حين يمرّ الطفل بتجربة خوف حقيقية، لا يتوقف قلبه عن الخفقان فحسب، بل يتوقف عقله عن التعلم.
هذه ليست مجازًا أدبيًا، بل حقيقة علمية موثّقة: الجهاز العصبي الذي يشعر بالتهديد لا يستطيع الوقت ذاته أن يبني، ويتذكر، ويتعلم.
ولهذا، فإن السؤال الأول الذي يجب أن نطرحه في غرفة التربية الخاصة ليس: ما الذي يعرفه هذا الطفل؟ بل: كيف يشعر هذا الطفل؟أكدت أخصائية التربية الخاصة رجاء الجشي أن في مجال التربية الخاصة تحديدًا، تصبح الصحة النفسية أمرًا أكثر إلحاحًا وأعمق تأثيرًا مشيرة الى ان الطفل هنا لا يواجه تحديًا واحدًا، بل يحمل ثقلًا مضاعفًا، يتمثل في الاختلاف، والمقارنة، وثقل الشعور بأنه يحتاج دائمًا إلى من يُصلحه.
وأضافت الجشي: تُشير أبحاث دولية في مجال طيف التوحد إلى أن ما بين 60% و70% من الأطفال يعانون من اضطراب نفسي مصاحب كالقلق أو اضطرابات المزاج، إلى جانب تحدياتهم النمائية الأساسية.
وهذا يعني أن كثيرًا من هؤلاء الأطفال يدخلون الجلسة العلاجية أو الفصل الدراسي وهم يحملون بداخلهم عاصفة لا يستطيع أحد رؤيتها.
الألم النفسي عند هؤلاء الأطفال لا يظهر دائمًا بكاءً أو حزنًا.
يظهر أحيانًا رفضًا، وعنادًا، وانسحابًا، وصمتًا.
ولأننا نبحث عن التشخيصات ونصنّف السلوكيات، نفوّت أحيانًا الطفل الخائف الجالس أمامنا، الذي لا يحتاج الى خطة علاجية جديدة بقدر ما يحتاج الى شخص يشعره بأنه بأمان.
الصحة النفسية الهشّة لا تُعلن نفسها بصوت عالٍ.
لكنها تتسلّل إلى كل تفصيل في يوم الطفل: في طريقة جلوسه، وفي ترتيب أقلامه، وفي نظرته إلى الباب حين يُفتح، وفي صمته حين يُسأل.
وذكرت الجشي موقفا من داخل الصف قائلة: «أتذكر طفلًا كان يرفض فتح كراسته في كل مرة نبدأ فيها تمرين الكتابة، وكان يوصف بأنه «كثير العناد».
لكن بعد أسابيع من المراقبة، تبيّن أن المشكلة لم تكن في الكتابة نفسها، بل في خوفه من أن يكتب حرفًا «خطأ» أمام زملائه.
وحين بدأنا نمنحه فرصة المحاولة بعيدًا عن أعين الآخرين، ونحتفل بكل خط يخطّه بيده، تغيّر سلوكه تمامًا في أقل من شهر.
لم يكن الطفل عنيدًا؛ كان خائفًا فقط».
فالطفل الذي يرفض الإجابة قد لا يكون غير راغب في التعلم، وإنما يخشى الفشل.
والطفل الذي يغضب سريعًا قد لا يكون عدوانيًا بطبيعته، بل عاجزًا عن التعبير عن مشاعره بطريقة مناسبة.
أما الطفل الذي ينسحب من الأنشطة، فقد يكون فقد ثقته بنفسه بعد تجارب متكررة من الإحباط.
الطفل الذي يشعر بالأمان النفسي ليس طفلًا لا يواجه صعوبات، بل طفلا يعرف أن الصعوبة لن تُقلّل من قيمته.
هذا الشعور - حين يتجذّر - يغيّر كل شيء: يغيّر علاقته بالخطأ، وعلاقته بالمحاولة، وعلاقته بمن يحيطون به.
واستكملت، حين يشعر الطفل بأنه مقبول كما هو، لا كما يتمنى الآخرون أن يكون، تنفتح داخله إمكانات كانت مغلقة.
ليس لأن قدراته تغيّرت، بل لأن الخوف الذي كان يسدّها تراجع.
الصحة النفسية الإيجابية ليست رفاهية نضيفها حين تسمح الظروف.
هي الأرض التي لا يمكن لأي شجرة أن تنمو دونها.
وفي حالة أطفال التربية الخاصة، هي الشرط الأول قبل أي خطة، وأي جلسة، وأي هدف.
دور أخصائي التربية الخاصة لا يقتصر على تنفيذ الخطة الفردية أو قياس مستوى التحصيل، بل يمتد إلى بناء بيئة يشعر فيها الطفل بأنه مقبول ومحترم.
فالكلمة المشجعة، والابتسامة الصادقة، وإتاحة الفرصة للنجاح، والاحتفال بالإنجازات الصغيرة، ليست تفاصيل عاطفية، بل أدوات علاجية حقيقية.
ولا يقل دور الأسرة أهمية.
فالطفل الذي يجد في منزله تقبلًا لا يرتبط بدرجاته أو أدائه، ينمو أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك