في مشهد يعيد تعريف حجم المأساة، تواصل فنزويلا نزف أبناءها يومياً، مع ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزالين المدمرين إلى 3,342 قتيلاً و16,740 جريحاً، في كارثة طبيعية تهز أركان البلاد وتكشف هشاشة بنيتها التحتية وسط عزلة جوية خانقة وصمت رسمي مريب.
وبينما تتصاعد المخاوف من كارثة صحية ثانية في مخيمات النازحين، تواصل فرق الإنقاذ الدولية والمحلية نبش الأنقاض في مشاهد تنكأ الجراح وتفضح حجم الفاجعة التي حلت بالشعب الفنزويلي.
أرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانيةفي تحديث مأساوي للحصيلة الرسمية، أعلنت السلطات الفنزويلية وصول عدد القتلى إلى 3,342، بينهم أطفال ونساء وشيوخ، فيما بلغ عدد الجرحى 16,740، بعضهم في حالات خطيرة.
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، إذ كشف التقرير أن 17,345 شخصاً فقدوا منازلهم بالكامل، بينما لا يزال 46 مركز إيواء مؤقت يستوعب أكثر من 11,500 نازح يعيشون في ظروف صحية مزرية تهدد بحصول أزمة إنسانية ثانية.
وتشير الأرقام إلى أن 856 مبنى تعرض لأضرار متفاوتة، انهار منها 190 بالكامل، بينها مدارس ومستشفيات ومنشآت حكومية، مما يضاعف من معاناة الناجين ويزيد من تعقيد عمليات الإغاثة.
لا جوايرا.
مدينة تبكي تحت الرمادفي مدينة لا جوايرا الساحلية، التي كانت قلب النشاط الاقتصادي والسياحي في فنزويلا، تحولت الشوارع إلى أكوام من الركام، والمباني إلى شواهد على دمار غير مسبوق، وفي ملعب سيزار نييفيس، أحد أكبر المخيمات المؤقتة، تتشارك الصديقتان إستير وريناليس خيمة واحدة بعد أن تشققت منازلهما.
تقول إستير بصوت مبحوح: " نشكر الله على مساعدات العديد من الدول، لكننا لا نعرف متى سنعود إلى منازلنا.
الخوف يمنعنا، فالجدران قد تنهار علينا في أي لحظة".
أما ريناليس (15 عاماً) فتروي معاناة يومية قاسية: " العيش في الشارع ليس كالبيت.
البعوض يلدغنا ويلدغ الأطفال أيضاً.
نعاني من حكة وجروح، ولا يوجد ماء كافٍ للاستحمام".
حديث الفتاة يكشف عن واقع مرير يعيشه آلاف النازحين في مخيمات تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة.
37 مليار دولار.
خسائر تتجاوز التقديراتفي تطور يكشف عن عمق الكارثة، كشفت تقديرات الأمم المتحدة أن الأضرار المادية المباشرة بلغت نحو 37 مليار دولار، موزعة بين 24 ملياراً للأضرار في المباني و13 ملياراً للبنية التحتية، مع تركيز الخسائر الأكبر في قطاع الاتصالات بنحو 5 مليارات دولار.
وحذرت المنظمة الأممية من أن هذا الرقم لا يشمل الخسائر الناجمة عن توقف الأنشطة الاقتصادية أو تكاليف الاستجابة الطارئة، مما يعني أن الحجم الإجمالي للكارثة قد يكون أكبر بكثير.
ويقول خبراء اقتصاديون إن هذا الرقم قد يمثل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا، في ضربة قاصمة لاقتصاد منهك أصلاً يعاني من عقوبات دولية وأزمة عملة خانقة.
مطار مايكيتيا.
عزلة جوية تتفاقمفي قلب الكارثة، يواصل مطار مايكيتيا الدولي، المنفذ الجوي الرئيسي للبلاد، إغلاقه للأسبوع الثاني على التوالي، في أزمة تعيد إنتاج سيناريو العزلة الجوية التي عاشتها فنزويلا لأربعة أشهر مطلع العام.
وتشير تقارير دولية إلى تضرر المدرجات بشقوق عميقة قد تستغرق إعادة تأهيلها ثلاثة أشهر على الأقل.
وتحولت الحركة الجوية إلى مطارات فالنسيا وماراكايبو وباركيسيميتو، التي تعاني أصلاً من طاقة استيعابية محدودة، مما أدى إلى طوابير تمتد لثلاث ساعات وتأخيرات تصل إلى 12 ساعة.
وأصدرت سلطات الطيران إشعاراً بتقييد الحركة (NOTAM) مدد حتى 9 يوليو، مما يعني استمرار العزلة الجوية لأيام إضافية.
وتتفاقم الأزمة بفقدان نخبة من الكوادر الفنية من المهندسين وأطقم الطيران الذين يسكنون لا جوايرا المنكوبة، وما زال الكثير منهم في عداد المفقودين، مما يعطل أي محاولات سريعة لاستعادة الخدمة ولو بطاقة جزئية.
عمال المناجم يشاركون فى عمليات إنقاذ فى ظروف قاسيةفي مشاهد تنم عن إرادة صلبة، يواصل 4,088 من رجال الإنقاذ الدوليين، إلى جانب 29,567 من القوات المحلية و27,482 متطوعاً، عمليات البحث والإنقاذ في ظروف صعبة تحت وطأة 995 هزة ارتدادية تزيد من خطورة الوضع.
وتوزعت المساعدات الإنسانية بـ9,585 طناً من المواد الغذائية و669 ألف لتر من المياه، فيما تلقى 23,820 مريضاً رعاية طبية في المراكز الميدانية.
وتحول عمال المناجم إلى أبطال غير متوقعين في معركة الإنقاذ، حاملين آلاتهم البسيطة من مناطق نائية للمشاركة في نبش الأنقاض.
يقول خوسيه ريفا، قائد مجموعة عمال المناجم: " انتشلنا عشر جثث حتى الآن، لكننا نعلم بوجود 25 قتيلاً في هذا المبنى وحده".
ويضيف أركاينخيل أوروخويته، وهو عسكري في إجازة يساعد في البحث بمبنى من 12 طابقاً انهار بالكامل: " الأثر النفسي قوي جداً، لأننا نتحدث عن انتشال عشر جثث يومياً، لكننا جميعاً نساعد بعضنا البعض".
تحذيرات من كارثة صحية ثانيةفي تطور مثير للقلق، حذرت منظمة الصحة العالمية من خطر تفشي الأوبئة في المخيمات المؤقتة التي تؤوي آلاف النازحين، داعية إلى تعزيز الوصول إلى مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.
وتؤكد الفرق الميدانية أن غياب المراحيض ومياه الاستحمام، إلى جانب انتشار البعوض، يخلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض الجلدية والجهاز التنفسي، خاصة بين الأطفال وكبار السن.
وتقول تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إن أكثر من 40% من النازحين هم من الأطفال، مما يزيد من خطورة الأوضاع في المخيمات المكتظة.
في موازاة الجهود الميدانية، تحركت المواقف الدولية تضامناً مع الشعب الفنزويلي.
ففي الفاتيكان، جدد البابا ليون الرابع عشر دعوته للصلاة من أجل فنزويلا، قائلاً باللغة الإسبانية: " أذكر دائماً في صلواتي ضحايا الزلزال والشعب الفنزويلي بأكمله، أسأل الرب أن يسندكم في هذه اللحظة العصيبة".
كما أعلنت النجمة الكولومبية شاكيرا عن تبرع بـ500 ألف دولار لدعم تعليم أطفال فنزويلا، ووجهت نداءً للقادة الأوروبيين للمساهمة في جهود الإغاثة.
كما أعلنت النجمة الكولومبية العالمية شاكيرا، عبر مقطع فيديو نشرته على حسابها في إنستجرام، عن تبرع قيمته نصف مليون دولار لدعم تعليم الأطفال المتضررين من الزلزالين المدمرين الذين ضربا فنزويلا في 24 يونيو، مع توجيه نداء عاجل لثلاثة من قادة العالم للمساهمة في هذه المبادرة الإنسانية.
نصف مليون دولار لإنقاذ مستقبل الأطفالأوضحت شاكيرا، التي تتعاون مع صندوق" فيفا - جلوبال سيتيزن" للتعليم، أن التبرع سيُخصص لدعم منظمات محلية في فنزويلا تعمل على إعادة الأطفال إلى المدارس، ودعم المعلمين، واستعادة الوصول إلى التعليم الذي توقف بسبب الكارثة.
وقالت في الفيديو: " أفخر بمشاركتي في هذا الصندوق، وسنخصص 500 ألف دولار للمنظمات في فنزويلا التي تساعد الأطفال الذين انقطعت تعليمهم بسبب هذه المأساة الرهيبة"، وفقا لصحيفة بيرفل الكولومبية.
وجهت شاكيرا دعوة خاصة لثلاثة قادة دوليين، وهم رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيجرو، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدرش ميرتس، لحثهم على تخصيص أموال لدعم الصندوق، مؤكدة أن رئيس وزراء كندا كارني سبق أن أبدى استعداده لدعم الحملة.
وأضافت: " آمل أن ينضم آخرون إلى هذا الجهد".
دعم التعليم في وقت الأزماتنشرت شاكيرا نصاً مرفقاً بالفيديو جاء فيه: " بعد الزلازل المدمرة في فنزويلا، من المحتمل أن تعاني البرامج التعليمية من انتكاسات طويلة الأمد، مما يعطل التقدم الذي كان يتحقق.
أدعم أطفال فنزويلا لضمان استمرار حصولهم على التعليم وفرص التعلم أثناء إعادة بناء البلاد".
بين أنقاض لا جوايرا وصراخ النازحين في المخيمات، وبين صمت الحكومة المؤقتة على مصير المطار وحجم الأضرار، تقف فنزويلا على حافة الهاوية.
فالزلزال لم يدمّر المباني فقط، بل كشف عمق الأزمة الهيكلية التي تعانيها البلاد، وزاد من معاناة شعب منهك أصلاً بسبب سنوات من الأزمات الاقتصادية والسياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك