياسة وخيار صائب"، ما يعني أنها موّلت حملات ودعمت وساهمت في نجاح ما نسبته 68% من أعضاء الكونغرس في مجلسي النواب والشيوخ معاً.
لكن منذ ظهور ممداني في بداية 2025، ونجاح تجربته، بدأ يتشكل هذا الطيف الجديد في السياسة الأميركية، الذي يرفض أموال اللوبي الصهيوني علناً، ولا يخشى من خوض معارك انتخابية ضده، كما ساهم ظهور موقع" تراك أيباك" وصفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي في إبريل/نيسان 2024، في تعقب أعضاء الكونغرس الذين يحصلون على أموال من اللوبي الصهيوني والشركات، وكشف مواقفهم، والإشادة بهؤلاء الذي يعلنون أنهم لن يحصلوا على أموال من جماعات الضغط.
ومع ترشح أكثر من 80 عضواً ضد أموال" أيباك" واللوبي الصهيوني، فاز حتى هذه اللحظة ما يقارب 40 شخصاً، من بينهم عدد كبير في مقاعد مضمونة بالفعل بالنسبة إلى الحزب الديمقراطي.
يعني ذلك أن الكونغرس سيشهد بالفعل أعضاء جددا تقدميين واشتراكيين يضعون على رأس أولوياتهم التشريعية مصلحة واشنطن قبل مصلحة تل أبيب.
وخلال شهر يونيو/حزيران الماضي، فاز 3 تقدميين مدعومين من ممداني في مدينة نيويورك، بالانتخابات التمهيدية لمجلس النواب الأميركي، ما يقرّبهم من الفوز، خصوصاً أنهم يمثلون دوائر تصوت بشكل دائم للديمقراطيين، إذ تمكن الأميركي اليهودي براد لاندر، الذي شغل منصب المراقب المالي لعمدة نيويورك السابق إريك آدامز، والذي وصف العدوان الإسرائيلي على غزة بالإبادة الجماعية، من إلحاق الهزيمة في الانتخابات التمهيدية، بالنائب دانيال غولدمان (الدائرة العاشرة)، والمدعوم من" أيباك"، وذلك في أكثر دائرة تضم يهود في الولايات المتحدة.
ودعا لاندر إلى إنهاء الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل.
بينما فازت اللاتينية الأميركية رياليزا أفيلا شوفالييه، طالبة الدكتوراه، وعضو حركة" الاشتراكيون الديمقراطيين الأميركيون" (دي أس آي) التي ينتمي إليها ممداني، في الانتخابات التمهيدية عن إحدى دوائر نيويورك.
وسبق لأفيلا شوفالييه أن زارت الضفة الغربية، حيث تشكّل وعيها بالنسبة للقضية الفلسطينية، وساعدت على تنظيم التظاهرات دعماً لغزة في جامعة كولومبيا.
وتروي في مقطع فيديو قصة اعتناقها الإسلام حيث صامت رمضان بضع سنوات قبل أن تسألها صديقة عما إذا كانت تنوي اعتناق الدين الإسلامي.
وفي الدائرة السابعة، فازت أيضاً الاشتراكية كلير فالديز، عضو برلمان ولاية نيويورك، بالانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي، مدعومة من ممداني، على منافسها التقدمي أنطونيو رينوسو، والتي قالت في خطاب فوزها لمؤيديها" سنقف في وجه الإبادة الجماعية"، كما سبق أن أعلنت رفضها لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي.
ويركز الخطاب السياسي الذي تقدمه هذه المجموعة التي ترفض الحصول على أموال اللوبي الصهيوني، على أن واشنطن فشلت في تلبية مطالب الشعب الأميركي وأنها خاضعة لسيطرة الشركات وأصحاب المصالح على حساب المواطنين.
وعبّر عن ذلك بوضوح مزارع المحار غراهام بلاتنر، المرشح إلى مقعد مجلس الشيوخ، في أحد خطابات حملته حيث قال: " نحن لا نعيش في واقع سياسي واقتصادي فعّال.
إنه نظام بني على قرارات سياسية وسياسات كتبت على يد السياسيين في العاصمة واشنطن بناء على طلب المانحين والداعمين لهم.
هو نظام صُمّم لضمان أنه مهما عملت بجد فلن تشعر أن لديك سلطة أبداً.
السلطة لهم.
هؤلاء الناس في الأعلى فهم المؤهلون وهم الوحيدون المسموح لهم باتخاذ قرارات نيابة عنا.
لا تقلقوا أنفسكم.
دعوهم يتولون الأمر… حسناً سأقول لكم من الآن: كل هذا هراء".
خلال حملته الرئاسية الأولى عام 2016 والتي مهدت طريقه إلى البيت الأبيض وأدخلت ناخبين كانوا يرون أن واشنطن خذلتهم، حيث تعهد بتجفيف المستنقع السياسي في واشنطن وتطبيق إصلاحات تحد من نفوذ المصالح الخاصة على النظام السياسي، والقضاء على النظام" المتلاعب به لصالح وول ستريت".
غير أن ترامب عقب دخوله البيت الأبيض، فتح الباب أمام الفساد المالي والسياسي وزاد من نفوذ جماعات المصالح والمتلاعبين لصالح وول ستريت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك