لقد تلاشت الشوارع والساحات وتحولت إلى بحار من الأجساد والدموع الساكبة، حيث سارت الجماهير المليونية تحفّ النعش الطاهر بأهداب عيونها وجمر صدورها، كأنها في طواف أبدي حول روحٍ وهبتها العزة والكرامة.
هذا الحشد الأسطوري الذي ملأ الفضاء بنحيب المنابر وصمت الحواضر المذهولة، لم يكن مجرد مشهد عزاء، بل كان برهاناً ساطعاً أربك حسابات الطغاة واستفز غطرسة الأعداء الذين توهموا يوماً أن الجفاء قد يباعد بين الراعي ورعيته.
حتى أولئك الذين أعمى الاستكبار بصائرهم، لم يملكوا أمام هذا المد البشري إلا أن يخرّوا صاغرين للاعتراف بالحقيقة، كاعتراف ترامب المدوي الذي خانه ذهوله حين قال إنه لم يكن يعرف أن هذا الشعب يحب قائده إلى هذا الحد؛ لتأتي الملايين وتجيبه بصوتها الهادر أن هذا العشق ليس عاطفة عابرة، بل عقيدة راسخة رسوخ الجبال.
وإننا إذ نستشرف غداً وصول الوفد الرسمي المحمل بالجثمان الطاهر إلى أرض الرافدين، ليمتزج حزن طهران وقم بقدسية النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، تنحني غيوم الأسى لتقبل تلك الجبهة التي ما انحنت لغير الله.
سلام على ذلك العبد الصالح، إمام الأمة وقائد المقاومة وسيد المستضعفين، آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قدس سره الشريف، الذي رحل وفي يده راية الحق وفي قلبه هموم المحرومين.
لقد كان كالطود الشامخ في وجه العواصف، والملجأ الآمن لكل مظلوم يرتجي العدل في زمن الجور.
طاب مرقدك أيها الولي الزاهد الذي عشت بيننا بقلبٍ ينبض بروح الحسين وبصيرة حيدرية لا تضل الطريق، وحملت على عاتقك لواء النهضة المقاومة فلم تلن لك قناة ولم تضعف لك عزيمة.
لقد مدحتك المنابر بزهدك وعلمك، ورثتك المآذن بتهجدك وصبرك، وستبقى كلماتك وتوجيهاتك مناراً يهتدي به السائرون في دروب الحرية.
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، لكن العزاء أن القائد وإن توارى جسداً في ثرى الحرم الرضوي الشريف، فإن نهجه المبارك بات مدرسة ملحمية خالدة تتوارثها الأجيال، تتحدى الموت وتصنع الانتصار.
العميد نبيل الجمل.
اليمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك