الخرطوم ـ «القدس العربي»: اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أمس الإثنين، قراراً بالإجماع يقضي بإجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات المرتكبة في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وسط مخاوف أممية واسعة من تكرار أعمال العنف والقتل الجماعي التي حدثت في ولايات دارفور ومناطق أخرى من البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما دعا مندوب السودان لدى المجلس المجتمع الدولي إلى وقف تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية إلى قوات الدعم السريع، معتبراً أن استمرار تسليحها يسهم في تصعيد القتال وتفاقم معاناة المدنيين.
في مداخلته أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أكد وزير الخارجية السوداني، محيي الدين سالم، أن الحكومة تنظر بقلق بالغ إلى تزايد الانتهاكات في عدد من المناطق، مشدداً على ضرورة تحرك دولي عاجل لوقف تدفق الأسلحة إلى قوات «الدعم السريع».
واعتبر أن استمرار تزويد هذه القوات بالمعدات العسكرية يسهم بشكل مباشر في تصعيد العمليات القتالية وتفاقم معاناة المدنيين، داعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عملية وملزمة في هذا الشأن.
وجدد الوزير التزام الحكومة السودانية بالتعاون مع آليات الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، مؤكداً استعدادها للعمل مع الشركاء الدوليين من أجل وقف الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية.
وشدد على أن أي معالجة حقيقية للأزمة تتطلب وقف الدعم العسكري للأطراف المسلحة، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام وحماية المدنيين في جميع أنحاء البلاد.
وجاء اعتماد القرار بعد جلسة عاجلة عقدها المجلس في جنيف يوم الجمعة الماضي، بناءً على طلب تقدمت به المملكة المتحدة بدعم من ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج، لمناقشة التطورات الميدانية في مدينة الأبيض، التي أصبحت خلال الأسابيع الأخيرة محوراً لمخاوف دولية متزايدة مع اقتراب العمليات العسكرية منها.
وخلال الجلسة، استمع المجلس إلى إحاطة من مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك.
ويقضي القرار بتكليف بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان بإجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في مدينة الأبيض ومحيطها، مع جمع الأدلة وتوثيق الوقائع وتحديد المسؤولين عنها متى أمكن، بما يدعم جهود المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
كما دعا إلى احترام القانون الدولي، ووقف الهجمات التي تستهدف المدنيين والأعيان المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ودون عوائق.
ويأتي القرار في ظل تصاعد المخاوف من تحول الأبيض إلى ساحة مواجهة جديدة في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل / نيسان 2023، حيث حذر تورك، خلال افتتاح الجلسة الطارئة، من أن المؤشرات الواردة من المدينة تنذر بخطر وقوع انتهاكات واسعة النطاق إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بصورة عاجلة.
وقال إن الأبيض، التي تؤوي مئات الآلاف من السكان والنازحين، تعيش منذ نحو ثمانية عشر شهراً تحت ظروف شديدة الصعوبة نتيجة الحصار الجزئي وتدهور الخدمات الأساسية، في وقت تتواصل فيه الهجمات بالطائرات المسيرة والقصف المتبادل في محيط المدينة.
وأشار إلى أن مكتبه وثق أنماطاً متعددة من الانتهاكات شملت الإعدامات خارج نطاق القضاء، والاختطاف، والتعذيب، والعنف الجنسي، واستهداف المدنيين، مؤكداً أن هذه الوقائع تستوجب تحركاً دولياً سريعاً لمنع تكرار الفظائع التي شهدتها مناطق أخرى من السودان.
كما أعلن أن مكتبه سجل مقتل 45 مدنياً وإصابة 41 آخرين في خمس عشرة غارة بطائرات مسيرة استهدفت الأبيض ومحيطها خلال الفترة بين السادس والثامن والعشرين من يونيو/ حزيران الماضي، محذراً من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة.
وخلال المداولات، أكدت المملكة المتحدة، التي قادت مشروع القرار، أن التحرك داخل مجلس حقوق الإنسان جاء استجابة للمخاوف المتزايدة من احتمال تكرار الانتهاكات التي شهدها إقليم دارفور، خاصة مدينة الفاشر، مشددة على أن الهدف من القرار هو التحرك الوقائي لحماية المدنيين قبل وقوع مزيد من الفظائع، وليس الاكتفاء بتوثيقها بعد حدوثها.
كما شددت دول أخرى على أهمية دعم آليات التحقيق الدولية وتعزيز جهود المساءلة لضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.
الخرطوم دعت إلى وقف تسليح «الدعم السريع»ولم يقتصر القرار على الدعوة إلى التحقيق، بل طالب جميع الأطراف بالامتناع عن استهداف المنشآت المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والأسواق وشبكات المياه والكهرباء، وحث على توفير الحماية للعاملين في المجالين الإنساني والطبي، وضمان وصول المساعدات إلى السكان المتضررين.
كما دعا جميع الدول إلى الامتناع عن تقديم أي دعم من شأنه تأجيج النزاع أو الإسهام في ارتكاب مزيد من الانتهاكات، في ظل استمرار المخاوف الدولية بشأن تدفق الأسلحة إلى أطراف الصراع.
ويأتي هذا التحرك الأممي في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تدهور الأوضاع في شمال كردفان، بعد تقارير أممية أفادت بحشد قوات الدعم السريع أعداداً كبيرة من المقاتلين حول الأبيض، الأمر الذي أثار مخاوف من شن هجوم واسع على المدينة قد يؤدي إلى موجة جديدة من الانتهاكات والنزوح الجماعي.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 219 ألف شخص نزحوا في إقليم كردفان منذ فبراير/ شباط الماضي، ما فاقم الضغوط على الخدمات الإنسانية في المنطقة.
وتحظى مدينة الأبيض بأهمية استراتيجية كبيرة، إذ تعد أكبر مدن شمال كردفان وبوابة تربط وسط السودان بإقليم دارفور، كما تمثل مركزاً رئيسياً لحركة التجارة والإمدادات الإنسانية، وهو ما جعلها هدفاً ذا أهمية عسكرية للطرفين.
ويرى مراقبون أن أي تصعيد واسع في المدينة ستكون له تداعيات إنسانية وأمنية تتجاوز حدود الولاية، نظراً إلى الكثافة السكانية الكبيرة واستضافة المدينة أعداداً كبيرة من النازحين الفارين من مناطق القتال الأخرى.
ويعد القرار أحدث إجراء يتخذه مجلس حقوق الإنسان بشأن السودان منذ إنشاء بعثة تقصي الحقائق المستقلة، وسط تزايد القلق الدولي مع استمرار الحرب ودخولها عامها الرابع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك