Independent عربية - إسبانيا تفوز على البرتغال وتتأهل لدور الثمانية بكأس العالم Independent عربية - أكسيوس: إيران أطلقت صاروخين باتجاه سفن تجارية في مضيق هرمز يومياتي - مجنّدات إسرائيليات يرقصن ويغنين على تيك توك Independent عربية - إسرائيل تطالب بنزع سلاح "حماس" بعد إعلان الحركة حل حكومتها في غزة وكالة شينخوا الصينية - الصين تطلق 92 خطا جديدا للشحن الجوي الدولي خلال النصف الأول من عام 2026 Independent عربية - رهانات المستثمرين تتزايد: تدفقات تاريخية إلى أسهم التكنولوجيا مع تحسن توقعات الأرباح وكالة شينخوا الصينية - تقارير: ألمانيا تأمل في إبرام صفقة غواصات كبرى مع كندا بالتزامن مع قمة الناتو روسيا اليوم - الجيش الروسي: القوات الأوكرانية تستهدف المدنيين في كونستانتينوفكا وتعيق عمليات الإخلاء قناة الجزيرة مباشر - أكسيوس عن مسؤول أمريكي: سفينتان تجاريتان تعرضتا لضربة من الحرس الثوري روسيا اليوم - وزير الدفاع البولندي: أوكرانيا على استعداد لاستئناف المفاوضات حول "ميغ 29"
عامة

عود على بدء .. حين يصبح النقد هدماً: في الدفاع عن التقاليد الثقافية دون تقديسها

سودانايل الإلكترونية

ليس مطلوباً من أحد أن يُعجب بكاتب بعينه، ولا أن يسلّم بمكانة أديب لمجرد أن الناس احتفوا به. فالثقافة لا تقوم على الإجماع، وإنما تتقدم بالاختلاف. غير أن هناك فرقاً بين اختلاف يفتح باب المعرفة، واختلاف ...

ملخص مرصد
يثير كاتب المقال جدلاً حول نقد الدكتور الوليد مادبو لأسماء ثقافية سودانية بارزة مثل عبد الله الطيب والطيب صالح وعلي المك، معتبراً أن النقد يجب أن ينصب على الأعمال لا على الأشخاص. ويناقش المقال أن الثقافة السودانية تواجه خطر اختزالها في هويات جغرافية، مطالباً بقراءة متوازنة للتراث دون تقديس أو تجريح. ويؤكد أن قضايا العدالة التاريخية تحتاج إلى إطار سياسي وليس ثقافي.
  • انتقد الدكتور الوليد مادبو أسماء ثقافية سودانية بارزة في مقال له
  • أكد الكاتب أن النقد يجب أن يركز على الأعمال لا على الأشخاص
  • دعا إلى قراءة متوازنة للتراث السوداني دون تقديس أو تجريح
من: الدكتور الوليد مادبو، عبد الله الطيب، الطيب صالح، علي المك أين: السودان

ليس مطلوباً من أحد أن يُعجب بكاتب بعينه، ولا أن يسلّم بمكانة أديب لمجرد أن الناس احتفوا به.

فالثقافة لا تقوم على الإجماع، وإنما تتقدم بالاختلاف.

غير أن هناك فرقاً بين اختلاف يفتح باب المعرفة، واختلاف يكتفي بإقصاء الآخر؛ بين نقد يبدأ من النصوص، ونقد ينتهي عند أصحابها.

هذا ما يدعو إلى التوقف أمام الجدل الذي أثاره الدكتور الوليد مادبو عندما تناول البروفيسور عبد الله الطيب، والطيب صالح، وعلي المك، وعدّهم جزءاً مما سمّاه “أصنام المركز”.

فالمسألة، في تقديري، ليست في حقه في إعادة تقييم هذه الأسماء، فهذا كما قلنا من قبل، حق لا خلاف عليه، وإنما في المنهج الذي تُقرأ به التجارب الثقافية، وفي النتائج التي يفضي إليها هذا النوع من القراءة.

تاريخ الثقافة الإنسانية مليء بالأسماء التي اختلف الناس حولها.

لم يسلم شكسبير من النقد، ولا دوستويفسكي، ولا تولستوي، كما لم يسلم طه حسين أو نجيب محفوظ.

لكن الخلاف كان يدور حول أعمالهم وأفكارهم، لا حول إنكار مكانتهم أو ردّ حضورهم إلى مجرد امتياز اجتماعي أو ثقافي.

وفي السودان، لا ينبغي أن يكون الأمر مختلفاً.

فالبروفيسور عبد الله الطيب، قبل أي شيء آخر، عالم كرّس حياته للبحث والتعليم والتأليف، وترك إرثاً علمياً ما زال حاضراً في الجامعات داخل السودان وخارجه.

قد يختلف الباحثون مع بعض آرائه أو مع منهجه في قراءة التراث، لكن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن أثره العلمي موثق في كتبه و عند تلاميذه، لا في الهالة التي أحاط بها الناس اسمه.

والطيب صالح لم يحتل مكانته في الرواية العربية لأن مؤسسة ما قررت ذلك، وإنما لأن أعماله وجدت قراءاً في ثقافات متعددة، واستطاعت أن تتجاوز حدود المكان الذي خرجت منه.

ومن الطبيعي أن تختلف القراءات النقدية لأدبه، وأن يرى بعض النقاد أن بعض أعماله أقوى من غيرها، أو أن يناقشوا تمثيله للهامش أو للريف السوداني.

لكن اختزال تجربته كلها في كونها نتاجاً لهيمنة ثقافية يبدو تفسيراً لا يحيط بتعقيد تلك التجربة.

أما علي المك، فهو ربما أكثر هؤلاء تعرضاً للغبن في مثل هذه الأحكام.

فقد كان قاصاً مرهف الحس، وناقداً أدبياً، وأستاذاً جامعياً ترك أثراً واضحاً في أجيال من طلاب الأدب.

ولم يكن مشروعه قائماً على الصخب، بل على الكتابة الهادئة التي تنحاز إلى الإنسان وتفاصيل حياته اليومية، وهي قيمة أدبية لا تقل أهمية عن المشاريع التي تفرض حضورها بضجيجها.

لكن ثمة ملاحظة تبدو أكثر أهمية من الاختلاف حول تقييم هذه الأسماء.

فقضية العلاقة بين المركز والهامش، بما تنطوي عليه من مظالم تاريخية واختلالات في بنية الدولة السودانية، قضية بالغة الجدية والتعقيد، ولا أظن أن من الحكمة أن يزج بها في سجال حول القيمة الأدبية أو العلمية لأفراد، مهما كانت مكانتهم.

فهذه القضية أكبر من الأشخاص، وأعمق من أن تُختزل في أسماء بعينها.

ولعل الدكتور الوليد مادبو، وهو صاحب قلم رصين ولغة متميزة، لم يُوفَّق هذه المرة في اختيار المدخل الأنسب للدفاع عن تلك القضية.

فربط أزمة المركز والهامش بأسماء مثل عبد الله الطيب، والطيب صالح، وعلي المك، لا يقوي الحجة بقدر ما يضعفها؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال العدالة السياسية والتنموية إلى معركة حول الرموز الثقافية.

والأسوأ من ذلك أنه يستعدي قطاعات واسعة من السودانيين، كثير منهم ليسوا خصوماً لقضايا الهامش، بل كانوا وما زالوا جزءاً من معسكر يناضل من أجل الحرية والسلام والعدالة، وهي المبادئ ذاتها التي قامت عليها المطالبة بإنصاف الهامش وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس أكثر عدلاً.

وما يبعث على القلق أن المنجز الثقافي السوداني بات يُقرأ، في أحيان كثيرة، من خلال عدسة الهوية وحدها.

فإذا كان الكاتب من الشمال، عُدّ نجاحه امتيازاً اجتماعياً، وإذا كان من الهامش، عُدّ حضوره مقاومة للمركز.

وفي الحالتين يتراجع النص، ويتقدم الانتماء، ويصبح الموقع الجغرافي أهم من القيمة الأدبية.

لا أحد ينكر أن السودان عرف اختلالات تاريخية في توزيع السلطة والثروة والفرص، كما لا يمكن إنكار أن أصواتاً كثيرة من أطراف البلاد لم تنل ما تستحقه من الاهتمام.

لكن معالجة هذا الخلل لا تكون بإقامة ظلم جديد، ولا بإزاحة أسماء راسخة لإفساح المجال لغيرها.

فالعدالة لا تتحقق بالإلغاء، وإنما بتوسيع دائرة الاعتراف.

كان الأولى أن يُعاد تقديم أسماء كبيرة مثل إبراهيم إسحاق، ومحمد عبد الحي، ومحجوب شريف، وغيرهم من أدباء الشرق والغرب والجنوب والشمال، بوصفهم جزءاً أصيلاً من المشهد الثقافي السوداني، لا بوصفهم بديلاً عن أحد.

فالثقافة ليست سباقاً يخسر فيه اسم لكي يفوز آخر، وإنما هي تراكم تتجاور فيه التجارب وتتفاعل.

ومن الإنصاف أيضاً أن نعترف بأن الشهرة ليست دائماً دليلاً على العبقرية، لكنها ليست، في الوقت نفسه، دليلاً على وجود مؤامرة.

ففي كل الآداب هناك من لم ينل ما يستحقه من الاعتراف، وهناك من حظي بانتشار أكبر من القيمة الفنية لبعض أعماله.

غير أن تفسير هذه الظاهرة كلها بمنطق الانتماء الاجتماعي وحده يختزل المشهد أكثر مما يفسره.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان، وهو يحاول الخروج من حرب مدمرة، أن تتحول قضايا العدالة التاريخية إلى مادة للاستقطاب الثقافي.

فالعلاقة بين المركز والهامش ليست قضية ضد أفراد، ولا ضد إنتاجهم الفكري، وإنما هي قضية تتعلق ببنية الدولة وتوزيع السلطة والثروة والفرص.

وعندما تُنقل هذه المعركة من فضائها السياسي والتاريخي إلى محاكمة الأدباء والعلماء، فإنها تخسر كثيراً من قوتها الأخلاقية، وتخسر معها تعاطف فئات واسعة كان من الممكن أن تكون جزءاً من مشروع التغيير نفسه.

النقد ضرورة لا غنى عنها، لكنه يكتسب قيمته حين يضيف معرفة جديدة، لا حين يكتفي بإسقاط الرموز.

فالهدم عمل يسير، أما البناء فيحتاج إلى صبر، وإلى عدالة، وإلى استعداد للاعتراف بالفضل حيث كان.

واليوم، والسودان يبحث عن طريق يعيد به بناء دولته ومجتمعه، تبدو الحاجة أكبر إلى خطاب يقرأ التراث بعين ناقدة، من دون أن يتحول إلى خصومة مع الذاكرة الوطنية.

فلا التقديس يصنع نهضة، ولا التجريح يصنع عدالة.

فالأمم الواثقة من نفسها لا تخشى مراجعة ما تركته رموزها من أثر، لكنها لا تستسهل أيضاً اختزال تاريخها الثقافي في تفسير واحد.

وفي زمن تتشظى فيه البلاد، قد يكون من الحكمة أن يبقى ما يجمع السودانيين أكثر مما يفرقهم، وأن يكون الاختلاف حول رموزهم اختلافاً في الفهم والتأويل، و في حقهم في أن يكونوا جزءاً من الذاكرة الوطنية.

السودان لن يخرج من أزمته بإقامة معارك جديدة بين أبنائه، وإنما ببناء مساحة وطنية مشتركة تتسع للاعتراف بالمظالم التاريخية، وللدفاع عن حقوق الهامش، وفي الوقت نفسه تحفظ للمنجز الثقافي مكانته، وتفصل بين نقد الأفكار والطعن في أصحابها.

فالقضايا الكبرى لا تقوى حين تُحمَّل ما لا تحتمل، وإنما تزداد قوة حين تُطرح في سياقها الصحيح، وتُبنى على ما يجمع الناس أكثر مما يفرقهم.

muhammedbabiker@aol.

co.

uk.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك