بيروت 6 يوليو تموز (رويترز) – لم تكن جنازة الزعيم الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي مجرد وداع وطني.
فالمشهد المهيب لحشود المشيعين يتجاوز ذلك إلى توجيه رسالة للولايات المتحدة وإسرائيل بأن محاولتهما لإخضاع الجمهورية الإسلامية باءت بالفشل.
وبدلا من أن تبدو بمظهر الدولة الضعيفة التي أنهكتها الحرب، التي بدأت بضربات أمريكية وإسرائيلية في 28 فبراير شباط، تقدم إيران نفسها كقوة موحدة قادرة على التحدي وعازمة على تشكيل مستقبلها.
ويقول مسؤولون إقليميون ودبلوماسيون ومحللون إن هذا التحدي والقدرة على الصمود يشكلان الآن أساس استراتيجية طهران التفاوضية، ويصفون الجنازة بأنها اللحظة التي سعت فيها طهران إلى تحويل قدرتها على التحمل إلى ورقة ضغط.
*”لن نقايض قطعة ألماس بمصاصة”يشير المسؤولون والمحللون إلى أن الحرب كشفت بوضوح نفوذ إيران على مضيق هرمز ومكنتها من المطالبة بأن يبدأ أي اتفاق بشأن برنامجها النووي بالاعتراف بأن سيطرتها على هذا الممر الحيوي للنفط حقيقة واقعة لا بد من قبولها.
كان الهدف من وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما الذي أعلنته واشنطن هو إحياء المسار الدبلوماسي لمنع إيران من تطوير ترسانة نووية، لكنه أدى بدلا من ذلك إلى فتح ساحة أخرى مختلفة للصراع.
وفي هذه الساحة الجديدة، يبرز موقع إيران، وليس اليورانيوم، كأقوى ورقة في يديها، حيث تسعى طهران إلى تحويل مكاسبها في الحرب إلى ميزة استراتيجية دائمة من خلال ضمان قبول وضعها المهيمن على المضيق.
لم يبدأ بعد العد التنازلي لفترة 60 يوما المحددة للتوصل إلى اتفاق نهائي بعد اتفاق وقف إطلاق النار ومذكرة التفاهم المصاحبة له.
وخلال هذه الفترة التي تغيب فيها عوامل الضغط، تتحكم إيران في وتيرة الأحداث.
وقال أليكس فاتانكا من معهد الشرق الأوسط، ومقره في الولايات المتحدة، إنه على الرغم من إمكانية جني عائدات ضخمة من فرض رسوم على السفن التي تعبر المضيق، فإن طهران تنظر إلى هرمز باعتباره مصدرا للشرعية السياسية أكثر من كونه موردا اقتصاديا.
وأضاف فاتانكا «الدلالات الرمزية أكثر أهمية بالنسبة للإيرانيين من العائدات.
إنهم يريدون نوعا ما من القبول، بما ينطوي عليه ذلك من دلالات، بأن المضيق ملك لإيران.
الأمر يتعلق بقبول إيران كقوة ذات سيادة على المضيق».
واستشهد فاتانكا بمثل فارسي، يقول «لماذا نقايض قطعة ألماس بمصاصة؟ »وهرمز، بحسابات طهران، هو الألماسة.
أما رفع العقوبات والأصول المجمدة فهي المصاصة.
تتبنى القيادة الإيرانية هذا الموقف وتعبر عنه.
وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف «مضيق هرمز هو أعظم أدوات قوتنا؛ يجب أن نحمي هذه الهبة الإلهية بالشكل اللائق»، مضيفا أن إيران «لن تتنازل تحت أي ظرف من الظروف عن حقوقها» هناك.
وتشير مصادر إقليمية ودبلوماسيون إلى أن إيران تتعمد إبطاء المفاوضات لتأمين ما تعتبره مكاسب حرب قبل أن تعود إلى القضية النووية.
ويقول آلان آير، الدبلوماسي الأمريكي السابق الخبير في الشؤون الإيرانية إن قضية اليورانيوم يمكن أن تنتظر بالنسبة لطهران، التي تنفي سعيها للحصول على قنبلة نووية، لكن تعزيز موقفها في هرمز لا يقبل الانتظار.
ويضيف آير «إيران سعيدة تماما بكسب الوقت وإطالة أمد المفاوضات.
إنها تريد السيطرة على مضيق هرمز وتجري محادثات لإضفاء طابع مؤسسي على هذه السيطرة».
وقد تُترجم هذه السيطرة في شكل ترتيبات للعبور، أو آليات تنسيق، أو فرض رسوم على خدمات في مسار يعبر من خلاله خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، بينما تنتظر دول الخليج لترى ما إذا كانت واشنطن قادرة على تغيير هذا الواقع الجديد.
وتعتقد طهران أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المحكوم بقيود السياسة الداخلية وتوخي الحذر من مواجهة أخرى قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر تشرين الثاني، يتعرض لضغوط لتأمين اتفاق أكبر من الضغوط التي تتعرض لها إيران لتقديم تنازلات.
وقال آير «يعرف الإيرانيون أن الرئيس ترامب يريد الخروج من الأزمة.
يريد المضي قدما.
وهم يعلمون أن بإمكانهم الضغط عليه لأن الوقت في صالحهم».
وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق في شؤون الشرق الأوسط، إن الحملة العسكرية التي شنتها واشنطن فشلت في كسر شوكة إيران، تاركة الدبلوماسية الأمريكية تكابد مع وقف هش لإطلاق النار يحتاج تطبيقه، بحد ذاته، إلى عناء وجهد كبير.
وأضاف أن طهران ليس لديها سبب يذكر للانخراط بجدية في ملف برنامجها النووي قبل أن تتأكد من قبول الواقع الجديد المتعلق بمضيق هرمز، وتحقيق تقدم ملموس في تحرير مليارات الدولارات من الأصول المجمدة في الخارج.
وأوضح ميلر «كانت مهلة الستين يوما على الدوام ضربا من الخيال.
لن يتحرك الإيرانيون نحو الملف النووي قبل أن يكونوا واثقين من ترسيخ هذا الوضع الراهن الجديد… إنهم يريدون التأكد من أن ترامب يفهم، وأن العالم (بأسره) يفهم، أنه لا عودة إلى 27 فبراير».
تستغل إيران ما يسميه ميلر الحقيقة الأساسية لنظام ما بعد الحرب.
فلم تغير القوة العسكرية الأمريكية ولا التهديد بالحصار البحري الأمريكي للموانئ موقفها بشكل جذري بشأن مضيق هرمز.
وقال ميلر «لن يتخلوا عنه».
وقالت ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، إن واشنطن ربما تكون قد ساهمت في تحويل مضيق هرمز من مجرد ورقة ضغط إلى مصدر دائم للنفوذ، عندما أوقفت الحرب بدون حل القضايا التي كانت سببا لها.
ويخشى مسؤولون خليجيون من أن تكون الحرب، من خلال كشف قدرة إيران على تشكيل الأحداث حول المضيق، قد خلقت ميزة ستحجم طهران عن التنازل عنها حتى ولو كان ذلك في مقابل رفع العقوبات أو التقدم في الملف النووي.
وأضافت الكتبي «يمارسون الضغط على الأمريكيين وعلى الجميع.
والآن بعد أن عثروا على كنز هرمز هذا، لن يتخلوا عنه».
ويقول المحللون إن واشنطن ستضطر على الأرجح إلى قبول إعادة فتح المضيق بشروط تمليها طهران إلى حد كبير.
وقال آير «لن يفوز أحد، لكن خسارة إيران ستكون أقل من خسارة الولايات المتحدة».
(إعداد وتحرير أيمن سعد مسلم للنشرة العربية).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك