في ظل استمرار محاولات الجماعة الإرهابية، إعادة إنتاج خطابها السياسي والإعلامي رغم القيود التي تواجهها، برز اعتمادها بشكل متزايد على ما تصدره بعض المنظمات الدولية والإعلامية والحقوقية من تقارير، تقدم في ظاهرها باعتبارها محايدة وموضوعية، بينما يتم توظيفها لاحقا داخل خطاب الجماعة كأداة لدعم سردية المظلومية وتبرير مواقفها وتحركاتها.
هذا النمط من التوظيف لا يقتصر على إعادة نشر هذه التقارير، بل يمتد إلى إدماجها في خطاب سياسي وإعلامي منسق، يهدف إلى التأثير على الرأي العام الدولي وتقديم صورة انتقائية عن الواقع، بما يخدم أجندات التنظيم ويمنحه مساحة للحضور عبر بوابات غير مباشرة.
وفي هذا السياق، يؤكد عمرو فاروق، الخبير في شئون الحركات المتطرفة، أن مسألة التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية، سواء كانت إعلامية أو حقوقية أو فكرية أو بحثية، يتم توظيفها بشكل ممنهج من قبل جماعة الإخوان، مشيرا إلى أن معظم هذه المؤسسات تدور في فلك جماعة الإخوان، إما لاعتبارات تتعلق بعملية الاختراق التوظيفي أو لعوامل التمويل والتوجيه غير المباشر.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ" اليوم السابع"، أن عددا من هذه الكيانات يرتبط بـ" التنظيم الدولي للجماعة"، سواء عبر تأسيس مؤسسات تبدو في ظاهرها بحثية أو إعلامية مستقلة، بينما في حقيقتها تعمل وفق توجهات الجماعة وتخدم مشروعها السياسي، موضحا أن ذلك يمنحها الشرعية الأكاديمية أو البحثية أمام الرأي العام الدولي.
الباحث عمرو فاروق الخبير في شئون الحركات المتطرفةويشير الخبير في شئون الحركات المتطرفة إلى أن عملية إنتاج هذه التقارير تمر بسلسلة مترابطة، تبدأ من مصادر معلومات تابعة للجماعة عبر قنوات إعلامية أو مواقع إخبارية أو مراكز بحثية مرتبطة بها، ثم يتم إعادة صياغتها داخل تقارير مؤسسات تبدو دولية أو مستقلة، قبل أن تُعاد مرة أخرى للتداول عبر منصات إعلامية محسوبة على التنظيم، على أنها تقارير محايدة وموثوقة.
ويوضح أن هذه الدائرة المغلقة تساهم في تكريس روايات بعينها، رغم افتقارها للحياد والدقة في كثير من الأحيان، لافتا إلى أن هذه التقارير تتحول لاحقا إلى مادة خصبة يتم استخدامها من قبل اللجان الإلكترونية التابعة للجماعة، سواء في الحملات الدعائية أو في تبرير خطابها السياسي.
وفي امتداد هذا التأثير، يرى فاروق أن بعض هذه الأدبيات يتم توظيفها حتى من قبل اللجان النوعية للجماعة، التي تعتمد على خطاب مظلومية سياسي أو اجتماعي كأحد مداخل تبرير العنف أو التحريض عليه، مؤكدا أن جزءا من الخطاب الإعلامي والبحثي المسيس يخلق بيئة حاضنة لهذا النوع من التبرير غير المباشر.
إعادة إنتاج حضور الجماعة خارجياويضيف أن الجماعة، رغم القيود المفروضة عليها داخل مصر وخارجها، تحاول إعادة إنتاج حضورها عبر أدوات ناعمة، على رأسها مراكز الدراسات والمؤسسات البحثية، التي تعمل كقنوات بديلة للتأثير على الرأي العام والنخب الأكاديمية، مشيرا إلى أن هذا النمط يمثل" نافذة لإعادة التموضع السياسي والفكري.
ويشير فاروق إلى واقعة حديثة تتعلق بمؤتمر دولي تم تنظيمه بمشاركة بعض الشخصيات، حيث جرى الترويج له كمنصة أكاديمية مستقلة، بينما أظهرت التحريات حوله أن الجهات المنظمة مرتبطة بمؤسسات تابعة للتنظيم الدولي للجماعة، وتم تأسيس بعضها في الخارج، وتعمل على تقديم برامج تدريبية مرتبطة بمجالات سياسية وأمنية واستراتيجية.
ويوضح أن هذه المؤسسات تعتمد على شبكة علاقات مع كيانات أكاديمية أو بحثية في أوروبا وغيرها، بما يمنحها مظهر الاستقلال، رغم ارتباطها العضوي أو المالي أو الفكري بالتنظيم، وهو ما يساهم في إعادة إنتاج خطاب الجماعة تحت غطاء علمي وبحثي.
ويشدد الخبير في شئون الحركات المتطرفة على أن خطورة هذه الظاهرة لا تقتصر على الجانب الإعلامي فقط، بل تمتد إلى ما وصفه بالهندسة الفكرية للعقل الجمعي، عبر إعادة تشكيل الوعي العام بمفاهيم سياسية واجتماعية يتم توظيفها لاحقًا في دعم أجندات تنظيمية.
ويؤكد أن مواجهة هذا النمط من التأثير يتطلب تدقيقا أكبر في مصادر المعلومات، وفهما أعمق لشبكات التمويل والارتباط بين المؤسسات البحثية والإعلامية، مشيرا إلى أن الكشف عن هذه الدوائر المتصلة يظل خطوة أساسية لفهم كيفية صناعة الخطاب المؤثر الذي تستند إليه الجماعات المتطرفة في تبرير وجودها وتحركاتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك