صحيحٌ كل الصحّة قولُ من يقول إنّ شعوب الأمة العربية تجتمع على أمرَيْن: نصرتها فلسطين وشعبها ونضاله، وحبّها الخاص مصر.
وإذا ليس صحيحاً تماماً أنّ العربي يشعر أنّ له وطنَيْن، بلده ثم مصر، فإن صحّة هذا القول كانت في أتمّها في شطرٍ من خمسينيّات القرن الماضي وستّينيّاته وبعض سبعينيّاته.
وهنا؛ يُجاز أن يُحسَد من كانوا من شباب الأمّة وفتيانها في ذلك الزمن الذهبي، وكانت مصر بستانَهم الوارف الذي تتظلّل به أفهامُهم ومداركهم، ليلقوا منه كل طيّبٍ وجميلٍ وبديع، ما جعل لمصر موضعاً ثقيل القيمة في الوجدان العربي الموحّد.
ولئن يعدّ هذا الكلام من فائض نوستالجيا ثاويةٍ في نفوسنا، نحن الذين في مطالع ستينيّات أعمارنا، وأدركوا شيئاً من ظلال ذلك الزمن وبقاياه، نبدو أحياناً في حاجةٍ شعوريةٍ لها، فإن الأمر أبداً ليس على هذه الوجهة، لأنّ حشايا كل العرب ما زالت عامرةً بدفء مُقام مصر فيها.
أكّدت هذا المؤكّد الثواني المعدودات التي كان فيها اللاعب المصري في منتخب بلاده، حسام عبد المجيد، يتهيّأ ليركل الكرة في واحدةٍ من رميات الترجيح على شباك منتخب أستراليا مساء يوم الجمعة الماضي، انحبست فيها أنفاس مئات ملايين العرب، بانتظار فرحةٍ كانت مُشتهاة في تلك الهنيهات، يُحدثُها نجاحٌ أريد لتلك التسديدة، وهو ما كان، لتشتعل أعراسٌ عربيةٌ، في مدن وقرى وبلدات بلا عدد من نواكشوط إلى المنامة، وفي المهاجر والمغتربات، ويا الله كم كان جميلاً منها أعراس فتية غزّة وصبيتها وشيوخها ونسائها وشبّانها.
لقد بدا، في اللحظة العربية الركيكة، والتي تفيض تعاسةً وسخفاً وهواناً، أن صعود منتخب مصر في كأس العالم حدثٌ شديد الضرورة لنتذكّر كلنا أن هذا البلد ليس لمواطنيه وأهله وناسه فحسب، بل يشعر كل فرد في الأمة بأنّ له حصّة منه، بالمعنى العميق الذي قد يعصى فهمُه إذا ما جرى البحث فيه، وعنه، إلى المنحى التجريدي والنظري، فالمسألة في جوهرها شعوريّة وجدانية، مطبوعةٌ بمقادير من حرارةٍ خاصّة.
وهنا، ليس ينتقص من مكانة أي بلدٍ عربيٍّ آخر القول إنّ هذه" الميزة" التي يمحضها العربي لمصر، في الرمثا الأردنية وحيفا الفلسطينية وتبسّة الجزائرية وصلالة العُمانية والموصل العراقية وبطاح أخرى، شديدة الاختلاف عن أي شعور محبٍّ تجاه أي بلد عربي آخر.
ولذلك؛ لا يجوز (بلغةٍ قاطعة وباتّة،
وآمرة ربما) نسيان بديهيّة البديهيات أن أقدار الجغرافيا ومواريث التاريخ وطبائع الاجتماع تجعل لمصر دوراً خاصّاً في أمتها، وهو يستتبع، بالضرورة، مسؤولياتٍ وأكلافاً.
ولهذا؛ ما هانت الأمة إلّا بعد أن ضعُفت مصر وارتدّت عن هذا الدور وتلك المسؤولية، وتمنّن ناس فيها بما قدّمت وأعطت.
وما مرضت الأمة بأعطابها الراهنة، وتطبّعت مع انتكاساتها المتتالية، إلّا بعد أن غابت عن وعي النخب الحاكمة والنافذة في مصر قيمة بلدها ومكانته وفرادته، استغنت عن هذا كله باللغة الفوقية الجوفاء، وبالإنشائيات المتورّمة إياها عن الريادة التي ما جادل فيها أحد، فالجدال كان وسيظل بشأن راهنٍ يُغضب ولا يسرّ، بالتوازي مع مضيّ هذه النخب في إلحاق مصر بتبعيّةٍ للخارج، في الغرب، ثم في بعض غير الغرب، ما جعلها منكشفة إلى حدّ الفضيحة، على ما أظهرت وقائع قريبة وبعيدة، كما حرب الإبادة في غزّة، ففي أثنائها لم تكن مصر التي فينا هي التي عوينت وشوهدت، مصر السلطة والنخب المتحدّث عنها، أما شعبها فعظيماً كان وباقياً على عظمته إلى أن يرث الله الأرض.
نطق الفرح العربي المهول، والبديع، بصعود منتخبها في كأس العالم وبركلة حسام عبد المجيد، بحاجة العرب الدائمة إلى مصر، بأشواقهم إلى مصر أخرى، القوية، المعلّمة، القائدة، الملهمة.
نطق بأن حنوّ العرب على مصر مجدولٌ بحنينٍ إليها لا ينفك يتجدّد، حنينٍ إلى غير التي نراهم يريدونها، الحاكمون والنافذون ومن هم كما المستغربين المستعربين والمستشرقين فيها.
نطق الفرح العربي بمصر الصاعدة في كأس العالم بحاجةٍ ضاغطةٍ في إلحاحها الأشدّ إلى صعودٍ لها في أعالٍ أخرى، لا بركلات ترجيح، بل بركلاتٍ تتعافى بها مصر من كثيرٍ فيها، تجعل الأمة كلها تتعافى.
في الانتظار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك