أثارت اتفاقية منح شركة زين الكويتية رخصة تشغيل مشغل الاتصالات الخليوية الثاني في سوريا، لمدة عشرين عاماً قابلة للتمديد، نقاشاً واسعاً في الأوساط القانونية والاقتصادية حول شرعية الاتفاقيات الاستثمارية طويلة الأجل التي تبرمها الحكومة، والأساس القانوني الذي تستند إليه، وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية في إبرامها، فضلاً عن مدى خضوعها للرقابة التشريعية أو القضائية، وإمكانية مراجعتها أو تعديلها أو إلغائها مستقبلاً.
ويكتسب هذا الجدل أهمية خاصة في ظل توجه الحكومة نحو استقطاب استثمارات كبيرة لإعادة تأهيل قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الاتصالات، حيث أعلنت أن قيمة رخصة زين بلغت 747 مليون دولار دخلت مباشرة إلى الخزينة العامة، إلى جانب استثمارات متوقعة تقارب 800 مليون دولار خلال السنوات السبع الأولى، ما يجعل الاتفاقية واحدة من أكبر العقود الاستثمارية المعلنة في قطاع الاتصالات السوري خلال السنوات الأخيرة.
رخصة تمتد لعشرين عاماً واستثمارات بمئات الملايينوقال المدير العام للهيئة الناظمة للاتصالات والبريد، خالد الحمصي، في مداخلة ضمن برنامج" سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا، إن الإطلاق الرسمي لشركة زين في سوريا سيتم خلال مدة أقصاها ستة أشهر من تاريخ منح الرخصة، على أن تبدأ الشركة أعمالها التجارية مطلع عام 2027 تحت علامتها التجارية الجديدة، بدلاً من العلامة التجارية لشركة MTN.
وأوضح الحمصي أن قيمة الرخصة تبلغ 747 مليون دولار دخلت مباشرة إلى الخزينة العامة، في حين تعتزم الشركة ضخ استثمارات مباشرة وغير مباشرة تقدر بنحو 800 مليون دولار خلال السنوات السبع الأولى، لتطوير البنية التحتية لقطاع الاتصالات.
وأضاف أن الرخصة الممنوحة تعد رخصة تقليدية لمشغل خليوي، إلا أنها تتميز بمرونة تقنية وتنظيمية أكبر، بما يسمح باستيعاب التطورات المستقبلية في قطاع الاتصالات، فضلاً عن سرعة تنفيذ مشاريع التوسع وتحديث الشبكات.
وبيّن أن مدة الرخصة البالغة عشرين عاماً، مع إمكانية تمديدها لخمس سنوات باتفاق الطرفين، تنسجم مع المعايير الدولية، إذ تتراوح مدة تراخيص مشغلي الاتصالات في معظم دول العالم بين 15 و20 عاماً، موضحاً أن هذه المدة ضرورية لضمان الجدوى الاقتصادية وتمكين المستثمر من استرداد رأس المال وتحقيق عائد على استثماراته.
المنافسة سترفع جودة الخدمات وتزيد إيرادات الدولةوأكد الحمصي، أن الاتفاقية لا تقتصر على قيمة الرخصة المالية، بل تمنح الدولة عوائد مستمرة من خلال امتلاك الصندوق السيادي السوري 25 في المئة من الشركة المشغلة، مقابل 75 في المئة لمجموعة زين، إضافة إلى حصول الهيئة الناظمة على نسبة مشاركة من الإيرادات تصل تدريجياً إلى 21.
5 في المئة.
وأشار إلى أن دخول زين إلى السوق السورية سيخلق منافسة مباشرة مع شركة سيريتل، الأمر الذي سينعكس ـ بحسب قوله ـ على تحسين جودة الخدمات، وتطوير البنية التقنية، وتقديم أسعار أكثر تنافسية للمشتركين.
وأضاف أن الشركة تعتزم إدخال أحدث تقنيات الاتصالات، وفي مقدمتها شبكات الجيل الخامس المستقلة (5G Standalone)، إلى جانب تنفيذ برامج لتدريب الكوادر السورية، ودعم مشاريع التحول الرقمي، والاستثمار في تنمية الموارد البشرية.
وأوضح أن الرخصة تضمنت التزامات فنية صارمة تشمل سرعة نشر الشبكات، وتوسيع التغطية، وتحديث شبكات الجيل الرابع والخامس، والتخلي التدريجي عن تقنيات الجيلين الثاني والثالث، مؤكداً أن الهيئة الناظمة ستراقب تنفيذ هذه الالتزامات وجودة الخدمات والأسعار، مع فرض غرامات مالية قد تصل، في الحالات القصوى، إلى سحب الترخيص.
الأساس القانوني للرخصة وصلاحيات الحكومةوفي السياق القانوني، قال المحامي والمستشار القانوني عبد الرحمن العبد الله، إن منح الرخصة يستند إلى قانون الاتصالات السوري رقم 18 لعام 2010، الذي يمنح الهيئة الناظمة ووزارة الاتصالات صلاحية إصدار تراخيص مشغلي الاتصالات، من دون تحديد مدة زمنية ملزمة لهذه التراخيص.
وأوضح العبد الله في مداخلة ضمن برنامج" سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا أن تحديد مدة الرخصة يعود إلى تقدير الجهة الإدارية بما يحقق المصلحة العامة والجدوى الاقتصادية، مشيراً إلى أن قطاع الاتصالات يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وهو ما يجعل منح تراخيص طويلة الأجل أمراً متعارفاً عليه عالمياً.
وأضاف أن تقييم مدى توازن الاتفاقية يتطلب الاطلاع على النص الكامل للعقد، إلا أن مدة العشرين عاماً لا تبدو، من حيث المبدأ، مخالفة للممارسات الدولية، خاصة في ظل حجم الاستثمارات المعلنة وقيمة الرخصة التي دفعت مقدماً.
وأشار العبد الله إلى أن الإعلان الدستوري الحالي منح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في إدارة الاستثمارات والمرافق العامة، في حين لا يمتلك مجلس الشعب صلاحية تعديل أو إلغاء الاتفاقيات الاستثمارية التي تبرمها الحكومة، ويقتصر دوره على مساءلة الوزراء أو دعوتهم إلى جلسات استماع، من دون امتلاك صلاحية سحب الثقة أو إبطال العقود.
هل يمكن تعديل الاتفاقية أو إلغاؤها مستقبلاً؟وحول إمكانية تعديل الاتفاقية أو إلغائها، أوضح العبد الله، أن أي إخلال من جانب الدولة بالتزاماتها التعاقدية قد يعرّضها لدعاوى تحكيم دولية، إذا كان العقد ينص على اللجوء إلى هيئات التحكيم، وهو ما قد يترتب عليه دفع تعويضات للطرف المتضرر.
وفي المقابل، أكد أن الحكومة تحتفظ بحق اتخاذ إجراءات قانونية بحق الشركة في حال أخلّت بالتزاماتها، تبدأ بالإنذارات والغرامات المالية، وقد تصل إلى سحب الرخصة أو فرض الحراسة القضائية إذا أدى الإخلال إلى تهديد استمرارية الخدمة.
وأضاف أن تعديل الإعلان الدستوري مستقبلاً لن ينسحب، في الأصل، على الاتفاقيات المبرمة سابقاً، التزاماً بمبدأ استقرار المراكز القانونية وعدم تطبيق القوانين بأثر رجعي، إلا في حالات استثنائية يحددها القانون أو ينص عليها العقد.
اتفاقية تفتح نقاشاً أوسع حول الاستثمار والرقابةوتسلط اتفاقية زين الضوء على نقاش أوسع يتعلق بطبيعة الاتفاقيات الاستثمارية طويلة الأجل التي تبرمها الحكومة السورية، وحدود الرقابة عليها، والتوازن بين منح المستثمرين الضمانات اللازمة لاسترداد استثماراتهم، وبين الحفاظ على حق الدولة في مراجعة العقود إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن الاتفاقية ستوفر إيرادات مباشرة للخزينة، وتعزز المنافسة في سوق الاتصالات، وترفع جودة الخدمات، يتفق الضيفان على أن الحكم النهائي على التجربة سيبقى مرتبطاً بمدى تنفيذ الالتزامات الواردة في العقد، وشفافية تطبيقها، وانعكاسها الفعلي على قطاع الاتصالات والمواطنين خلال السنوات المقبلة.
وفي ظل توجه الحكومة لإبرام اتفاقيات استثمارية طويلة الأجل في عدد من القطاعات، تبدو اتفاقية زين اختباراً عملياً لقدرة البيئة القانونية والتنظيمية في سوريا على تحقيق توازن بين توفير الضمانات اللازمة للمستثمرين، والحفاظ على حق الدولة في الرقابة وحماية المصلحة العامة.
ويبقى نجاح هذه التجربة مرهوناً بمدى تنفيذ الالتزامات المعلنة، وشفافية المتابعة، وانعكاس نتائجها على تحسين الخدمات وتعزيز المنافسة ودعم الاقتصاد السوري على المدى الطويل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك