حوادث كثيرة مثيرة للجدل شهدتها بطولة العالم لكرة القادم الجارية حاليا، لكنها جميعا لم تدحض نتيجة باتت مؤكدة مفادها أن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدمة جياني انفانتينو سيخرج من البطولة أقوى والفيفا سيكون أغنى.
قبل عقود، كانت مشاهدة مباريات كرة القدم أمراً متاحاً بالمجان في المنزل أو المقهى أو الحانة، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى متابعة مدفوعة تخضع لحقوق بث واحتكار يحقق مليارات الدولارات التي تصب في حسابات الفيفا، المنظمة غير الربحية الأكثر ثراء في عالم الرياضة.
هذه الأرباح لا تنفي أن البطولة تعرضت لانتقادات عديدة من مختلف الجهات، سواء بسبب ارتفاع أسعار التذاكر، أو الضغوط التي صاحبت خروج المنتخب الإيراني، أو منع حكم صومالي من المشاركة، أو منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول" جائزة فيفا للسلام" على الإطلاق.
وخلال الأيام القليلة الماضية، بلغت موجة الاستياء من" فيفا" ذروتها بعدما سمح الاتحاد للاعب أميركي بارز كان موقوفاً بالمشاركة في إحدى المباريات عقب ضغوط مارسها ترامب، ما أثار إدانات من معظم الأطراف خارج الولايات المتحدة.
ويقول تقرير لوكالة بلومبيرغ، اليوم الثلاثاء، إن الاتحاد الدولي للعبة الأكثر شعبية في العالم يواجه معضلة تتمثل في تحقيق التوازن بين التقارب مع مراكز النفوذ ورؤوس الأموال، ومسؤوليته الأخرى المتمثلة في الحفاظ على قواعد اللعبة ولوائحها.
وحتى الآن، يبدو أن الاعتبارات المالية هي التي ترجح الكفة.
ففي ظل إدارة إنفانتينو، البالغ من العمر 56 عاماً، من المتوقع أن يحقق الاتحاد نحو تسعة مليارات دولار مباشرة من كأس العالم 2026، أي بزيادة تقارب ملياري دولار مقارنة بنسخة قطر 2022.
قبل ما يزيد قليلاً على عقد من الزمن، أصبح اسم" فيفا" مرادفاً للفضائح عقب قضية فساد كبرى قادها مدعون أميركيون.
وبعد أقل من عام، تولى إنفانتينو رئاسة الاتحاد بوصفه وجهاً جديداً للمنظمة، وأشرف على تنفيذ إصلاحات، وزاد مستوى الشفافية بشكل محدود، كما وسّع بصورة كبيرة حجم بطولات" فيفا" ونطاقها، بما في ذلك كأس العالم للأندية ذات العوائد المالية الضخمة.
لكنه، في الوقت نفسه، أعاد الاتحاد إلى نهج مألوف يجمع بين المال والنفوذ والسياسة.
تدر بطولة كأس العالم أموالاً طائلة على جميع الأطراف المشاركة فيها.
فالشركات الكبرى التي تدير خدمات بيع الطعام والشراب داخل الملاعب تحقق أرباحاً كبيرة، إذ شهدت بعض الملاعب إنفاق المشجعين ما يصل إلى 100 دولار للفرد أثناء المباراة، أي ما يقارب ضعف متوسط الإنفاق خلال مباريات دوري كرة القدم الأميركية (NFL).
كما استفاد المعلنون من فترات التوقف الإلزامية لشرب المياه، والتي حولت عملياً المباراة التقليدية ذات الشوطين إلى ما يشبه المباريات الأميركية المؤلفة من أربعة أرباع، بما يوفر مساحات إعلانية إضافية.
أما المدن المستضيفة، التي كانت قد اشتكت قبل البطولة من ارتفاع التكاليف، فقد بدأت تلمس مكاسب اقتصادية مبكرة.
وأظهرت بيانات" بنك أوف أميركا" للفترة بين 10 و21 يونيو/ حزيران ارتفاع الإنفاق باستخدام بطاقات الائتمان وبطاقات الخصم في المدن المستضيفة بنسبة 6.
3% على أساس سنوي، بينما ارتفع إنفاق الزوار القادمين من خارج تلك المدن بنسبة 16.
7%.
ويتوقع الفيفا أن يحقق نحو أربعة مليارات دولار من حقوق البث التلفزيوني من هذه البطولة، ونحو 1.
8 مليار دولار من عائدات الرعاية، بما في ذلك اتفاقه مع شركة النفط" أرامكو السعودية"، وهو ضعف ما جَمعه في الدورة السابقة.
وكشف تقرير نشرته مجلة" فورتشن" الشهر الماضي، أن أكبر زيادة ستأتي من مبيعات التذاكر والضيافة، التي يُتوقع أن تتضاعف أكثر من ثلاث مرات لتتجاوز ثلاثة مليارات دولار هذا العام.
ويعود ذلك جزئياً إلى توسع البطولة من 64 مباراة إلى 104 مباريات، وأيضاً إلى ارتفاع أسعار التذاكر ورسوم إعادة البيع.
وأطلق الفيفا منصة إعادة بيع رسمية لتذاكر هذه البطولة، وفرض رسوماً بنسبة 15% على كل من البائع والمشتري في جميع المعاملات.
أي أنه مقابل كل 1000 دولار من التذاكر المعاد بيعها عبر المنصة يحصل الفيفا على 300 دولار إضافية.
كما شهدت نسخة 2026 من البطولة زيادة عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخباً، كما تضاعفت قيمة الجوائز المالية لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 871 مليون دولار.
ويحصل كل منتخب مشارك على حد أدنى مضمون قدره 12.
5 مليون دولار بمجرد التأهل إلى البطولة.
أما منتخب الرأس الأخضر، فقد تجاوزت مكاسبه 21 مليون دولار بفضل مشواره التاريخي، وهو مبلغ يعادل نحو 0.
75% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة الصغيرة.
وبالنسبة لكثير من الاتحادات الوطنية لكرة القدم، تمثل المساعدات المالية التي يقدمها" فيفا" مصدراً حيوياً لتمويل أنشطتها.
من المقرر أن يخوض إنفانتينو انتخابات رئاسة" فيفا" في مطلع عام 2027 خلال أعمال المؤتمر السابع والسبعين للاتحاد، الذي سيعقد في الرباط بالمغرب، أحد البلدان المستضيفة للنسخة المقبلة من كأس العالم.
ويملك كل واحد من الاتحادات الوطنية الـ211 الأعضاء في" فيفا" صوتاً واحداً.
وتبدو نتيجة الانتخابات محسومة عملياً، إذ يخوض إنفانتينو السباق مرة أخرى من دون أي منافس.
وقد أعلنت اتحادات آسيا وأميركا الجنوبية وأفريقيا بالفعل دعمها له.
سيكون من السهل على" فيفا" تقديم كأس العالم باعتباره نجاحاً كاملاً، وفي كثير من الجوانب يبدو الأمر كذلك بالفعل.
فعلى الرغم من ارتفاع أسعار التذاكر، امتلأت الملاعب بالمشجعين، وتألق أبرز نجوم كرة القدم في تسجيل الأهداف.
كما شهدت البطولة تمثيلاً عالمياً أوسع، بعدما تأهلت تسع منتخبات أفريقية إلى الأدوار الإقصائية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك