لم يُنهِ الحكم النهائي الذي أصدرته محكمة النقض أمس الاثنين، في قضية الكاتبة سهير عبد الحميد ووزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي الجدل حول قضيةٍ شغلت الرأي العام منذ أكثر من عام، انخرط فيها إعلاميون وكتّاب، بعضهم تبنّى موقفاً دفاعياً صريحاً عن الوزيرة، مقابل تشكيك مباشر في الكاتبة، وصل أحياناً إلى حد اتهامها هي نفسها بالسرقة الأدبية، أو باختلاق قضية من لا شيء، والسعي إلى لفت الانتباه عبر خصومة مع شخصية رسمية.
ردة الفعل الأولى على الحكم، أعلنها الوكيل القانوني للوزيرة في بيان صحافي، بأن الدستور والقانون كفَلا للخصوم اتخاذ جميع الإجراءات القانونية المتاحة للحفاظ على حقوقهم، بما في ذلك" التماس إعادة النظر في الأحكام وفقاً لما يتيحه القانون"، ولم يصدر تعليق على إمكانية تكييف الالتماس قانونياً.
في المقابل، طالبت الكاتبة سهير عبد الحميد، فور صدور الحكم، وزير الإعلام ضياء رشوان في صفحتها على فيسبوك بردّ الاعتبار، في إشارة إلى وصفه لدعواها، بأنها مجرد كلام عام بلا أدلة، واعتبره آخرون شريكاً في التضليل بدفاعه عن الوزيرة.
بدأت القضية حين رفعت عبد الحميد دعوى ضد زكي اتهمتها بنقل أجزاء كاملة من كتابها البحثي" اغتيال قوت القلوب الدمرداشية سيدة القصر"، موضحة أن نسبة النقل بلغت نحو 50% من مؤلفها.
وأثبتت اللجنة التي شكلتها المحكمة وقوع اعتداء على حقوق الملكية الفكرية وقضت بسحب الكتاب، لكن وزيرة الثقافة تقدمت بطعنين يستندان إلى أن النقل أتى في إطار" الاقتباس المباح"، ليصدر حكم محكمة النقض المصرية أول أمس الاثنين برفض الطعنين، وإلزام الوزيرة بدفع تعويض 100 ألف جنيه للكاتبة المدعية، بالإضافة إلى سحب كتابها" كوكو شانيل وقوت القلوب.
ضفائر التكوين والتخوين"، محل النزاع، من الأسواق، وعدم إتاحته للبيع أو التداول.
بعد صدور الحكم، اختارت بعض الصحف المصرية المحسوبة على السلطة تجاهله تماماً، بينما اكتفت الغالبية العظمى من هذه الصحف بنقل منطوق الحكم في صياغات قانونية جافة، دون الخوض في أي نقاش تحليلي يتجاوز حدود الخبر.
لا مساءلة سياسية، ولا مراجعة للمواقف السابقة، ولا حتى محاولة لقراءة دلالات إدانة مسؤول يتولى حقيبة الثقافة في الدولة.
هذا التحول من خطاب هجومي إلى خطاب محايد ظاهرياً، بدا أنه يحاول احتواء الأمر وحصاره ضمن إطاره القانوني والإجرائي، وحتى الإيحاء بأنه مجرد خلاف بين الوزيرة والكاتبة، وليس له أي دلالة أخلاقية.
وبدلاً من الدفاع المباشر، الذي كان حاضراً قبل الحكم، برز نوع من الإدارة الحذرة للخبر، مع تقليل المساحة، وتخفيف النبرة، وتجنب طرح الأسئلة المزعجة.
يتبنى الإعلام الرسمي خطاباً محايداً ظاهرياً بعد صدور الحكمفي المرحلة التي سبقت الحكم النهائي، كان الاصطفاف الإعلامي الرسمي واضحاً إلى حد بعيد، في تبنيه لرواية واحدة، تنحاز ضمنياً إلى موقع السلطة.
كثير من عناوين التقارير والمقالات التي غطت القضية كانت تعلن انحيازها صراحة، بل والتشكيك في الطرف الآخر.
فهل يمكن أن يعيد البعض النظر في مواقفهم السابقة، أو حتى الاعتراف بإمكانية الخطأ؟ هو سؤال طرحه الكثيرون من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، موجهين سهام النقد إلى شخصيات بارزة في المجال الإعلامي، بينهم وزير الدولة للإعلام نفسه، ضياء رشوان، الذي اشتبك مع الأمر بشكل اعتبره كثيرون انحيازاً للوزيرة.
احتدم النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي مع مطالبات بإقالة الوزيرة، إذ رأى البعض أن التهمة الموجهة إليها تمسّ صلب عملها، ولا يصح أن تستمر في منصبها بعد هذا الحكم القضائي.
غير أن البعض الآخر يحاجج بأن الحكم الصادر ضد الوزيرة لا يتعلق بقضية فساد مالي أو إداري يستوجب الإقالة، فهو مجرد نزاع يتعلق بمسألة فنية دقيقة وخلافية في مجال الملكية الفكرية.
سيقدم الوكيل القانوني للوزيرة التماساً لإعادة النظر في الحكمبعض المنصات الإعلامية تفضل تجنب الخوض في منطقة قد تضعها في مواجهة" غير مريحة" مع السلطة، أو تكشف تناقضاً بين مواقفها السابقة والوقائع الجديدة.
هنا تتجاوز القضية طرفي النزاع لتكشف عن طبيعة العلاقة بين الإعلام والسلطة في لحظات الاختبار.
فعندما يكون النزاع بين فرد ومؤسسة، أو بين مواطن ومسؤول رسمي، تميل الكفة في الخطاب العام غالباً إلى الطرف الأقوى.
وحتى حين يتدخل القضاء ليعيد ترتيب الوقائع، يجد هذا النوع من المعالجات الإعلامية نفسه أمام اختبار أو ربما مأزق.
لكن بعد هذا الحسم القضائي، لا يبدو أن هناك استعداداً كافياً لتحويل هذا الانتصار القانوني إلى نقاش ثقافي أوسع.
لم تُطرح، على سبيل المثال، أسئلة تتعلق بشرعية أن يتولى مسؤول في موقع ثقافي رفيع منصبه بعد إدانة في قضية تمسّ جوهر العمل الثقافي نفسه، أي الملكية الفكرية.
كذلك لم يظهر نقاش جاد حول مسؤولية المؤسسات الثقافية في مثل هذه الحالات، أو حول المعايير التي يجب أن تحكم استمرار المسؤولين في مواقعهم.
في تجارب دولية عدة، أدت اتهامات أقل وطأة، أو حتى شبهات، إلى استقالات أو إقالات لمسؤولين، خصوصاً في المجال الأكاديمي أو الثقافي، حيث تلعب السمعة دوراً محورياً.
أما في الحالة المصرية، فيبدو أن المسألة تُترك بالكامل للتقدير السياسي، دون ضغط إعلامي حقيقي يدفع نحو المساءلة أو حتى النقاش.
ولكن حين نتطرق إلى محدودية التأثير الإعلامي، علينا أن ندرك بالطبع أن هذا التأثير مرتبط بلا شك بطبيعة الأنظمة وآليات الحكم.
فسمعة المسؤول السياسي في دول أخرى ترتبط بحسابات المكسب والخسارة وشعبية الأحزاب ودورها في تشكيل الحكومات والمجالس النيابية، وغيرها من مؤسسات الدولة، ولكن الأمر هنا مختلف بالطبع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك