في وقت تتزايد فيه المخاوف من انخفاض معدلات المواليد وشيخوخة السكان، توصلت دراسة اقتصادية حديثة إلى نتيجة تناقض النظرة التقليدية السائدة.
فبدلاً من أن يؤدي تقلص عدد السكان إلى إضعاف النمو الاقتصادي، تشير الأدلة إلى أن الاقتصادات أصبحت أكثر إنتاجية مع تراجع أعداد السكان وارتفاع متوسط أعمارهم، بفضل تسارع الابتكار والاستثمار في التكنولوجيا.
وتحمل الدراسة عنوان" انخفاض المواليد وازدهار النمو.
التغير الديمغرافي والاقتصاد الكلي"، وأعدها الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2024 الأميركي التركي دارون عجم أوغلو، إلى جانب ديفيد أوتور، وكيلان بيرن، وأندرو سكوت، ونُشرت في يونيو/حزيران الماضي عبر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ثم صدرت باعتبارها ورقة نقاش عن مركز أبحاث السياسات الاقتصادية، ووزعت عبر المكتب الوطني الأميركي للبحوث الاقتصادية الثلاثاء الماضي.
اعتمد الباحثون على بيانات تمتد لنحو سبعين عاماً، شملت عشرات الدول، إضافة إلى تحليل مفصل للمناطق الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، بهدف قياس أثر انخفاض الخصوبة وشيخوخة السكان على الأداء الاقتصادي والإنتاجية والابتكار.
وتؤكد الدراسة أن النتائج الفعلية تختلف عن التوقعات المتشائمة التي سادت خلال السنوات الماضية، إذ لم تجد دليلاً على أن تقلص السكان أدى إلى إضعاف الناتج المحلي الإجمالي، بل وجدت أن إنتاجية العامل ارتفعت بدرجة عوضت بالكامل تقريباً أثر انخفاض عدد السكان.
انخفاض المواليد رفع إنتاجية العاملتشير الدراسة إلى أن معدل المواليد العالمي انخفض بصورة حادة خلال العقود الماضية، إذ تراجع من 3.
78 مواليد لكل مئة نسمة عام 1950 إلى 1.
71 مولود عام 2025.
ورغم هذا الانخفاض، أظهرت النتائج أن كل تراجع بمقدار نقطة مئوية واحدة في معدل المواليد ارتبط بزيادة قدرها 26.
8% في الناتج المحلي الإجمالي لكل فرد في سن العمل، وهو ما يعكس ارتفاعاً واضحاً في إنتاجية العامل وليس مجرد تغير ديمغرافي.
ترجع الدراسة هذا التحسن إلى استجابة الشركات لنقص العمالة.
فعندما يصبح العمال أقل عدداً، تتجه المؤسسات إلى زيادة الاستثمار في التكنولوجيا والأتمتة والذكاء الاصطناعي والمعدات الحديثة، بحيث ينتج كل عامل قيمة اقتصادية أكبر.
وتوضح الدراسة أن انخفاض المواليد ارتبط أيضاً بارتفاع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وزيادة الاستثمارات الرأسمالية، واتجاه الاقتصادات نحو الصناعات عالية التقنية، إضافة إلى تسجيل عدد أكبر من براءات الاختراع الخاصة بالتقنيات الموفرة للعمالة.
الاقتصاد يتجه نحو التكنولوجياورصد الباحثون في الولايات المتحدة انتقالاً تدريجياً للعمالة نحو القطاعات عالية التقنية، بالتزامن مع زيادة الابتكارات التي تقلل الحاجة إلى العمالة البشرية.
وترى الدراسة أن هذا التحول التكنولوجي هو العامل الرئيسي الذي يفسر العلاقة الإيجابية بين انخفاض المواليد وتسارع النمو الاقتصادي، لأن نقص اليد العاملة يدفع الشركات إلى تسريع تبني التقنيات الجديدة بدلاً من الاعتماد على زيادة عدد العاملين.
اختبر الباحثون تفسيرات أخرى قد تفسر ارتفاع الإنتاجية، مثل زيادة مشاركة النساء في سوق العمل أو انتقال الاقتصادات من الزراعة إلى الصناعة، إلا أنهم لم يجدوا أدلة إحصائية كافية تثبت أن هذه العوامل كانت المحرك الأساسي للنمو.
وبحسب الدراسة، يبقى التقدم التكنولوجي والاستثمار في الابتكار العامل الأكثر تأثيراً في تفسير تحسن الأداء الاقتصادي في الدول التي شهدت انخفاضاً في معدلات الإنجاب.
إعادة التفكير في أزمة الشيخوخةترى الدراسة أن السياسات الاقتصادية ينبغي ألا تنظر إلى شيخوخة السكان باعتبارها أزمة حتمية، لأن الاقتصادات تمتلك قدرة كبيرة على التكيف عندما تستثمر في التكنولوجيا ورأس المال البشري.
وخلصت إلى أن انخفاض عدد السكان لا يؤدي تلقائياً إلى تباطؤ النمو، بل قد يصبح حافزاً لإعادة هيكلة الاقتصاد، ورفع الإنتاجية، وتسريع الابتكار، وتعزيز الصناعات المتقدمة، بما يعوض آثار تقلص قوة العمل ويحافظ على مستويات الناتج الاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك