تشهد العاصمة التركية أنقرة اليوم الثلاثاء، انطلاق أعمال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في دورتها الاستثنائية لعام 2026، وسط مشهد سياسي وأمني معقد، تتقاطع فيه ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحلفاء الأوروبيين بزيادة الإنفاق الدفاعي، مع أول لقاء وجهاً لوجه بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في وقت يسعى فيه التحالف إلى تقديم صورة موحدة رغم الانشقاقات والخلافات الداخلية التي تهدد مستقبل المنظمة العسكرية الأعرق في العالم.
قمة مختلفة بسبب التوترات بين ترامب والناتوتختلف قمة أنقرة عن سابقاتها من قمم الناتو، فبينما كانت الاجتماعات السابقة تُقيّم بقوة بياناتها الختامية ووقار صورها العائلية التقليدية، تُقاس هذه القمة اليوم بالأمل في أن تمر بسلام، دون أن تقوم واشنطن بتحويلها إلى منصة لتصفية الحسابات مع حلفائها الأوروبيين.
فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والعلاقات عبر الأطلسي تشهد توتراً متصاعداً، وصل ذروته في الأشهر الأخيرة مع تصريحات الرئيس الأمريكي التي وصف فيها بعض حلفاء الناتو بأنهم" متخلفون عن سداد ديونهم الدفاعية"، في إشارة إلى عدم تحقيق معظم الدول الأوروبية لنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي المتفق عليها سابقاً كحد أدنى للإنفاق العسكري.
غير أن ترامب لم يكتفِ بالمطالبة القديمة، بل رفع سقف مطالبه إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم تعتبره معظم العواصم الأوروبية غير واقعي وغير قابل للتحقيق في المدى المنظور، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها العديد من الدول الأوروبية جراء تداعيات الحرب في أوكرانيا، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ النمو الاقتصادي.
القادة المجتمعون والملفات الساخنةيجتمع في أنقرة قادة 32 دولة عضواً في الناتو، بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بصفته البلد المضيف، والأمين العام للحلف مارك روته، والمستشار الألماني أولاف شولتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إلى جانب قادة كندا ودول البلطيق وبقية الدول الأعضاء.
وتتصدر ثلاثة ملفات رئيسية أجندة القمةوهو الأكثر إثارة للجدل، حيث يضغط ترامب بقوة لرفع التزامات الحلفاء، مهدداً بإعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا إذا لم تقدم الدول الأوروبية" خططاً موثوقة" لزيادة ميزانياتها الدفاعية، وفي المقابل، يرى القادة الأوروبيون أن زيادة الإنفاق وحدها لا تكفي، بل يجب التركيز على تطوير الصناعة الدفاعية الأوروبية وتعزيز التكامل العسكري بين الدول الأعضاء، لتقليل الاعتماد على واشنطن.
مستقبل التحالف و" الناتو 3.
0"وهو النموذج الاستراتيجي الجديد الذي يسعى الحلف إلى تبنيه، لإعادة توزيع المسؤوليات بين الجانبين الأوروبي والأمريكي، ويتضمن هذا النموذج تعزيز قدرات الردع التقليدية، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وزيادة الاستثمار في التقنيات العسكرية المتطورة مثل الذكاء الاصطناعي والأسلحة الموجهة، وتراهن الدول الأوروبية على هذا النموذج لإثبات جديتها في تحمل مسؤولياتها الدفاعية، في محاولة لاسترضاء الإدارة الأمريكية.
أول لقاء بين ترامب وسانشيزوهو ما يضفي على القمة بُعداً دبلوماسياً خاصاً، حيث تتصاعد الخلافات بين إسبانيا والولايات المتحدة حول السياسة الدفاعية والمواقف من بعض القضايا الدولية.
وتصل إسبانيا إلى القمة بموقف دفاعي، مؤكدة التزامها بتعهداتها العسكرية تجاه الحلف، ومتمسكة بهدف إنفاق 2.
1% من ناتجها المحلي على الدفاع، وهو ما يعتبره البعض في واشنطن غير كافٍ.
وسيكون اللقاء بين الرئيسين اختباراً حقيقياً لقدرة الجانبين على احتواء الخلافات وإيجاد أرضية مشتركة.
دعم أوكرانيا وتحديات الأمن العالميإلى جانب الملفات الداخلية للتحالف، تناقش القمة استمرار الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، التي تخوض حرباً دفاعية ضد روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.
ويبحث القادة سبل تعزيز الدعم الأطلسي لكييف، مع التركيز على تزويدها بأنظمة دفاعية متطورة، وزيادة التدريبات العسكرية للقوات الأوكرانية، وتأمين احتياجاتها من الذخائر والصواريخ.
غير أن هناك انقسامات داخل الحلف حول مدى هذا الدعم، خاصة مع تصاعد أصوات في أوروبا والولايات المتحدة تدعو إلى خفض الإنفاق على أوكرانيا والتركيز على احتياجات الدفاع الداخلي.
كما تطرح القمة ملف تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية، حيث تسعى بروكسل إلى تقليل الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، وتطوير قدراتها الذاتية في مجالات الطائرات المسيّرة، والأقمار الصناعية، وأنظمة الاتصالات الآمنة.
ويرى العديد من المحللين أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى شراكة أكثر توازناً داخل الناتو، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد من التوتر مع واشنطن التي تنظر بعين الريبة إلى أي محاولة أوروبية للاستقلال الدفاعي.
التحديات الداخلية والانقسامات المحتملةرغم السعي الحثيث لتقديم صورة الوحدة، تواجه قمة أنقرة العديد من التحديات الداخلية التي قد تهدد نجاحها، الانقسام حول الأولويات، بين دول الجنوب الأوروبي التي تركز على ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب، ودول الشرق الأوروبي التي تطالب بتعزيز التواجد العسكري على حدودها الشرقية لمواجهة الخطر الروسي، والخلاف التركي اليوناني لا تزال التوترات بين أنقرة وأثينا قائمة، رغم الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، وقد تلقي بظلالها على القمة، وموقف المجر وسلوفاكيا، الدولتان اللتان تبديان مواقف متشددة تجاه دعم أوكرانيا، وتطالبان بوقف التصعيد مع موسكو، مما قد يعطل الإجماع حول قرارات القمة، والضغوط الاقتصادية الداخلية تعاني معظم الدول الأوروبية من تراجع النمو وارتفاع التضخم، مما يجعل زيادة الإنفاق العسكري أمراً صعباً سياسياً وشعبياً.
قمة الحسم أم قمة المواجهة؟تراهن قمة أنقرة على نجاح" الرقصة الدبلوماسية" التي صممها حلفاء أوروبا وكندا بعناية، لتجنب مواجهة جديدة مع الرئيس ترامب، وتقديم إنجازات ملموسة تعكس جدية الحلفاء في تحمل مسؤولياتهم الدفاعية.
غير أن التساؤلات تبقى مفتوحة حول قدرة التحالف الذي يضم 32 دولة ذات مصالح متباينة على الحفاظ على وحدته في وجه التحديات الداخلية والخارجية.
قد تخرج القمة بإعلانات مهمة حول زيادة الإنفاق الدفاعي، وخطة واضحة لتعزيز الصناعة العسكرية الأوروبية، وتأكيد استمرار الدعم لأوكرانيا.
لكن الأسئلة الجوهرية تبقى: هل ستكون هذه الوعود كافية لاسترضاء إدارة ترامب؟ وهل ستنجح أوروبا في بناء قدراتها الدفاعية الذاتية دون إحداث شرخ دائم في العلاقة التاريخية مع واشنطن؟ وهل سيكون لقاء ترامب - سانشيز بداية لتفاهم جديد أم بداية لمواجهة مفتوحة؟
ما يحدث في أنقرة اليوم سيكون مؤشراً حقيقياً على مستقبل الناتو في عصر ترامب الثاني، وعلى قدرة الغرب على تجاوز خلافاته الداخلية لمواجهة تحديات عالمية متزايدة التعقيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك