في كتابها" نحن لسنا آلات: الصراع من أجل مستقبل العمل" (دار Allen Lane، 2026)، تقدم الصحافية سارة أوكونور قراءة ميدانية لتحولات العمل تحت تأثير الذكاء الاصطناعي والأتمتة، مركزةً على سؤال يزداد حضوراً مع توسع الأنظمة الذكية، وهو كيف تتغير علاقة الإنسان بعمله حين تدخل الآلة إلى تفاصيل الإنتاج واتخاذ القرار؟تنطلق أوكونور، الصحافية والكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز، من تحقيقاتٍ أجرتها في السنوات الأخيرة بخصوص مواقع العمل التي أصبحت مختبراً للتحول التقني.
وتجمع في الكتاب شهاداتٍ وتجارب لعمال في قطاعاتٍ مختلفة، من العاملين في مستودعات تعتمد على الروبوتات، إلى المترجمين الذين يراجعون إنتاج الأنظمة الذكية وخريجي الجامعات الذين يخضعون لمقابلات توظيف تديرها البرمجيات.
وعبر هذه القصص، ترصد الكاتبة تغيراتٍ تمس طبيعة العمل اليومية، إذ تتراجع مساحات الإبداع والاستقلالية لدى بعض العمال، كما يزداد حضور المراقبة الرقمية وقياس الأداء.
تطرح أوكونور فكرةً أساسيةً مفادها أن مستقبل العمل لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالطريقة التي تصمم بها المؤسسات أنظمتها وأيضاً بالخيارات الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم استخدامها.
فالذكاء الاصطناعي يحمل إمكاناتٍ لتحسين بيئات العمل وتخفيف المهام المرهقة، كما يكشف عن مخاطر مرتبطةٍ بتحويل النشاط الإنساني إلى سلسلةٍ من المؤشرات والبيانات القابلة للقياس.
يولي الكتاب اهتماماً بفكرة كرامة العمل ويرى قيمة الوظيفة في ما تمنحه للإنسان من معنى واستقلاليةوتعود الكاتبة إلى تاريخٍ طويل من العلاقة بين الإنسان والآلة وتستحضر احتجاج عمال المناجم السويديين سنة 1969 الذين رفعوا شعار" نحن لسنا آلات" رفضاً لأساليب جديدةٍ لمراقبة الإنتاجية.
وتربط هذا الحدث بأسئلة الحاضر، حيث تتجدد المخاوف حول موقع العامل داخل أنظمةٍ تعتمد على الخوارزميات والتقييم المستمر.
يولي الكتاب اهتماماً خاصاً لفكرة كرامة العمل، إذ ترى أوكونور أن قيمة الوظيفة يتم قياسها بما تمنحه للإنسان من معنى واستقلالية وقدرة على استخدام الخبرة والحكم الشخصي، إلى جانب مقياس الإنتاجية.
ولهذا تتوقف عند نماذج استطاع فيها العمال التأثير في طريقة إدخال التكنولوجيا إلى مجالاتهم، مثل تجربة كتّاب السيناريو في الولايات المتحدة الذين ناقشوا شروط استخدام الذكاء الاصطناعي، وبعض مبادرات الرعاية الصحية التي أعادت تنظيم العمل تبعاً لاحتياجات الأشخاص.
ويندرج كتاب" نحن لسنا آلات"، الصادر الشهر الماضي عن دار نشر" ألين لين" التابعة لدار بنغوين، ضمن النقاش العالمي حول مستقبل العمل في ظل الثورة التقنية.
وتكمن أهميته في أنه يعيد وضع الإنسان في مركز النقاش حول الذكاء الاصطناعي، عبر مساءلة الطريقة التي يمكن بها للتكنولوجيا أن تخدم الخبرة البشرية وتحافظ على قيمة العمل باعتباره نشاطاً يرتبط بالمعرفة والإبداع والكرامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك