في كل مرة تحاول فيها قوى إقليمية أو دولية مد نفوذها نحو الجنوب العربي، تعود إلى التاريخ بصفر اليدين، تاركةً خلفها جروحاً لم تندمل وخططاً تحولت إلى رماد.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تستطيع السعودية، وهي تقرأ هذه الصفحات الدامية من تاريخ المنطقة، أن تخرج بعبرة مختلفة عن سابقِيها؟ أم أنها ستصر على تكرار سيناريو الهزيمة ذاته بوجوه جديدة؟من وجهة نظري، فإن الجنوب العربي ليس مجرد رقعة جغرافية يمكن ضمها بخريطة أو احتلالها بجيوش؛ هو هوية عصيّة على الذوبان، وتاريخ لا يرحم من يتجاهل دروسه.
دعونا نتأمل المشهد التاريخي بعين الناقد:البريطانيون جلسوا في عدن أكثر من مئة عام، ظانين أنهم أسسوا إمبراطورية لا تزعزع.
لكنهم، وما إن فكروا في التمدد جنوباً، حتى وجدوا الأرض تزلزل تحت أقدامهم، واضطرهم أبناء الجنوب إلى حزم أمتعتهم في أسرع مما قدموا.
ألم يقرأ صنّاع القرار في الرياض كيف انتهى أكبر أسطول بحري في العالم أمام إرادة شعب أعزل؟العثمانيون حكموا الشمال قروناً، لكن طمعهم بالجنوب كان الشرارة التي أشعلت فتيل انهيار دولتهم.
حين وصلوا إلى لحج في زمن سعد باشا، لم يجدوا إلا بوابة نحو حتفهم التاريخي.
أليست هذه رسالة واضحة بأن التوسع جنوباً يعني تفكيكاً حتمياً للكيان الطامع ذاته؟الأحباش، بجيوشهم الجرارة، لم يكسروا شوكة اليمن إلا على يد سيف بن ذي يزن في الجنوب.
ذلك الملك اليزني الذي أثبت أن الجنوب هو المكان الذي تنكسر فيه أبدان الطغاة وتضيع فيه أحلامهم.
فهل يظن أحد أن الزمن تغير وأن قوانين الجغرافيا توقفت عن العمل؟والسوفييت، في حدث ٨٦ الشهير، ظنوا أنهم يزرعون فتيل الشقاق ليحصدوا الفرقة، لكن العناية الإلهية، ممثلة بغورباتشوف، جاءت لتفكك مشروعهم قبل أن ينضج.
إنها سخرية القدر التي تخبرنا أن من يخطط للجنوب يخطط لخراب نفسه.
رأيي القاطع في هذا المقام: التاريخ ليس مجرد سرد للماضي، بل هو مرآة تعكس حاضرنا ومستقبلنا.
السعودية، قبل أن تغامر بأي خطوة مدروسة أو غير مدروسة تجاه الجنوب، مدعوة إلى قراءة هذه الدروس بعمق، ليس بعين القارئ السطحي، بل بعين الباحث عن الخلاص.
فالجنوب ليس مجرد “ورقة ضغط” في مفاوضات إقليمية، بل هو نار تحت الرماد، من يقترب منها يحترق.
التاريخ يكتب مرة واحدة، لكنه يعيد نفسه ألف مرة لمن لا يعتبر.
وإن كانت الرياض تظن أن ظروف اليوم تختلف عن الأمس، فإنني أؤكد أنها وهمٌ كبير.
سنن الله في خلقه لا تتبدل، ومصير كل طامع في الجنوب هو نفسه مصير من سبقه: هزيمة نكراء، وإما أن يعي ذلك صنّاع القرار اليوم، وإلا فسيكونون مجرد فصل جديد يُضاف إلى قائمة المغامرين الذين دفنوا أحلامهم في تراب الجنوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك