لم يحتج المونديال إلى مشهد طويل كي يكتب نهايته الأخيرة مع كريستيانو رونالدو.
هدف إسباني في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع كان كافيًا لإنهاء حلم البرتغال، ودفع أحد أبرز لاعبي هذا القرن إلى مغادرة كأس العالم للمرة السادسة والأخيرة من دون أن يلمس الكأس التي قاومته طوال مسيرته.
وقف رونالدو بعد الخسارة أمام إسبانيا بملامح حاولت مقاومة الانفعال، ثم غادر الملعب بعدما انتهت المباراة بفوز إسباني بهدف ميكل ميرينو.
لم تكن الخاتمة التي تخيلها حين أعلن، قبل اللقاء بيوم واحد، أن مونديال 2026 سيكون الأخير له، متمنيًا ألا تكون مواجهة إسبانيا مباراته الأخيرة في البطولة.
غير أن كرة القدم منحته ساعات قليلة فقط بين الإعلان والوداع.
هكذا انتهت رحلة بدأت في ألمانيا عام 2006 واستمرت عشرين عامًا: ست نسخ، و27 مباراة، و11 هدفًا، وأرقام لم يسبق إليها لاعب، لكن من دون المباراة النهائية أو اللقب الذي ظل الغائب الأكبر عن سيرته.
إنها مفارقة رونالدو المونديالية: لاعب أمضى مسيرته في كسر الحدود، ثم وجد حدًا واحدًا لم يتمكن من تجاوزه.
لم يترك رونالدو للزمن مهمة إعلان النهاية.
كعادته، أراد أن يختار اللحظة والصياغة، وأن يقول إن القرار يعود إليه وحده.
جلس أمام الصحفيين عشية مواجهة إسبانيا، وأقرّ بأن هذه ستكون مشاركته الأخيرة في كأس العالم، لكنه رفض تقديم نفسه لاعبًا ينتظر الشفقة أو تصفيق الوداع.
كان حديثه أقرب إلى دفاع أخير عن مسيرة لا يرى أنها تحتاج إلى كأس العالم كي تكتمل.
أكد أنه أعطى كرة القدم كل ما لديه، وأن فوزه بالبطولة أو خسارته لها لن يجعلاه" أكثر أو أقل" من كريستيانو رونالدو.
حتى حين طُرح عليه أثر العمر والانتقادات، استعاد خطابه المألوف عن الصمود والضغط ومحاولات التقليل منه طوال أكثر من عقدين.
وبعد الإقصاء، أبقى بابًا آخر مفتوحًا.
أكد أن كأس العالم انتهت بالنسبة إليه، لكنه لم يعلن اعتزاله الدولي، وقال إنه سيأخذ وقتًا للتفكير مع عائلته ولن يتخذ قرارًا في لحظة الانفعال.
خرج من المونديال، من دون أن يمنح الجمهور وداعًا نهائيًا للمنتخب، كأنه قبل بإغلاق باب البطولة ورفض في الوقت نفسه إغلاق بقية الأبواب.
دخل رونالدو كأس العالم للمرة الأولى عام 2006، وهو في الحادية والعشرين من عمره، ضمن جيل برتغالي كان لا يزال يقوده لويس فيغو وديكو وباوليتا.
سجل من ركلة جزاء أمام إيران، ثم ساهم في وصول بلاده إلى نصف النهائي، وهو أبعد دور بلغه في البطولة طوال مسيرته.
بدت تلك المشاركة، حينها، بداية طبيعية لمسار سيقود البرتغال يومًا إلى النهائي.
كان رونالدو سريعًا، متمردًا، ومفتونًا بالمراوغة أكثر من الأرقام.
لكن السنوات التالية غيّرت شكله وموقعه داخل الفريق؛ فتحوّل من جناح يصنع الفوضى إلى هداف تتمحور حوله المنظومة، ثم إلى قائد يختصر المنتخب أحيانًا في حضوره وشخصيته.
وفي جنوب إفريقيا عام 2010، سجل هدفًا واحدًا وخرج أمام إسبانيا في دور الـ16.
وفي البرازيل عام 2014، وصل مصابًا ولم تنجح البرتغال في تجاوز دور المجموعات.
أما مونديال روسيا 2018، فقد قدّم فيه أكثر أمسياته المونديالية اكتمالًا، حين سجل ثلاثية أمام إسبانيا، بينها ركلة حرة متأخرة أنقذت التعادل، قبل أن تنتهي الرحلة أمام أوروغواي في دور الـ16.
جاءت قطر 2022 بأقسى صوره.
أصبح رونالدو أول لاعب يسجل في خمس نسخ من كأس العالم، لكنه فقد مكانه في التشكيلة الأساسية خلال الأدوار الإقصائية، وجلس على مقاعد البدلاء أمام سويسرا ثم بدأ منها أمام المغرب.
خرج بعد الهزيمة في ربع النهائي باكيًا في الممر المؤدي إلى غرف الملابس، في لقطة بدت يومها نهاية حكايته مع البطولة.
غير أنه عاد بعد أربعة أعوام، في الحادية والأربعين، ليخوض نسخة سادسة وليؤكد مجددًا أن التوقعات المتعلقة بنهايته نادرًا ما كانت تصدر عنه.
في مونديال 2026، لم يكتف رونالدو بالحضور الرمزي.
سجل هدفين أمام أوزبكستان، فأصبح أول لاعب في تاريخ البطولة يهز الشباك في ست نسخ مختلفة.
ثم أضاف هدفًا أمام كرواتيا في دور الـ32، كان أول أهدافه في الأدوار الإقصائية بعد انتظار امتد عشرين عامًا.
رفع ذلك رصيده المونديالي إلى 11 هدفًا خلال 27 مباراة، بعدما سجل هدفًا في كل من نسخ 2006 و2010 و2014 و2022، وأربعة أهداف في 2018، وثلاثة في النسخة الأخيرة.
وغادر المنتخب البرتغالي وهو صاحب الرقم القياسي العالمي في عدد المباريات والأهداف الدولية للرجال، برصيد 233 مباراة و146 هدفًا.
ولا تعتبر هذه الأرقام تفاصيل هامشية في قصة رونالدو.
لقد بنى جزءًا أساسيًا من أسطورته على تحويل المستحيل الجسدي إلى جدول إحصائي: عدد أكبر من المباريات، أهداف في أعمار مختلفة، واستمرار في التسجيل بعدما اعتزل معظم أبناء جيله أو ابتعدوا عن المنتخبات.
غير أن كأس العالم ظلت المسابقة التي كشفت محدودية الأرقام أيضًا.
يستطيع اللاعب أن يتفوق على الجميع في الاستمرارية والتسجيل، لكن البطولة القصيرة لا تمنحه وقتًا لتصحيح كل خطأ، ولا تعترف دائمًا بالتاريخ الذي يدخل به إلى الملعب.
كأس لم تخضع لمنطق رونالدوفاز رونالدو بكل ما حلم به لاعب على مستوى الأندية تقريبًا: ألقاب محلية، وخمس بطولات في دوري أبطال أوروبا، وجوائز فردية وضعت اسمه إلى جانب أعظم لاعبي التاريخ.
ومع البرتغال، رفع كأس أوروبا عام 2016، ثم تُوج بدوري الأمم الأوروبية عامي 2019 و2025.
بقي كأس العالم خارج هذا الأرشيف.
لم يكن رونالدو سيئًا في المونديال، لكنه لم ينجح في امتلاك البطولة بالطريقة نفسها التي امتلك بها دوري أبطال أوروبا أو التصفيات الدولية.
جاءت أهدافه موزعة على ست نسخ، فيما غابت لحظة إقصائية كبرى تستقر في ذاكرة البطولة، باستثناء ركلة الترجيح أمام إنكلترا عام 2006 وهدفه أمام كرواتيا في رحلته الأخيرة.
زاد تتويج ليونيل ميسي مع الأرجنتين عام 2022 من قسوة المقارنة.
ظل اللاعبان يتقاسمان حقبة كاملة، لكن المونديال منح أحدهما الصورة التي بقيت ناقصة لدى الآخر: حمل الكأس في نهاية الرحلة.
لم يلتقيا يومًا في كأس العالم، ولم يحصل رونالدو على فرصة مباشرة لتغيير الحكاية أمام منافسه التاريخي.
لا يعني ذلك أن غياب اللقب يمحو ما فعله رونالدو.
لكنه يترك في سيرته مساحة مفتوحة للأسئلة، وهو أمر نادر بالنسبة إلى لاعب حوّل معظم الأسئلة الأخرى إلى إجابات رقمية.
لاعب لم يقبل التحول إلى ذكرىلم تكن معركة رونالدو الأخيرة مع المنافسين وحدهم، وإنما مع فكرة التراجع نفسها.
كلما اقترب من النهاية، ازداد تمسكًا بتعريف دوره وشروط حضوره.
أراد أن يبقى لاعبًا أساسيًا وهدافًا وقائدًا، لا اسمًا تاريخيًا يجلس على مقاعد البدلاء منتظرًا دقائق تكريمية.
لهذا كان وجوده المتواصل محل نقاش داخل البرتغال وخارجها.
امتلك المنتخب جيلًا مليئًا بالخيارات الهجومية، من برونو فرنانديش وبرناردو سيلفا إلى رافائيل لياو وغونسالو راموس، ومع ذلك بقيت كل خطة تبدأ من السؤال نفسه: أين سيلعب رونالدو، وكم دقيقة سيحصل عليها؟لا يمكن فصل هذا الإصرار عن سر استمراره.
الصفات التي جعلته يرفض الانسحاب الهادئ هي نفسها التي أبقته قادرًا على التسجيل في كأس العالم في سن الحادية والأربعين.
غروره الرياضي لم يكن عبئًا فقط؛ كان وقودًا دفعه إلى التدريب والمنافسة وإعادة تشكيل جسده وأسلوبه كلما تقدّم العمر.
لكن الوقود نفسه جعل وداعه معقدًا.
لم يكن رونالدو من اللاعبين الذين يتراجعون تدريجيًا حتى يختفوا من الصورة.
حضوره يحتاج دائمًا إلى مركز المشهد، وكذلك نهاياته.
ماذا يبقى بعد المونديال الأخير؟يبقى رونالدو لاعبًا لم يفز بكأس العالم، وهذه حقيقة لن يستطيع أي رقم تغييرها.
ويبقى أيضًا لاعبًا شارك في ست نسخ وسجل فيها جميعًا، ومدّ تجربته المونديالية من زمن زين الدين زيدان ورونالدينيو إلى زمن لامين يامال، وعاش داخل البطولة أكثر من جيل كروي كامل.
يبقى هدفه من ركلة حرة أمام إسبانيا عام 2018، ودموعه بعد الخروج أمام المغرب عام 2022، وركلته أمام إيران في بدايته، وهدفه الإقصائي المتأخر أمام كرواتيا.
تبقى كذلك صورة اللاعب الذي كان يحمل آمال البرتغال وحده تقريبًا في بداياته، قبل أن يودعها وهي تملك جيلًا يستطيع مواصلة الطريق من بعده.
يترك رونالدو للمونديال قصة لا تقوم على الانتصار النهائي، وإنما على مطاردة شيء ظل بعيدًا.
وربما كانت المطاردة نفسها أكثر انسجامًا مع شخصيته من خاتمة مكتملة وهادئة؛ فهو اللاعب الذي تعامل مع كل إنجاز بوصفه بداية رقم جديد، ومع كل هزيمة بوصفها اتهامًا يجب الرد عليه.
لم يحمل رونالدو كأس العالم، لكن البطولة حملت أثره على مدى عشرين عامًا.
ولم يخرج منها بصفته بطلًا متوجًا ولا لاعبًا انتهى تمامًا، وإنما خرج كما عاش معظم مسيرته: مثيرًا للنقاش، متمسكًا بكلمته الأخيرة، وتاركًا خلفه سؤالًا أكبر من نتيجة مباراة واحدة.
أما الإجابة عما يبقى منه، فلا تختصرها كأس غابت، ولا دمعة ظهرت للحظات.
يبقى لاعب أقنع أجيالًا كاملة بأن الطموح يمكن أن يتحول إلى مهنة يومية، وأن الزمن قد يُهزم مرارًا، حتى إن كان ينتصر في النهاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك