ارتبط المطبخ النجدي في ذاكرتي بالطفولة قبل أن يرتبط بالمذاق.
فقد كانت والدة أصدقائي، أبناء جارنا الشيخ عبدالعزيز القاضي، رحمهما الله، قصيمية من نفس الأسرة الكريمة.
وكانت، شأن أمهات ذلك الجيل، لا تترك إعداد الطعام للخادمة، ولا سيما الأكلات الشعبية التي لا تُتقنها إلا من ورثتها عن أمها وجدتها.
وكانت تصنعها بيديها، فتخرج بنكهة لا تزال عالقة في ذاكرتي حتى اليوم.
ولأنها كانت تعلم مقدار إعجابي بالمطبخ النجدي، فقد كانت تدعوني، بين حين وآخر، بعد مباريات كرة القدم التي كنا نخوضها في فناء دارهم، إلى مائدة عامرة بالمطازيز، أو القُرصان، أو المرقوق، أو الجريش.
وكان يلفتني أنها لا تجمع تلك الأطباق مع الكبسة أو غيرها من الوجبات، على الرغم من إجادتها لها.
وكأنها كانت تؤمن بأن لكل مطبخ شخصيته، ولكل مائدة روحها التي لا ينبغي أن تزاحمها نكهات أخرى.
وكنت، في الغالب، أول من يجلس إلى السفرة، وآخر من يغادرها.
ولولا الحياء لطلبت أن أعود إلى البيت بما بقي منها!في تلك الأيام لم تكن المطاعم النجدية قد انتشرت كما هي اليوم، وكان السبيل الوحيد إلى تلك الأكلات أن يدعوك إليها صديق، أو أن تتاح لك فرصة حضور مناسبة في بيت يعرف أهله كيف يصنعونها.
ومرت السنوات، لكن ذلك التعلق لم يفارقني.
ومع كثرة زياراتي إلى الرياض منذ مطلع عام 2026، اكتشف بعض إخواني وأصدقائي هذه العلاقة الخاصة بيني وبين المطبخ النجدي، ومنهم أخي الكبير أبو محمد، وأخي العزيز سليمان العقيلي، وزوجته الكريمة أم فيصل.
ومنذ ذلك الحين، ولا سيما خلال شهر رمضان الماضي، أصبحت موائدهم بالنسبة إليَّ امتدادًا لذلك الزمن الجميل.
فلم أكن أكاد أفطر أو أتسحر إلا على وجبة نجدية أصيلة، تتصدرها أطباق الحاشي وإيدامات الخضار، وقبل رمضان وبعده على دعوات الغداء أو العشاء.
وكان آخر تلك الدعوات مساء أمس، بعد وصولي إلى مطار الملك خالد بالرياض.
استأجرت سيارة من المطار، واتجهت مباشرة إلى منزل أخي سليمان، في حي الصحافة، بشارع الوطن.
وابتسمنا ونحن نتذكر أن كلاً منا صحفي، وأننا عملنا معًا في جريدة «الوطن».
وما أجمل بعض المصادفات حين تجمع الناس أكثر من مرة، وفي أكثر من محطة.
وكان في استقبالي أبو معاذ، وابنه اللطيف فيصل، ومائدة قصيمية عامرة، أعدتها أم فيصل بكل ما عُرفت به من كرم وإتقان.
ولم تخلُ المائدة من لمسة مغربية جميلة؛ فقد حضرت شوربة الحريرة إلى جانب الأطباق النجدية، فقلت مازحًا: لعلها احتفال مبكر بوصول المنتخب المغربي إلى الدور الربع نهائي في كأس العالم 2026، وتفاؤلًا بأن يلحق به المنتخب المصري الشقيق.
ولم أكن أعلم أن ذلك الغداء لن يكون سوى بداية رحلة أخرى.
رحلة من القُرصان إلى العقيلات.
فبعد أن فرغنا من الغداء، قال أبو معاذ: “تفضل.
بقيت لك الوجبة الثانية.
”ابتسمت، ونظرت إلى المائدة التي لم يعد فيها متسع لطبق آخر.
فضحك وقال: “هذه ليست للمعدة.
هذه للعقل.
” وصعدنا إلى مكتبته.
وكانت مكتبة عامرة، لا تغريك بكثرة كتبها فحسب، بل بما تضمه من وثائق وصور ومراجع نادرة في التاريخ والسياسة والإعلام.
وكلما دخلت مكتبةً خاصة شعرت أنني أدخل إلى عقل صاحبها؛ فالمكتبات لا تقدم الكتب فحسب، بل تكشف شيئًا من شخصية أصحابها واهتماماتهم.
ولم يكن غريبًا أن تمتد جلستنا ساعات.
فنحن، إلى جانب اشتغالنا بالإعلام، يجمعنا اهتمام قديم بتاريخ الجزيرة العربية وتحولاتها السياسية والاجتماعية، منذ قيام الدولة السعودية الأولى، وما رسخته من ثوابت بقيت حاضرة في مسيرة الدولة السعودية حتى اليوم، وفي مقدمتها خدمة الإسلام، ورعاية الحرمين الشريفين، والمحافظة على وحدة البلاد وهويتها العربية الإسلامية، والعلاقة الوثيقة بين القيادة والمجتمع.
لكن الحديث ما لبث أن اتجه إلى موضوع يعرفه أبو معاذ أكثر مني، ويعتز بالانتماء إليه، وهو تاريخ العقيلات.
ولطالما شدني هذا الاسم، لا لأنه يمثل أسرة أو منطقة، بل لأنه يمثل ظاهرة اقتصادية واجتماعية فريدة في تاريخ الجزيرة العربية.
فالعقيلات لم يكونوا مجرد تجار يجوبون بقوافلهم العراق وبلاد الشام ومصر، بل كانوا حلقة رئيسية في شبكة تجارية واسعة، امتدت من موانئ الخليج العربي التي تصلها بضائع الهند، إلى أسواق المشرق العربي.
ومن خلالهم عبرت السلع، وانتقلت الأخبار، وتعارف الناس، ونشأت الثقة بين المجتمعات.
وكان التاجر العقيلي يحمل معه أكثر من البضائع؛ كان يحمل سمعة بلده، وأخلاق مجتمعه، وقيمه، ولذلك بقي اسمه موضع احترام في كثير من المدن التي وصل إليها.
وأثناء حديثنا، وجدت نفسي أقارن بين الأمس واليوم.
فالسعودية، التي تعمل اليوم على أن تكون مركزًا عالميًا يربط بين القارات بالموانئ الحديثة، والمطارات، والسكك الحديدية، وشبكات الطرق، وأنابيب الطاقة، والكابلات الرقمية، لم تبدأ رحلتها مع الربط بين الشعوب في القرن الحادي والعشرين.
لقد عرف أهل هذه البلاد، قبل أكثر من قرن، كيف يجعلون من موقعها الجغرافي جسرًا للتجارة، وممرًا للقوافل، وملتقىً للثقافات.
وكان العقيلات أحد أبرز تجليات تلك المرحلة.
ولم تكن تلك المقارنة محاولة لإضفاء بطولة على الماضي، ولا لإسقاط الحاضر عليه، وإنما كانت تذكيرًا بأن النهضة لا تبدأ من فراغ، وإنما تبني حاضرها على جذور ضاربة في التاريخ.
قلت له: “كم أتمنى أن يعرف أبناؤنا هذا الوجه من تاريخ بلادهم.
فهم يشاهدون اليوم القطارات الجديدة، والموانئ العملاقة، والمناطق اللوجستية، والمشروعات التي تربط السعودية بالعالم، لكن كثيرًا منهم لا يعلم أن آباءهم وأجدادهم كانوا، بإمكاناتهم البسيطة، يؤدون دورًا حضاريًا لا يقل أهمية في زمنهم.
”فأجاب: “إن تاريخ العقيلات لا ينبغي أن يبقى حبيس الكتب الأكاديمية، بل يستحق أن يخرج إلى المتاحف، والأفلام الوثائقية، والأعمال الدرامية، والمناهج الدراسية، والأنشطة الثقافية، ليعرفه الناس كما عرفوا غيره من صفحات التاريخ الوطني.
”ثم أضاف: “فالأمم التي تحفظ ذاكرتها تكون أقدر على بناء مستقبلها، أما التي تقطع الصلة بماضيها فإنها تبدأ كل جيل من نقطة الصفر.
”وعندما انتهى ذلك الحوار الممتع، التفتُّ إلى رفوف مكتبته مرة أخرى، وقلت مازحًا: “أحسب أنني جئت اليوم أبحث عن القُرصان.
فإذا بي أخرج محملًا بالعقيلات.
”فضحك وقال: “هذه ضريبة زيارة القصمان.
”غادرنا المنزل لمتابعة مباراة البرازيل والنرويج على كأس العالم في احد المقاهي القريبة، وأنا أشعر أنني شبعت مرتين؛ مرةً من مطبخ القصيم، ومرةً من تاريخها.
ولعل أجمل ما في ذلك اليوم أنني أدركت أن الطريق إلى التاريخ قد يبدأ أحيانًا.
بطبقٍ من القُرصان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك