مع اقتراب نهاية الدورة الصيفية للكنيست في 14 يوليو/تموز، تدخل إسرائيل أسبوعا حاسما لتحديد مصير الكنيست وموعد الانتخابات المبكرة، المرجح عقدها بين 8 سبتمبر/أيلول و20 أكتوبر/تشرين الأول، وتتحول الأيام المتبقية إلى ساحة مساومة مكثفة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والحريديم، والليكود، والمعارضة لتمرير قوانين حاسمة قبل إغلاق النافذة البرلمانية.
كان مشروع قانون حلّ الكنيست قد أُقر بالقراءة الأولى، على أن يُحدد موعد الانتخابات نهائيا في القراءتين الثانية والثالثة، مع بقاء الموعد الأصلي في 27 أكتوبر/تشرين الأول قائمًا إذا لم يُستكمل مسار الحل.
list 1 of 2حزب البديل الألماني: جاهزون لتولي السلطة وعليكم قبول فوزناlist 2 of 2ماذا جرى خلال 50 عاما؟
أمريكا بعيون كاتب من أصل سوفيتيوالواقع أن الائتلاف الحكومي لا يمر بأفضل حالاته، فالقوانين المطروحة، كإعفاء الحريديم من التجنيد ولجنة التحقيق السياسية في أحداث السابع من أكتوبر، لم تعد مجرد ملفات أيديولوجية، بل أدوات لشراء الولاء.
نتنياهو يدفع أثمانا سياسية باهظة للأحزاب الحريدية لتمرير تشريعاتها، في حين يرفض قادة هذه الأحزاب تقديم ضمانات مؤكدة بالبقاء في كتلته بعد الانتخابات القادمة.
وأبرز ما حملته استطلاعات الرأي الأخيرة هو تراجع احتكار الليكود للصدارة، فقد أظهر استطلاع القناة 12، الذي نشرته دفنا ليئيل في 6 يوليو/تموز 2026، تعادل الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو مع حزب" يشار" بقيادة غادي آيزنكوت بـ23 مقعدا لكل منهما.
ورغم هذا التراجع، لا تزال خريطة التحالفات مسدودة، إذ يراوح ائتلاف نتنياهو عند 52-53 مقعدا، بينما تعجز المعارضة بمفردها عن تشكيل أغلبية مستقرة.
الاقتراب من نهاية الدورة الصيفية يمنح الأزمة معنى عمليا، فكل قانون لا يمر الآن قد يتحول إلى ورقة مؤجلة لما بعد الانتخابات، وكل قانون يمر قد يصبح جزءا من صفقة بقاء داخل الكتلة.
لذلك تتسابق الحكومة على تمرير ما يمكن تمريره قبل حل الكنيست، خصوصًا قوانين الحريديم المتعلقة بمنع اعتقال المتهربين من التجنيد، والقانون الأساسي لدراسة التوراة، إلى جانب قانون لجنة التحقيق السياسية في السابع من أكتوبر.
في هذه اللحظة، لا تبدو التشريعات مجرد ملفات أيديولوجية، ولكنها أدوات لإدارة الولاء، فنتنياهو يريد من الحريديم التزاما بالبقاء في كتلته بعد الانتخابات، والحريديم يريدون أثمانا تشريعية قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، أما المعارضة فتتعامل مع الأسابيع الأخيرة بوصفها محاولة من الائتلاف لإغلاق ملفات حساسة قبل أن يتغير ميزان القوى.
وتُظهر هذه المعادلة أن نتنياهو لا يزال قويا، لكنه بات أكثر تقييدا.
فهو يحتاج الحريديم، ويحتاج الليكود، ويحتاج أحزاب اليمين المتطرف، ويحتاج في الوقت نفسه إلى منع ولادة يمين بديل لا يقوده.
لذلك بدت معركته داخل الليكود جزءًا أساسيًا من معركة البقاء.
بحسب آنا بارسكي في" معاريف"، تتجه مؤسسات الليكود إلى صيغة تمنح نتنياهو 10 مقاعد مضمونة في قائمة الحزب، بينها 9 مقاعد حتى المركز الثلاثين.
هذه الصيغة تبقي على الانتخابات التمهيدية شكليا، لكنها تمنح رئيس الحزب قدرة واسعة على هندسة القائمة المقبلة، وتطويق خصومه الداخليين، ومنع تكرار تمرد شخصيات مثل يولي إدلشتاين.
خروج إدلشتاين من الليكود بعد أكثر من عقدين يعكس تصدعًا أعمق داخل اليمين، فتقارير القناة 12 تشير إلى اتصالات بين إدلشتاين وأييلت شاكيد وجلعاد أردان، إلى جانب أسماء أخرى مثل عوفر فينتر وحيلي تروبر ويوعاز هندل.
هذه التحركات لا تصنع حتى الآن بديلًا واضحًا للحكم، لكنها تؤكد أن سؤال" يمين من دون نتنياهو" انتقل من الهامش إلى مركز المشهد.
وفي هذا السياق، تأتي تصريحات أفيغدور ليبرمان في" معاريف" بوصفها محاولة لفصل الليكود عن نتنياهو.
فقد أعلن استعداده للجلوس مع الليكود في حكومة مقبلة، بشرط ألا يكون نتنياهو جزءًا منها، معتبرًا إياه المسؤول الأول عن كارثة السابع من أكتوبر، ومنتظرًا محاسبته أمام لجنة تحقيق حكومية.
العلاقة مع الأحزاب الحريدية تكشف جانبًا آخر من تراجع قدرة نتنياهو على الضبط.
فقد أفاد إيلي هيرشمان في القناة 12 بأن نتنياهو طلب من قادة شاس وديغل هتوراه التزامًا بالبقاء في كتلته بعد الانتخابات، مقابل دفع قوانين مهمة لهم.
لكن الرد لم يكن مطمئنًا له، فأرييه درعي اعتبر تمرير القوانين شرطا أساسيا لاستمرار التعاون، بينما كان موشيه غافني أكثر حسمًا حين أوضح أن توجيهات الحاخام لاندو تقول إنه" لا يوجد حاليًا أي تحالف"، وأن تمرير القوانين لا يضمن دعما تلقائيا لنتنياهو بعد الانتخابات.
وهنا يظهر مأزق رئيس الحكومة: يدفع أثمانا سياسية للحريديم قبل الانتخابات، من دون ضمان ولائهم بعدها.
في الجهة الأخرى، لا تبدو المعارضة موحدة، رغم اتفاقها على إسقاط نتنياهو، يائير لابيد يتحدث عن" خطة لسرقة الانتخابات"، ويائير غولان يحذر من عصيان إرادة الناخبين، بينما يحاول بيني غانتس تقديم نفسه كطريق ثالث عبر حكومة صهيونية واسعة لا تعتمد على الأحزاب العربية ولا على الحريديم والمتطرفين.
أما آيزنكوت، فيتقدم بهدوء من موقع عسكري-سياسي يمنحه صورة بديل مسؤول، خصوصًا في ظل مركزية ملف السابع من أكتوبر، غير أن صعوده لا يحل معضلة الحكم؛ فالمعارضة الصهيونية لا تملك وحدها أغلبية كافية، وأي اعتماد على الأحزاب العربية يبقى سلاحًا دعائيًا فعالًا في يد نتنياهو واليمين.
الأزمة الانتخابية تتزامن مع أزمة دستورية مفتوحة، فقد حذر خمسة رؤساء سابقين للمحكمة العليا، في بيان نقله جلعاد موراغ في" معاريف"، من أن قرار الحكومة عدم احترام حكم المحكمة العليا بشأن مجلس السلطة الثانية للبث يضع إسرائيل على طريق" الفوضى".
ووصفوا عصيان أوامر المحكمة بأنه" المسمار الأخير في نعش الديمقراطية".
في المقابل، يحمّل بتسلئيل سموتريتش المستشارة القانونية للحكومة غالي بهاراف ميارا مسؤولية الأزمة، ويتهمها بعرقلة الحكومة المنتخبة وبث الفوضى، وبهذا تتحول المعركة القضائية إلى محور انتخابي: المعارضة تقول إن الحكومة تهدم قواعد اللعبة، والائتلاف يقول إن القضاء يمنعه من الحكم.
ملف السابع من أكتوبر يزيد المشهد اشتعالا، فقد صادقت الكنيست بالقراءة الأولى، بأغلبية 59 مؤيدا ومن دون معارضة بعد المقاطعة، على مشروع قانون لجنة تحقيق سياسية في أحداث السابع من أكتوبر، وتتيح الصيغة للجنة أن تعمل بثلاثة أعضاء فقط إذا قاطعتها المعارضة، ما يعني عمليًا إمكانية عملها بتركيبة ائتلافية.
لذلك وصفها ليبرمان بأنها" لجنة تستر"، وتعهد كل من لابيد وآيزنكوت وبينيت بتشكيل لجنة تحقيق حكومية في الحكومة المقبلة، وما هو مؤكد هو أن إسرائيل تدخل نهاية الدورة الصيفية للكنيست وهي بلا أغلبية واضحة وبلا موعد انتخابي محسوم نهائيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك