لم يتوقف الروائي والقاص السوري نيروز مالك عن الكتابة منذ 1977.
فسّر أحياء مدينته حلب، وانتقد السلطة، وجاء على مواضيع أخرى، كما عاش محطات الثورة وتقلباتها.
غير أنه اليوم يشكو من قلة القراء، كبقية الكتّاب داخل سورية، لا سيما أن روايات عدة صدرت له في الخارج ولم تصل إلى كثيرين من القراء السوريين.
الروائي نيروز مالك، الذي بكى ليلة سقوط النظام فرحاً، التقاه" سورية الجديدة" وكان الحوار التالي:خلال تجربتي التي تقارب الخمسين سنة، نجحت في هذا إلى حدّ بعيد، أن أعيش هذه التجربة، تجربة الفصل ما بين الإنسان وقيمه، بين الكاتب وإبداعه* لماذا لم تغادر حلب؟ أتحبّ المكان إلى هذا الحدّ، أم إن عقبات حالت دون هذا؟لم أستطع المغادرة.
منعتني جملة من الأسباب.
لعّل أهمها الوضع النفسي.
كل ما كان يحيط بي كان يمنعني.
كيف يمكن لي أن أغادر تاركاً ورائي حياة كاملة؟ بيتي، كتبي، طاولتي التي كتبت عليها قصصي ورواياتي، وكل الكتب التي قرأتها، فكل سنتيمتر منها لي معه قصة، وحكاية، وذكريات عمرها عشرات السنوات: بيت بنيته بعرق جبيني، ولدت وتكوّنت فيه أسرتي.
أطفال أصبحوا شباباً، وحيّ كان شاهداً على تفاصيل حياتي.
أما حلب، فلا يمكن لي أن أجد بديلاً لها بعد هذا الانتظار الذي دام سنوات، لأرى هذه الاحتجاجات السلمية التي استمرت شهوراً طويلة، قبل أن تتسلح المعارضة، ويبدأ الصراع على السلطة، لأنني في عزّ أيام الصراع، ما بين المعارضة المسلحة والقوات الحكومية، لم أستطع إلّا أن أعيش تفاصيل حياتها، وكل الأحداث التي جرت فيها، والاطلاع على أخبارها؛ أخبار الدماء والخراب الذي راح يحلّ بحاراتها، بيوتها، مرافقها.
ومع الأيام، أصبحتُ جزءاً من حياة المعارضة إلى 2011.
ثم أصبحت، بعد أن تسلّحت المعارضة، شاهداً على الصراع بينهما.
ثم أنها حلب، مسقط رأسي.
ولدت فيها وعشت كل حياتي، باستثناء فترة دراستي في الاتحاد السوفييتي.
ثم أنا ابن لوالدين كرديين هاجرا من قرية صغيرة اسمها قيبار بحكم عمل والدي.
ثم إنني أُشبعت بحكايات حيّ كرم الجبل الذي سكنت فيه أول حيّ في حلب.
حكايات لم أعشها، كنت في تلك الأعوام ما أزال في بطن أمي، بعد ولادتي عشت حكايات الحيّ التابع لثكنة طارق بن زياد.
كان يضمّ بشراً وناساً وخلقاً من كل مدن سورية.
حيّ خاص بأفراده من الجنود وصف الضباط والضباط.
ومع سن اليفاع عشت حكايات حيّ السريان الذي عشت فيه أكثر من ثلاثين سنة، قبل أن أتزوج وأنتقل مع زوجتي إلى حي الزهور الذي يُعرف بحيّ السريان الجديدة.
وفي هذا الحي، داهمتني حكايات الانتفاضة والحرب، وفيه عشت وما زلت.
هذه الظروف هي التي منعتني من مغادرة حلب، لأنني كلما فكّرت بالخروج، كانت هذه الحياة تشدّني إلى الوراء.
أما عندما اشتدّت الحرب في حلب، وأصبحت أخطر مدينة في العالم، كما وصفتها الوكالات الدولية للأخبار، فجاءتني أكثر من دعوة من كتاب ودور ثقافية أجنبية، أن عليّ الخروج من سورية حرصاً عليّ وعلى أسرتي، وأبلغتني بكل التسهيلات التي ستقدمها لي من أجل الوصول إلى أوروبا (ألمانيا، فرنسا، السويد)، إلا أنني شكرتهم لدعواتهم وحرصهم، وقلت لهم إنه ما زالت هناك إمكانية للعيش في حلب، وفي سورية عموماً.
سورية التي عملت، منذ أن كنت عشرينياً، من أجل أن تكون دولة مدنية ديمقراطية، ولكل مواطنيها السوريين.
لكل هذه الأسباب، وأخرى في الوجدان لم أخرج منها، لم أفكر بالخروج منها.
أذكر في إحدى رسائلي في سنة 2015، وكانت جواباً لصديق طالبني أيضاً بالخروج، قلت: هل يستطيع الإنسان الخروج من جلده؟ بقيت، لأن والديّ هناك على كتف جبل يشرف على القرية التي ولدا فيها، رحمهما الله، ينتظرانني لأنضم إليهما ذات يوم.
*كيف عشت سنوات الثورة والحرب إنساناً وكاتباً؟من الصعوبة أن تفصل، برأيي، الكاتب بوصفه ذاتاً مبدعة عن كينونته إنساناً.
إذ بدأت كاتباً في 1977، السنة التي نشرت فيها أول عمل لي، وكان كتاباً مؤلفاً من روايتين قصيرتين، إحداهما عن جانب من حياتي في الاتحاد السوفييتي، أيام دراستي، تناولت فيها موضوع الشرق والغرب الاشتراكي.
كان الكتاب بعنوان" الصَدَفة والبحر"، ومنذ ذلك الكتاب ألزمت نفسي، كإنسان بصفة كاتب، بأن تكون القيم الإنسانية التي أؤمن بها كاتباً صفة لي إنساناً.
أعرف أن هذا امتحان صعب وكبير أن تتواءم هاتان الصفتان بإنسان واحد من دون خلل في توازنهما.
إلّا أنني حاولت، وأستطيع القول: خلال تجربتي التي تقارب الخمسين سنة، نجحت في هذا إلى حدّ بعيد، ومن دون إجبار نفسي عليه.
وبالرغم من هذا، كان هناك، أحياناً، بعض الخلل في توازني، في حالات عشتها وكنت لا أستطيع التوفيق، أو كنت مرغماً على أمر ما، في أن أعيش هذه التجربة، تجربة الفصل ما بين الإنسان وقيمه، بين الكاتب وإبداعه.
عشت الانتفاضة، وتجربتها السلمية، بكل تفاصيلها.
وعندما تسلّحت، أيّ أصبحت معارضة مسلحة، وقع الطلاق بيننا، لأن أمثالي ممن يرون النشاط السلمي الطريق للوصول إلى ما يبتغه الإنسان، يرى في السلاح أداة قتل، والقتل بعيد كل البعد عن القيم التي أؤمن بها.
وعلى الرغم من هذا لم أحاربها، انتقدتها، نعم.
كما حدث مع المفكر الماركسي الروسي بليخانوف الذي عمل طوال حياته من أجل الثورة الروسية، وكرّس حياته لها/ وعندما قامت ثورة مسلحة لم يقف معها، ولكنه لم يعمل ضدها.
وكاتباً، نادراً ما اقتربت من أعمالها؛ أقصد المعارك العسكرية مع القوات الحكومية، وكان رأيي أن" الانتفاضة" انتهت منذ اللحظة التي تسلحت فيها، ليصبح الصراع على السلطة بين قوتين مسلحتين لا غير، فالثورة تعني، في حال نجاحها، تغييراً في بنية المجتمع ومكوناته، وليس تبديلاً في هرم السلطة كما هو الحال في الثورات المسلحة.
لهذا كان كل ما كتبته عن هذا الصراع عن معاناة الناس في حياتهم اليومية، من قتل، وخوف، ونزوح، ولجوء، وهجرة إلى الخارج.
كان عن سؤال للناس، كلما يخرج أحدهم من البيت، هل سيعود إليه أم لا؟ ليس هذا وحسب، كان الخوف من أن يزوره الموت حتى لو كان في بيته.
لهذا كتبت روايتي" تحت سماء الحرب" التي ترجمت إلى لغات أوروبية عدّة، وفازت بجائزتين من فرنسا، كتبتها كأنك تحمل" حجراً كريماً" بسطوح عدّة، كل سطح يختلف في شكله ومساحته عن الآخر، تنظر إليه، وأنت تديره بين أصابعك، فلا ترى منه سوى سطوحه، ومهما أدرته لن ترى سوى حجر كريم واحد، لهذا جعلت الحرب بطل الرواية.
*هل ساعدتك الكتابة على تحمل مشقّات الفترة؟طوال سنوات الكتابة التي بدأت بعد انهيار حلمي في أن أكون فناناً تشكيلياً، بسبب هزيمة 1967، حملت الكتابة، بالنسبة لي، مشقات الحياة الاجتماعية والسياسية، ومشقات العلاقات مع الناس، عندما فشلت في العزلة عنهم، وذلك بسبب عملي السياسي، والذي يفترض مني ألا أكون قريباً منهم فقط، بل أن أكون منخرطاً في كل القضايا التي يعانون منها، من أجل أن تكون لديّ المقدرة والقدرة على المساعدة، وإن لم أجدها لديّ كفرد، يمكن أن أجدها لدى الحزب كجماعة.
طبعاً، كانت هناك مشقات أخرى، من بينها العلاقة مع الأسرة والآخرين، ساعدني الأدب على تخطّيها، فكان طوال سنوات الحرب، والحصار، والقتل، والخراب، الوحيد الذي ساعدني على تخطي ما كنت فيه، أنا وأسرتي.
وكان، في صباح كل يوم، يفتح عينيّ على واقع جديد، وأحداث جديدة، ويدفعني إلى المراقبة والتأمل، وتقديم الحلول لمشكلاتٍ عانيت منها وتخطّيتها.
وكثيراً ما كنت أفكر، وأنا أعيش حالة من اليأس، خصوصاً عندما كان الإحباط يصل بي إلى الحدود القصوى، وأنا أسأل نفسي: طيب.
إلى متى؟كنت على قناعة بأن النظام المستبد سيسقط سقوطاً مريعاً.
سينتهي إلى غير رجعة.
عندها سنقدر على التنفس بحرية، على استنشاق الهواء بكمية كبيرة، خصوصاً عندما كانت تأتي إليّ أخبار الأصدقاء الذين في خارج البلد عبر الرسائل، رسائل متنوعة، بعضها تزرع فيك الحزن، والألم، وأحياناً الحسد، عندما كانوا يتحدثون عن الهناءة والراحة التي يعيشون فيها بعد التعب والألم اللذين عانوا منهما، وهم في تلك البلاد؛ بلادنا الثانية كما كانوا يقولون.
هنا كان الأدب يأتي إلي في كل مساء، إلى طاولتي، يضع القلم في يدي والورق أمامي، ويقول لي: اكتب.
خفف مما تعاني منه، اعمل كما عملت أثناء كتابة روايتك" ظلال الليالي" المترجمة إلى الفرنسية 2017 ولعبت فيها دور شهريار، عوضاً عن شهرزاد، وأنت تقصّ على نفسك القصص من أجل أن تعيش بسلام مع حالات" الضغط" كما أخبرني طبيبي، عندما قال: اكتب في كل ليلة، نفّث الضغوط النفسية التي تعاني منها.
وهكذا ما زال الأدب ينقذني من المرض، بعد أن أصبحت شهريار أقصّ لنفسي قصص الرواية التي انتهيت من كتابتها في 2007، الرواية التي قال عنها السويدي يان هنريك سواهن الذي ترجم روايتي" تحت سماء الحرب" إلى السويدية، إن من يقرأ" ظلال الليالي"، وقد قرأها في ترجمتها الفرنسية، سيعرف الأسباب التي قامت من أجلها الحرب في سورية.
عندما كانت الحرب في قمتها ما بين قوات الحكومة والمعارضة المسلحة، قرّرت أن أكتب عن مقدّماتها، عن آمال أبناء جيلي وأحلامهم وانكسارهم* الحرب بطل رواية" وقائع الحرب اليومية" (2020) أيضاً، هل تتحدث قليلاً عن خلفيات هذا الخيار؟لا بد من هذه الملاحظة حول البناء الذي أصدرت به الرواية، قبل الجواب: " بطل هذه الرواية هو الحرب.
ولمّا كانت الحرب تتألف من معارك عدّة، طويلة وقصيرة، ولكل واحدةٍ زمان ومكان ونتائج، يمكن لنا، أن نقول: هذه الرواية تتكون من مجموع معارك بطلها.
ولمّا كانت لهذه المعارك تفاصيل من القتل، والتدمير، والتهجير، فيمكن أن نصيغها قصصاً، ونصوصاً، ومقاطع.
لهذا نعتبر أن مجموع هذه القصص والنصوص والمقاطع هي رواية من دون شك في جنسها الأدبي، وبطلها هو الحرب المستمرة على الأرض السورية منذ خمس سنوات".
عندما فكرت بكتابة رواية عن الحرب، كنت أمام مشكلة الشكل -القالب- هل أكتبها كما تكتب الروايات التي تتحدث عن الحروب، أي عن الاشتباكات على جبهات القتال بين أسلحة وجيوش؟ أهملت أمر المتقاتلين من القوات الحكومية والمعارضة المسلحة، واهتممت بمأساة الشعب ومعاناته جرّاء هذا الصراع.
ولم تمر سنة حتى تجلت المأساة بأجلى صورها من خراب المدن، والموت تحت أنقاض البيوت، ونزوح الناس، وتمزيق الشعب السوري إلى فرق وشيع.
هذا الواقع هو الذي رسم لي شكل الرواية، إلى جانب العمل على تكثيف موضوعاتها، من قصّة، ونص، وواقعة، لإدانة اختزال انتفاضة الشعب السوري إلى صراع على السلطة.
أعرف سيختلف معي بعض القراء، وهذا حقّ من حقوقهم، وهم أحرار في تقييم ما جرى في سورية، وما يجري فيها اليوم أيضاً.
في أواخر 2014 اتصل بي الكاتب والمترجم السوري فواز حسين، وهو يكتب بالفرنسية من باريس، وطلب مني أن يترجم لي الرواية إلى الفرنسية.
وافقت، ونُشرت بالفرنسية قبل أن تصدر طبعتها العربية الأولى في 2023 في القاهرة عن دار ببلومانيا.
كان خياري خاصاً جداً في الكتابة التي كُتبت" تحت سماء الحرب" و" وقائع الحرب اليومية" التي صدرت عن دار ورد في عمّان.
* تتحدّث روايتك" نصف قرن" عن سيرة جيل السبعينيات الذي انطفأت كل أحلامه وآماله للوصول إلى عصر الحداثة، أين يكمن العطب برأيك؟نعم.
عندما كانت الحرب في قمتها ما بين قوات الحكومة والمعارضة المسلحة، قرّرت أن أكتب عن مقدّماتها، عن آمال أبناء جيلي وأحلامهم وانكسارهم، وقد انتقيت نماذج ممن تعرّفت عليهم من الأصدقاء خلال السنوات التي نشطت فيها في العمل السياسي من أجل تغيير المجتمع، من تقليدي تحكمه عصابة من العسكر بلباس فضفاض من الشعارات القومية والدينية والعلمانية، ودمجهم في شخصية بطل الرواية التي كتبتها على مستويين: الأول، الحديث عن الماضي السياسي والاجتماعي والأيديولوجي له، والظروف الموضوعية التي أحاطت به.
فقد دمجت القوى اليسارية بتوجهاتها كافة؛ اليمينية الانتهازية، واليسارية المتطرفة؛ يسار مع السلطة المستبدة، وأخرى خارج السلطة يغلب على نشاطها التطرف اليساري.
سرت بالشخصية في خطين.
الأول عن تحولاته في سير الأحداث، وتحولات المجتمع السياسي والاجتماعي، وتلونه معها حتى ينتهي إلى خيانة كل ما كان يؤمن به من قيم وأخلاق، وخيانة أحلام الفقراء الذين كان يجد فيهم القوة التي ستغير المجتمع، من تقليدي إلى مجتمع حداثي.
ورسمت الخط الثاني عبر الكاتب الذي يكتب الرواية، وهو أشبه بالقرين لبطل الرواية، والكاتب الذي يكتب رواية جيله وانكساراته، وانطفاء أحلامه.
يعيش الحرب، ويحكي عنها، ويبّين موقفه منها، ومن الصراع الذي يجري أمامه، ومن حوله شاهداً على الحرب، والقتل، والتهجير.
وتنتهي الرواية بإدانة الكاتب نفسه، وهو يحدّثنا طوال الحرب كقرين يدين بطل الرواية الذي انتهى إلى انتهازية فاقعة.
رواية انتقادية لكل القوى اليسارية بشقّيها؛ الانتهازي اليميني والطفولي اليساري بحسب تعريف لينين.
تُضاف إليها كل القوى المعارضة من كل الأيديولوجيات الأخرى من دينية، وقومية.
انتقدت مسيرة أجيال ممن نشطوا في العمل السياسي ذات الأفق الضيق، والمنغلق، والمنفصل عن الواقع.
* انشغلت" رباعة حلب" التي كتبتها ما بين 1989- 1995 بتحولات المجتمع السوري بعد انتهاء الصراع المسلح بين الإخوان المسلمين والسلطة.
هل تفكر بعمل مماثل يغطي فترتي الحرب والثورة؟انبثقت فكرة الرواية في ذهني بعد أن بدأت حيتان المال نشاطها في كل المجالات، خصوصاً في المجال العقاري، تعمل وتنشط في حي السريان، منتصف السبعينيات، فاشترى التجّار بيوت الحي، وهي أحواش عربية ذات امتداد أفقي، بغرض هدمها، وبناء أبنيه طابقية على أراضيها، فكانت النتيجة إلغاء هندسة سكنية واستبدالها بأخرى، ما أدّى إلى تغيير بنيتها السكنية، فأدّى هذا إلى تغيير ديموغرافي في الحي كل الذي سميته يوماً" سورية الصغرى"، حيث كنت تجد فيها سوريين من كل مدنها، وقراها وأريافها، وكل أديانها، وقومياتها، وطوائفها، وقد سكنت فيه منذ كنت في العاشرة.
وبالرغم من تنوعه السكاني، لم يقع فيه في أي يوم صراع نابع من هذا التنوع والاختلاف.
كان الجميع يتعاملون كجيران، وليس كطوائف، وقوميات، ومذاهب، وأديان.
هكذا كانت الحياة بالنسبة لهم، قائمة على محبة الجيرة واحترام الخصوصيات والتعاون كأناس بسطاء.
أصبح الحي في أوسط الثمانينيات يختلف تماماً عما كان عليه قبل عقد، يختلف عن الحي القديم الذي كان سابقاً، حتى بات لا يعرف أبناء الحي الواحد جيرانه الذين يسكنون معه في مبنى واحد.
ثم كانت جماعة الإخوان المسلمين بواجهتها المتطرفة التي تمثلت في تنظيم الطليعة المقاتلة التي بدأت في الاغتيالات الفردية، وانتهت بمجزرة مدرسة المدفعية في 16 يونيو/ حزيران 1979 التي راح ضحيتها أكثر من مائة ضحية ببن قتيل وجريح من طلاب المدرسة.
ليبدأ الصراع بين التنظيم المتطرف والسلطة المستبدة، ثم انتهى في 1982 بالقضاء على الجماعة بالقتل، والاعتقال، وهرب القيادات إلى خارج سورية، بعد ارتكاب السلطة أكثر من مجزرة بحقهم، وبحق البيئة التي ينتمون إليها.
لم يكن هذا الصراع مجرّد صراع بين أيديولوجيتين، إنما كان صراعاً على السلطة، وعلى الاقتصاد، وعلى المجتمع.
من هذا الصراع المزدوج بدأت لديّ فكرة" رباعية حلب"، حاولت قدر الإمكان أن أبعدها عن وثائقية تلك المرحلة، وأن أكثف بناء الرواية على الصراع الاقتصادي والاجتماعي، وما يلوذ به من فساد وإفساد.
صحيح اسمها" رباعية حلب"، إلا أن لكل رواية عنوانها الخاص بها، ويمكن قراءة كل منها على حدّة، لأنها مستقلة عن التي سبقتها، وعن التي تليها.
ففي الأولى" جبل السيّدة" أقدّم فيها السماسرة كفئة مجال أعمالها في العقارات، حيث يمر على صفحاتها بعض المستثمرين التجار.
وفي الثانية" بوابة القصب" يختفي نشاط السماسرة تقريباً، ليظهر فيها نشاط التجار العقاريين، ليصبحوا فيها أبطالاً.
وهكذا استعرض في الروايات الأربع كل الفئات الاجتماعية، ونشاطاتها الاقتصادية، وفسادها، وتحالفاتها الشيطانية بين المقاول، والسمسار، والسياسي، والعسكري.
إلخ.
وفيما يتعلّق بالكتابة عن" الثورة"، وأفضّل تسميتها" الانتفاضة"، ومن ثم الحرب، لم أكتبها بشكل الرباعية، فقد كتبت خمسة أعمال روائية عنها، تناولت فيها بالدرجة الأولى تأثيراتها على حياة الناس، ومعاناتهم، ومصائرهم من قتل، وتهجير، واعتقال، وفقر.
إلخ، وقد نشرتها جميعاً إلا" ساحة الجابري"، ولهذه الرواية قصة، ولها سيرة تقول: عندما بدأت انتفاضة الجماهير ضد السلطة المستبدة من أجل الحرية والكرامة في مارس/ آذار2011، بدأت بكتابتها في شهر إبريل/ نيسان، وأنهيتها في نوفمبر/ تشرين الثاني، ثم مرّرتها على مجموعة من الأصدقاء للقراءة وإبداء الرأي.
ومع اشتداد حملات البحث والتفتيش، وكانت الرواية منضدّة على اللابتوب الخاص بي، وكان هذا الأمر مغامرة، فأرسلتها إلى الصديق الكاتب محمود زعرور، وهو سجين سياسي سابق، يقيم اليوم في هولندا، فبقيت لديه ما يقارب السنوات العشر، ثم استعدتها قبيل سقوط العهد البائد بمدة قليلة لنشرها.
ولكنني آثرت التريث بعد أحداث الساحل والسويداء الدامية، والعلاقة المتوترة مع" قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في شرق الفرات، فاعتبرت ما كان في العهد البائد المسوّدة الأولى للثورة، أما اليوم فأكتب المسوّدة ثانية للثورة.
ظلّلت ممسكاً بأحلامي من دون التخلي عنها، قلت إن هذه السلطة الجديدة لا بد من أن تنتهي إلى دولة مدنية، وديمقراطية، ودستور يعتمد الأسس العلمانية في إدارة شؤون البلاد* هل غيّرت الحرب في كتاباتك وكتابات الآخرين من السوريين؟ليس سهلاً أن تكتب، وأنت تعيش تحت سماء الحرب من دون أن تتغيّر، ليس على مستوى الكتابة فقط، إنما أيضاً على مستوى نظرتك لموضوع الكتابة أيضاً.
كنت سنوات طويلة، ضمن أجواء آمنة، لا حرب، ولا فصائل، ولا جيش يجوب شوارع المدينة التي تعيش فيها.
جو هادئ، إلا الخوف من الأجهزة الأمنية.
حتى هذه ككاتب تستطيع أن تتحايل عليها، وتمرر ما تريد من النقد والاحتجاج، إن كنت ضمن جماعة سياسية، أو فكرية تستطيع هذه الأجهزة الأمنية أن تقول: ما تقوله مجرد كلام لا تدعو فيه الى فعل.
اكتب ما تريد.
هذا كان قبل الحرب، قبل" الثورة".
أما عندما انطلقت، ففضلت أن أطلق عليها انتفاضة شعب ضد سلطة مستبدّة، قمعية.
انتفاضة كانت من اجل الحرية والكرامة.
ثم عندما تسلحت، اختصرت أمرها إلى حالة، بالنسبة لي، هي صراع على السلطة لا غير.
وبالرغم من هذا، ظلّلت ممسكاً بأحلامي من دون التخلي عنها، قلت إن هذه السلطة الجديدة لا بد من أن تنتهي إلى دولة مدنية، وديمقراطية، ودستور يعتمد الأسس العلمانية في إدارة شؤون البلاد، يعزّز مفهوم المواطنة بين جميع مكونات الشعب السوري.
بهذه القناعة كتبت كل ما كتبته تحت سماء الحرب، وعلى خلاف كل ما كتبته قبل الحرب في الشكل والمضمون السابقين.
كنت أكتب من قلب الخوف من الموت العبثي في كل يوم، وكل ساعة إن كنت خارج البيت، أو في داخله.
كنت أكتب في مواضيع تحدُث أمامي، مواضيع الموت، والخوف من الاعتقال، ومصاعب الحياة المعيشة، والفقد والهجرة واللجوء واليأس.
كل هذه المواضيع كتبتها بكثافة شديدة وسريعة، لم أملك رفاهية الوقت لأتمطّى ساعات قبل أن أكتب جملة.
لم أعد إلى عادة المزاج في الكتابة، بات واجباً أن أكتب ما أعيشه مع الناس، كل الناس الذين من حولي.
كنت دائم الحذف والشطب لكل جملة، أو كلمة زائدة عن وصف الموت، أو القتل، أو وصف رغيف الخبز ملطّخاً بدم الناس الذين قتلوا، وهم أمام الأفران يشترون الخبز، ليهرعوا بعد ذلك إلى بيوتهم، قبل أن يسقط عليهم برميل متفجر، أو قذيفة هاون.
وما روايتا" تحت سماء الحرب" و" وقائع الحرب اليومية" إلا نتاج هذا التغيير في الشكل والمضمون والمحفزات.
نعم.
لقد تغيرت، وتغيرت مواضيعي، وتغيرت الطريقة التي كتبت فيها، وتغيرت أشكال رواياتي التي كتبتها عن الحرب، نعم جميعها تغيرت.
أما الكتاب الآخرون، فمع الأسف لم أطّلع على أعمالهم، لم يصل إليّ من كتبهم إلا أقل من القليل، بسبب الحرب.
مهمّة الكاتب في ظل مثل هذه السلطات التي ترى في المبدع عدواً وبدعة مهمة معقدة ومركبة.
وبالرغم من هذا، وفي الوقت نفسه، على الكاتب إن أراد أن يقوم بمهمته الإنسانية أن يكون مع الحرية، والمدنية، والديمقراطية* كيف كانت مشاعرك ليلة سقوط نظام الأسد؟كنت أراقب عملية سقوطه في الأيام العشرة التي استمرّت، وعندما خرج الناس إلى الشوارع، وهم يحملون علم الثورة بكيت.
كنت لا أصدّق، وبعض أبناء جيلي، إن كنا سنبقى على قيد الحياة، ونعيش هذه اللحظة.
كنا نتساءل: هل سنرى سقوط هذا النظام المستبد؟ ما لبثت أن أجهشت في البكاء.
لم أستطع أن أتمالك نفسي من الفرح فبكيت.
وقد وثقت ابنتي هذه اللحظة في صورة نشرتها على صفحتي، ليس بوصفه مشهداً بكائياً، إنما فقط من أجل السؤال، لماذا هذا البكاء؟ كنت على قناعة بأن الجواب سيكون بسبب سقوط النظام المستبد، نظام آل الأسد الابن والأب المجرمين.
وقد شاركها أكثر من صديق، خصوصاً من الأجانب، وكان الصديق الألماني ستيفان الناشر أول من أعاد نشرها على صفحته معلقاً: الآن نستطيع زيارة حلب.
وقد تلقّيت من صحيفة ألمانية سؤالها الكتابة عن هذه اللحظة.
ففي اليوم الثاني، أنا وأبناء جيلي في المقهى، كنا قد أطلنا الصمت كأننا لا نصدق أن نظام الاستبداد قد سقط.
كنا نتساءل: إن كان حقاً سقط؟ ما نلبث أن ننطلق في الحديث: يا إلهي كم كانت أصواتنا عالية، وكم كان فرحنا كبيراً؟كنتُ أشعر برغبة قوية أن أقوم، وأدور بين الطاولات أقبل كل زبون في المقهى، أن أهنئ كل واحد منهم، وكنّا نمازح بعضنا، في بعض الأحيان، فيعلو صوت أحدنا، وهو يحذّرنا: اخفضوا الصوت فقد يكون هذا كله مجرّد مسرحية لكشف المندسين ما بين الجمهور، يريدون سحب الكلام منا.
ونضج بالضحك.
ما تلبث أن تخفت رنات ضحكاتنا، وتخفت حتى تختفي، ونعود إلى الصمت، ويغرق كل واحد منا في نفسه، وهو يتساءل، إن كان الشعب السوري حقاً قد انجز مهمته في إسقاط النظام المستبد، واصبح النظام عن حق بائداً؟
* ما هي رؤيتك حول الراهن ومستقبل الحياة السياسية وحرية التعبير في سورية؟ظللت متفائلاً حتى ما قبل حملة" النفير العام" التي غزت الساحل في مارس/ آذار 2025 فشاب تفاؤلي بعض الشكوك.
أما بعد" فزعة العشائر" وغزوة السويداء، فلم يبق من هذا التفاؤل شيء.
لن ادخل في تفاصيل ما جرى في الساحل والسويداء، لكي أبقي على شيء من التفاؤل في نفسي على هامش ما وقع من الانتهاكات، هذا إن لم أقل جرائم بعد أن ارتسمت صورة مقيتة لعناصر يقصون شوارب الشيوخ وهم يقهقهون، وعناصر شاركوا في قتل مواطن لأنه قال: أنا سوري على أرضية طائفية، مذهبية.
عندما قامت الانتفاضة في 2011 لم تقم على خلفية طائفية مذهبية، قومية، قامت من أجل الكرامة والحرية، شاركت فيها معظم مكونات الشعب السوري.
ما جرى بعد أحداث الساحل والسويداء، وفيما بعد في شمال شرق الفرات، أحبطني، ثبتني في مكاني، وقيل لي: اخرج من أوهامك وليس أحلامك.
وفيما يتعلق بحرية التعبير فلا يمكن لسلطة كهذه أن تبني ثقافة تقوم على الحرية وتترك مجالاً للتعبير، فما زال تدمير تمثال الشهداء للفنان السوري عبد الرحمن موقت في ساحة سعد الله الجابري بحلب، وإزالة التمثال النصفي للأديب الحلبي خليل هنداوي في الحديقة العامة في الأذهان.
ما زالت هذه التيارات الدينية غير قادرة على تسمية التمثال باسمه المعاصر، إنما هو صنم يمكن أن يُعبد كما كانوا يعبُدونه في الجاهلية.
وعلى هذه الأرضية الفكرية العقائدية، لا يمكن أن يتوافقوا مع حرية التعبير لكل أنواع الإبداع والفنون من موسيقى ومسرح وسينما، قد ينتجون، وحتما سينتجون في هذا المجال، ولكن السؤال هنا: أي ثقافة سينتجون؟ وأي وجه ثقافي سيكون لسورية؟
* برأيك، ما هي المهمة العاجلة للكاتب السوري اليوم؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك