ما اختاره الكاتب محمود الوروارى لبطل روايته «مدد» من مصير يختلف تماماً عن ذلك الذي اختاره نجيب محفوظ لـ«عيسى الدباغ» بطل رواية «السمان والخريف»، الذي كان أيضاً ضحية لثورة يوليو 1952، لكنه اتفق مع «محفوظ» في جعل التصوف خلاصاً كما ذهب الأديب الكبير في روايته «رحلة ابن فطومة»، إذ جعل «الوروارى» بطله يمر بمراحل ثلاث من الأحوال الصوفية أعطاها أسماء «القرب» و«الخلاص» و«الكشف»، وجعل منها عناوين لآخر ثلاثة فصول في روايته، مجتهداً في إيجاد مقامات وأحوال صوفية تقترب من تلك التي نحتها زهاد التصوف وفلاسفته عبر سنين طويلة.
لكن يبقى السؤال: هل يطرح المؤلف تطهير النفس حلاً لبطله، الذي يبدو هنا نموذجاً لنظام مبارك كله، وبالتالى حلاً عاماً لما تمر به مصر بعد الثورة؟ وهل ما جرى في الواقع يتطابق مع هذا أم أن أغلب المباركيين عادوا بتصوراتهم وأحوالهم القديمة ليهاجموا الثوار ويعيدوا الأمور إلى سابق عهدها؟ هذان سؤالان ليس مطلوباً من الرواية أن تجيب عليهما، وربما أراد مؤلفها أن يطرح حلاً مثالياً، أو يقصر هذا الحل على بطله من دون أن يحمله بأي مستويات عامة أو شاملة تنسحب على حالة المجتمع بأسره، وهذا حقه، لكن كنا ننتظر أن نرى تعميقاً للمجاهدات التي مر بها «رياض كامل» حتى تصفو نفسه، ويصير إنساناً آخر، وهو ما أفرط المتصوفة في الحديث عنه في باب المقامات والأحوال ومدارج السالكين.
والضمير الغالب على الرواية هو «المخاطب» الذي إن كان قد أتاح للمؤلف أن يقيم حواراً داخلياً عريضاً بين البطل ونفسه أو جعل بمكنة الكاتب أن يدين بطله ويجلده أحياناً، فإنه بدا مجافياً في بعض المواضع، لعلم الراوي بكل شيء وإلمامه بكل التفاصيل وتحكمه في مصائر شخصيات الرواية من الابتداء إلى الانتهاء.
وقد حرص الكاتب على أن يظل ضمير المخاطب مصاحباً لبطله الأول طوال صفحات الرواية، فالجملة الأولى منها تقول: «نفس الرؤيا التي تطاردك منذ طفولتك تأتيك هذه المرة بشراسة أكثر»، فيما تبدأ العبارة الأخيرة فيها بالقول: «تضحية كبيرة أن تغادر النوراني فيك، وتنحاز إلى الطيني مرة أخرى، تعود إلى ذلك البين الذي كرهته طويلاً».
على النقيض من ذلك كان المؤلف أكثر تحكماً في رسم بقية الشخصيات عبر استخدام ضمير «الغائب»، ومن خلالهم طرح الكثير من تصوراته وقراءاته الفلسفية، من دون أن يخل بجماليات النص، إذ وظف تلك النزعة المعرفية في ثنايا العمل، عبر وصف وحوار متدفّقين، ولغة فياضة، وشحنات إنسانية ظاهرة، خاصة أنه بدا متعاطفاً مع المهمّشين في روايته، وهم مهمّشون في الحياة نفسها، وأراد أن ينفخ من ذائقته ودرايته في أوصالهم المتراخية ونفوسهم المهيضة، وكان متحمّساً لهم، إلى درجة أنه صنع بهم انقطاعاً إلى حد ما في مسار روايته حين احتاج أن يرسم ملامحهم قبل أن يُدخلهم في علاقة مع بطله الأول، وربما قيده «ضمير المخاطب» في أن يمزج هذه التفاعلات في السير الطوعي للأحداث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك