خلف الهتاف وحرارة الميدان.
مستطيل أخضر يكتب فصول السيادةالعلم الالكترونية - بقلم حفصة الشادلي(صحافية متدربة)الـكـُونْـدِي مَـازَالْ كَـيْـقَـمَّـرْ بِـالـكـُنْـتْـرَاتُـو الْـفَـالْـصُـو فِـي سُـوقْ الْـمِـيـرْكَـاتُـو.
،في مواجهة ربع النهائي المرتقبة يقف الجمهور أمام منظومة نابوليونية عاتية قوية كالحصون القوطية الشاهقة في تنظيمها الصارم وتماسكها البنيوي، ولا أحد ينكر أنهم يملكون ترسانة تكتيكية بالغة الدقة وأن أقدامهم فوق العشب تعرف طريقها جيداً، هذا واقع رياضي تصفق له الروح التواقة للجمال الكروي.
النكتة تبدأ عندما ينطفئ لهيب الـ" FLAM" ويشتغل" قنديل الكواليس"، ليذكرنا هذا برجل أوقف شرطياً يسأله عن الساعة فنظر الشرطي إلى ساعته وقال: الرابعة تماماً، فطلب منه الرجل أن يحلف، غضب الشرطي وصادر بطاقته الوطنية.
وهذا تماماً ما يخشاه الوجدان في الغرف المظلمة لـ" الڤار" إذ لا يُطالب أحدٌ بمعجزة بل فقط ألا تُمَال الخطوط التقديرية للتسلل، وألا تصاب الشاشات بـ" العمى المؤقت" والتغافل المتعمد كلما سقط" أسد" في مربع العمليات وطالب بحقه المشروع في ضربة جزاء واضحة لا غبار عليها.
وهذا التاريخ يثبت أن الطموح النقي كثيراً ما واجه سيناريوهات معقدة خلف الستار، إذ ليس هذا بحديثٍ مستجدّ برز فقط في مونديال قطر حين اصطدمت طموحات الأسود بجدار كواليس الديوك الفرنسية في ليلةٍ شهدت تغافلاً تحكيمياً صارخاً عن حقوق مشروعة داخل مربع العمليات شهد عليها العالم بأسره، بل هو امتداد مبرمج لمنظومة تحكيمية وسياسية تمتد جذورها عميقاً في وجدان التاريخ الكروي.
حُرمت إيطاليا سنة 1934 من نزاهة الميدان تحت وطأة الحسابات السياسية الفاشية، وكما جُرّد منتخب البرازيل في مونديال 1978 من حقه بـ'هندسة ترتيبية' مشبوهة في نتائج المجموعات لضمان عبور أصحاب الأرض، وصولاً إلى مهزلة مونديال 2002 التي ذُبحت فيها طموحات منتخبات كبرى كإسبانيا وإيطاليا فوق العشب بقرارات تحكيمية فاقت حدود العبث لتعبيد الطريق نحو سيناريوهات كُتبت سلفاً في الغرف المظلمة.
لكن المؤامرة الحقيقية أعمق من مجرد صفارة حكم لأن غرف الـ" VAR" اليوم ليست لضبط التسلل بل هي مختبرات سياسية مخفية لإدارة التوازن الرمزي والديمغرافي في العالم، حيث يُسمح للكبار فقط بالعبور ويُحظر على القوى الناشئة تجاوز خطوط الطول والعرض المرسومة مسبقاً في دوائر النفوذ السيادي.
إنهم يعلمون علم اليقين أن سقوط هذه التراتبية الرياضية سيطلق" تأثير الفراشة" الذي يزلزل موازين القوى فالعشب هنا مرآة للسياسة وانتزاع الندّية الكاملة يسقط جدار التبعية النفسية وعقدة النقص الفكرية لدى شعوب الجنوب وعندما يرى جيلٌ ناشئ أنه قادر على هزم المركزية الغربية في أكثر المجالات تنافسية وتعقيداً سيتغير لديه مفهوم الممكن تلقائياً لينتقل هذا الوعي السيادي الجديد من المستطيل الأخضر إلى مجالات الصناعة والاقتصاد والقرار وهذا تماماً ما ترتعد له فرائص المنظومة الدولية خلف الستار.
وهي الوقائع التي قد تدفع أحياناً نحو نوع من الانكفاء ليس عجزاً بل ترفعاً، عن متابعة تسعين دقيقة تصاحبها الهواجس ذاتها بعدما تحولت بعض التظاهرات من فضاء للنزاهة إلى مسرح مفتوح لعمليات" تلقَام" أي إجبار شجرة تين على إنجاب الزيتون قسراً، لأن سوق المصالح يريد ذلك والمنظومة الدولية اليوم تمارس هذا" التلقام" على الطموح الرياضي بهندسة اللقاء ليظل" الشمال شمالاً" و" الجنوب جنوباً" ويرفضون لهذا الوعي التاريخي الجديد الانعتاق من قيود التبعية، ولو كلفهم الأمر التمسك بـتسلل مشكوك فيه تمرره" عين ميكة" تواطؤية في غرف القرار المظلمة.
نعم، لعبة مكشوفة الأوراق يعلمون أننا نفهمها ونعلم أنهم يدركون ذلك، نبتسم جميعاً للكاميرا تماشياً مع البروتوكول لأن المغرب لا يقتحم هذه المعركة استجداءً لشهادة حسن سيرة من مركزية غربية، بل لفرض قطيعة فكرية راديكالية، قطيعة تنسف سردية الظاهرة العابرة وتؤسس فوق العشب وأمام الشاشات لمنطق السيادة المتكاملة والتكافؤ المطلق، وهنا يكمن الجوهر الحقيقي للتنافس الرياضي إذ تظل القيمة الأسمى للمستديرة في قدرتها الفطرية على تجاوز المعايير الجاهزة، وإعادة الاعتبار لمنطق الجدارة الرياضية الخالص.
محطة ربع النهائي تمثل مساحة حرة تثبت من خلالها الروح الرياضية الوطنية ندّيتها الكاملة وقدرتها الفائقة على تقديم نموذج كروي مبهر يفرض احترامه عالمياً فوق أرضية الميدان بعيداً عن أية حسابات سابقة، ومن هذا المنطلق الاستشرافي لا يتطلع الشغف الرياضي اليوم إلى مجرد فوز عابر يرضى به الفتات بل، يزحف بثقة لانتزاع اللقب العالمي وإعادة ترتيب هرم الكرة الكونية.
إنها معركة إرادة وتخطيط متكامل يأبى أن يظل مجرد رقم في معادلات الكبار، معركة تحوّل الحلم المونديالي إلى واقع ملموس يكسر احتكارهم التاريخي ليظل الميدان هو المحكمة الأخيرة والوحيدة التي تُسقط حسابات الغرف المظلمة وتكتب فيها أقدام الأبطال موازين قوى جديدة لا تملك هندستهم الدولية إلا الانصياع لها، رغماً عن أنف الشاشات المنطفئة والغرف الضيقة، لتصبح الكرة مجرد مرآة كاشفة لوعي جماعي متكامل لا يتجزأ، وهنا يتبدى تهافت أولئك الذين يرتدون" حايك" الثقافة الزائفة ويتحدثون بنبرة استعلائية مدّعين أن المستديرة مجرد أداة لإلهاء الشعوب وتخديرها عن قضاياها الحقيقية.
إن هذا التنظير البائس يعكس قصوراً حاداً في فهم ميكانيزمات السيكولوجيا الجماعية، فالشعوب الواعية لا تحتاج إلى وصاية فكرية تُملي عليها كيف تفصل بين متعتها المستحقة ومعاركها المصيرية، والكرة لم تكن يوماً حجاباً يستر الواقع، بل هي الفضاء الباطني الذي تتدرب فيه الأمة على كسر الهزيمة النفسية وانتزاع الاعتراف بروح قتالية حية، ومن يعجز عن رؤية هذا الامتداد الرمزي في عمق المستطيل الأخضر يعاني في الأصل من عمىً سياسي وفكري يجعله عاجزاً عن إدراك أن السيادة كلٌّ لا يتجزأ وأن النضال من أجل إثبات الذات في الوجود يبدأ من أدق تفاصيل الشغف الإنساني وينتهي بكبريات القضايا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك