في فعالية رسمية كبيرة داخل العاصمة الإدارية الجديدة، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مقر القيادة الاستراتيجية الجديد للقوات المسلحة، المعروف باسم" الأوكتاجون" (المبنى ثماني الأضلاع)، وسط تغطية إعلامية واسعة واحتفاء رسمي بالمشروع.
وظهر السيسي مرتديًا الزي العسكري، في أول ظهور من هذا النوع منذ نحو ثماني سنوات، وفي سادس مرة منذ توليه السلطة عام 2014.
وقالت السلطات المصرية إن افتتاح المجمع يأتي في إطار ما وصفته بـ" رفع الجاهزية القتالية والإدارية للدولة".
لكن المشروع أثار أيضًا نقاشًا بين مؤيدين يرون أنه يمثل خطوة لتحديث منظومة القيادة العسكرية، ومنتقدين يعتبرون أن توقيته وأولويات الإنفاق عليه يطرحان تساؤلات في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.
يُعد مجمع القيادة الاستراتيجية للدولة، المعروف باسم" الأوكتاجون"، المقر الجديد لوزارة الدفاع المصرية، ويقع داخل العاصمة الإدارية الجديدة.
ووفقًا لما أعلنته السلطات المصرية، يمتد المجمع على مساحة تبلغ نحو 22 ألف فدان، أي ما يعادل قرابة 92 كيلومترًا مربعًا، ويضم منظومة متكاملة لإدارة وقيادة القوات المسلحة.
ويتكون المجمع من 13 منطقة استراتيجية تضم منشآت عسكرية وإدارية وخدمية، من بينها ثمانية مبانٍ خارجية بتصميم مثمن تحيط بمبنيين رئيسيين في قلب المجمع، إلى جانب مرافق لوجستية ومناطق مخصصة لدعم عمليات القيادة والإدارة.
ويرى مؤمن أشرف، الباحث في سياسات وتعاقدات الدفاع، أن إنشاء مجمع موحد للقيادة العسكرية ليس حالة مصرية استثنائية، بل هو نمط اتبعته دول عدة لتجميع مراكز القيادة والإدارة في موقع واحد.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءةويضرب أشرف أمثلة بـ" البنتاجون"، الذي بُني عام 1943 لتوحيد وزارة الحرب الأمريكية بعد أن كانت موزعة على عشرات المباني، وكذلك المركز الوطني لإدارة الدفاع الروسي الذي افتتحه الرئيس فلاديمير بوتين عام 2014 على ضفة نهر موسكفا.
ويضيف أن قيادات الجيش المصري وأفرعه ظلت لعقود موزعة على مقار متقادمة داخل القاهرة، وهو ما جعل العمل المشترك بين الأفرع يمثل نقطة ضعف مزمنة، كما جعل تأمين هذه المقار وسط مدينة يزيد عدد سكانها على عشرين مليون نسمة تحديًا كبيرًا.
تخطى البودكاست وواصل القراءةشرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتكشهد حفل الافتتاح الذي استمر نحو ساعتين عرضًا لمنظومات عسكرية جديدة، من بينها الظهور الأول لمنظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى الروسية" S-300VM Antey-2500"، إلى جانب المروحية الهجومية Ka-52 المعروفة باسم" تمساح النيل".
وقال الخبير العسكري اللواء سمير راغب إن منظومة" S-300VM" ظهرت سابقًا في مناسبات عسكرية، موضحًا أنها دخلت الخدمة في مصر خلال السنوات الماضية ضمن منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات.
وتُعد هذه المنظومة، بحسب ما هو معلن، قادرة على التعامل مع أهداف على مسافات بعيدة، بما في ذلك الطائرات والصواريخ الباليستية، ضمن إطار شبكة دفاع جوي متكاملة.
ويضيف راغب أن المنظومة تعتمد على قدرات اعتراض بعيدة المدى، وتعمل ضمن منظومة دفاع جوي متعددة المستويات تهدف إلى حماية المجال الجوي والأهداف الاستراتيجية.
وأعلن الفريق ياسر كمال الطودي، قائد قوات الدفاع الجوي المصرية، في تصريحات إعلامية خلال الشهر الجاري، أن قوات الدفاع الجوي تشهد عملية تطوير شاملة تعتمد على بناء منظومات متعددة الطبقات، ودمج تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي والليزر والطاقة الموجهة، لمواكبة التحولات في طبيعة الحروب الحديثة، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والأسلحة فرط الصوتية.
قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن اختيار موقع مقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الإدارية الجديدة جاء بهدف ضمان عدم تأثره بأي ضغوط أو محاولات حصار خلال أوقات الأزمات.
وأشار إلى أحداث شهدتها البلاد بين عامي 2011 و2013، عندما تعرضت مؤسسات سيادية، بينها المحكمة الدستورية العليا ومجلس الوزراء ووزارة الدفاع، لضغوط وحصار، مضيفًا أن نقل المقرات إلى العاصمة الجديدة يهدف إلى" تأمين الدولة ضد تكرار مثل هذه السيناريوهات".
لكن مدحت الزاهد، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي المعارض، يختلف مع هذا الطرح، ويرى أن مثل هذه الإجراءات" قد تحمي المباني، لكنها لن تحمي الدولة"، مضيفًا أن حماية مؤسسات الدولة تتحقق، من وجهة نظره، عبر معالجة الأزمات التي أدت إلى احتجاجات يناير/كانون الثاني 2011.
ويضيف الزاهد أن التوسع في مثل هذه الإجراءات قد يكون مستفزًا في حد ذاته، وقد يسهم في تعميق الهوة بين الدولة والمجتمع.
في المقابل، يرى اللواء سمير راغب، الخبير العسكري، أن إنشاء مقر جديد للقيادة العسكرية في العاصمة الإدارية أصبح ضرورة في ظل تطور طبيعة الحروب، موضحًا أنه في السابق كانت التهديدات التي تطال العمق محدودة، بينما أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى قادرة على استهداف مناطق لم تكن عرضة للخطر في السابق.
يقع" الأوكتاجون" ضمن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، التي تقع شرقي القاهرة على بعد نحو 50 كيلومترًا من العاصمة.
وقبل نحو تسع سنوات، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي إطلاق مشروع العاصمة الإدارية الجديدة على مساحة تبلغ نحو 220 ألف فدان شرقي القاهرة.
ورأت الحكومة أن المشروع يهدف إلى إنشاء مركز جديد للإدارة والأعمال، بينما أثار انتقادات من معارضين اعتبروا أنه يزيد الأعباء الاقتصادية على البلاد ويأتي على حساب أولويات أكثر إلحاحًا.
ورفض السيسي هذه الانتقادات في أكثر من مناسبة، مؤكدًا أن العاصمة الجديدة لم تتكلف موازنة الدولة بشكل مباشر، وأنها قامت على استثمارات جذبتها الدولة لتحويل الصحراء إلى منطقة عمرانية ذات قيمة اقتصادية.
كما قال إن المباني الحكومية التي أُخليت في القاهرة ستُستغل في مشروعات جديدة تدر، بحسب تقديره، مليارات الجنيهات سنويًا.
لكن مدحت الزاهد يشكك في هذا الطرح، قائلًا إن هذه الأموال لم تأت من خارج الاقتصاد الوطني، وإنما جرى توجيهها من مجالات أخرى كان من الأولى استثمارها في تحسين مستوى معيشة المواطنين، والتعامل مع الأزمات التي دفعت المصريين إلى الاحتجاج في أوقات سابقة.
لم تعلن السلطات المصرية تكلفة إنشاء مجمع القيادة الاستراتيجية الجديد المعروف باسم" الأوكتاجون"، كما لا تنشر في العادة تفاصيل موازنة الدفاع أو الإنفاق العسكري التفصيلي، وهو ما يجعل تقدير كلفة مثل هذه المشروعات يعتمد غالبًا على تقديرات غير رسمية أو دراسات بحثية مستقلة.
وفي هذا السياق، يقدّر مؤمن أشرف، الباحث في سياسات وتعاقدات الدفاع، تكلفة إنشاء المجمع بنحو 125 مليون دولار، بناء على تحليل البيانات المعلنة حول حجم وتجهيزات المقر الجديد، في حين لم تُعلن السلطات المصرية رسميًا حتى الآن عن إجمالي تكلفة المشروع.
وفي عام 2019، نشر مركز كارنيغي للشرق الأوسط دراسة قالت إن الجيش المصري يمتلك دورًا اقتصاديًا واسعًا، بما في ذلك إدارة واستغلال أراضٍ بموجب القانون، مشيرة إلى أن هذا النموذج يساهم في تمويل بعض المشروعات، ومنها مشروعات عمرانية كبرى.
وترى الدراسة أن جزءًا من هذا النشاط الاقتصادي لا يخضع للشفافية الكاملة أو الرقابة البرلمانية المباشرة.
ويضيف أن للجيش المصري أنشطة اقتصادية ومصادر تمويل خاصة به، مشيرًا إلى أن حجم الإنفاق العسكري في مصر يُعد من بين الأدنى في المنطقة، إذ يبلغ نحو 1.
1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بدول أخرى في المنطقة تنفق نسبًا أعلى، على حد تعبيره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك