تُعدّ الشاعرة والكاتبة والناقدة الروسية زينايدا غيبيوس (1869-1945) إحدى أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في تاريخ الأدب الروسي الحديث، وواحدة من أبرز رموز العصر الفضي للأدب الروسي.
لم ترتبط شهرتها بإنتاجها الأدبي وحده، بل أيضاً بحضورها الطاغي وشخصيتها الاستثنائية، التي جعلتها في صدارة الحياة الثقافية الروسية خلال العقود الأولى من القرن العشرين.
وربما لم يعرف الوسط الأدبي الروسي في تلك الحقبة شخصية أثارت من الجدل بقدر ما أثارته غيبيوس؛ فقد عُدّت من أجمل نساء عصرها وأكثرهن ذكاءً، وكانت في الوقت نفسه موضع إعجاب وخشية، ومديح وانتقاد.
بسبب جمالها اللافت وسلوكها الاستفزازي وآرائها الفلسفية الجريئة، أطلق عليها معاصروها ألقاباً عديدة مثل: «الساحرة» و»مادونا أدب الإنحطاط» و»الأمازونية خضراء العينين» و»الشيطانة».
وتميزت بلسان لاذع ونقد حاد لا يعرف المجاملة، فكانت قادرة على توجيه أحكام قاسية إلى الكتّاب والشعراء، لكنها في المقابل كانت تمنح من تنال أعماله استحسانها دعماً ورعايةً كبيرين، الأمر الذي جعل تأثيرها في الأوساط الأدبية يتجاوز حدود الكتابة إلى دور فاعل في تشكيل الذائقة الثقافية وتوجيه الحياة الفكرية في عصرها.
ولدت غيبيوس في بلدة بيليوف الصغيرة، حيث كان والدها يعمل في سلك القضاء.
ولم تنل تعليماً نظامياً منتظماً بسبب تنقل أسرتها المستمر بين مدن الأقاليم الروسية، لكنها عوضت ذلك بالتعليم المنزلي وبشغف مبكر بالقراءة.
ومنذ طفولتها انغمست في عالم الكتب، ثم بدأت تكتب الشعر والنثر وهي لا تزال في سن مبكرة.
وقد اتسمت محاولاتها الأولى بالتأمل في موضوعات الحب والموت والعزلة، وهي الموضوعات التي ستصبح لاحقاً من سمات الأدب الرمزي.
وقد رأى بعض من اطّلع على كتاباتها الأولى أنها فتاة مدللة وغريبة، لكنها كانت تضحك لاحقاً من هذه الأحكام، مؤكدة أن ما جذبها لم يكن سوى الطابع الجمالي والرمزي لتلك الأجواء.
في صيف عام 1888، حين كانت زينايدا غيبيوس في التاسعة عشرة من عمرها، تعرّفت في مدينة بورجومي إلى دميتري ميريجكوفسكي، وسرعان ما تعلقت به.
كان الشاعر الشاب قد نشر آنذاك مجموعته الشعرية الأولى، وبدا لها مختلفاً عن جميع معجبيها الآخرين؛ ذكياً وجاداً، تغلب عليه مسحة من الكآبة افتقدتها في سائر الرجال الذين عرفتهم.
وفي يناير/كانون الثاني من العام التالي تزوج الاثنان في تفليس، حيث كانت زينايدا تقيم مع والدتها وشقيقاتها.
شكّل هذا الزواج نقطة تحول حاسمة في حياة غيبيوس، إذ جمعها بميريجكوفسكي في شراكة فكرية وأدبية نادرة استمرت أكثر من نصف قرن.
وقد اجتاز الزوجان معاً تحولات سياسية وثقافية كبرى، وظل ميريجكوفسكي بالنسبة إليها شخصية فكرية استثنائية، رغم أن طبيعة العلاقة العاطفية بينهما بقيت موضع نقاش بين الباحثين.
وكان التباين بين مظهريهما لافتاً؛ فزوجها بدا أكبر من عمره بسبب هيئته الوقورة ولحيته الكثيفة، في حين ظلت غيبيوس، بملامحها الرقيقة وحضورها المتجدد، تبدو أصغر سناً وأكثر حيوية، وربما وجدت في هذا الاختلاف ما يرضي شيئاً من أنوثتها.
كان الكاتب والناقد ديمتري فيلوسوفوف قريباً جداً منهما لدرجة أن كثيرين عدّوه فرداً ثالثاً في تلك الأسرة غير التقليدية.
بعد الزواج انتقل الزوجان إلى بطرسبورغ، وهناك لم تدخل الشاعرة الشابة الأوساط الأدبية بفضل زوجها فحسب، بل سرعان ما فرضت حضورها المستقل بوصفها ناقدة حادة لا تعرف المجاملة.
ومع مرور الوقت تحوّل منزلهما إلى أحد أبرز المراكز الثقافية في العاصمة الروسية، حيث أنشأ الزوجان صالوناً أدبياً لا يُسمح بدخوله إلا للكتّاب والشعراء الذين يجتازون مقابلة شخصية.
وكانت غيبيوس نفسها تتولى هذه المهمة، حتى إن كثيراً من المتقدمين كانوا يشعرون بقلق يفوق ما يشعر به الطالب عشية امتحان مصيري.
ولم يكن هذا القلق بلا مبرر؛ فمن ينجح في كسب رضا «الشيطانة»، كما كان يطلق عليها بعض معاصريها بسبب حدّة نقدها وقوة شخصيتها، ترتفع مكانته الأدبية على الفور.
أما المعيار الوحيد للقبول فكان جودة العمل الأدبي، إذ كانت غيبيوس تفرض مقاييس صارمة وعالية على الإبداع، لكنها في المقابل كانت تمنح ثقتها لمن يستحقها، وكان الكاتب أو الشاعر الذي يحظى باستحسانها يستطيع أن يتوقع اهتماماً واسعاً من القراء واعترافاً سريعاً من الأوساط الأدبية.
وهكذا أصبحت غيبيوس، إلى جانب ميريجكوفسكي، واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في الحياة الثقافية الروسية خلال مطلع القرن العشرين.
في قلب العصر الفضي: امرأة استثنائيةفي قلب هذا المناخ الثقافي المضطرب برزت غيبيوس بوصفها شخصية لا تشبه أحداً.
فقد تعمدت كسر القوالب الاجتماعية السائدة، سواء في مظهرها أو أفكارها أو أسلوب حياتها.
كانت ترتدي أحياناً ملابس ذات طابع رجالي، وتدافع عن حق المرأة في الاستقلال الفكري والإبداعي، وتطرح أسئلة جريئة حول الحرية والهوية والعلاقة بين الروح والجسد.
ولهذا بدت لكثير من معاصريها امرأة خارجة على المألوف، بينما يراها باحثون معاصرون من أوائل الأصوات النسوية في الأدب الروسي.
تميّز إبداع زينايدا غيبيوس بتنوّعه الاستثنائي، فكانت واحدة من أكثر أدباء العصر الفضي الروسي غزارةً وتعدداً في مجالات الكتابة.
فقد امتد نتاجها من الشعر إلى الرواية والقصة والمسرحية، فضلاً عن النقد الأدبي والمقالات الفكرية واليوميات والمذكرات.
وفي الشعر أصدرت عدداً من الدواوين، كان آخرها «الإشراقات»، الذي نُشر في باريس عام 1938، ويُعد خلاصة تجربتها الشعرية الطويلة.
أما في النثر، فقد قدّمت روايات ومجموعات قصصية لاقت اهتماماً واسعاً، من أبرزها «دمية الشيطان» و»حب غريب»، كما كتبت عدداً من المسرحيات، تتصدرها «الخاتم الأخضر».
وإلى جانب إبداعها الأدبي، احتلت مكانة مرموقة بوصفها ناقدةً ومفكرةً مؤثرة، وأسهمت يومياتها ومذكراتها وصورها الأدبية في توثيق الحياة الثقافية الروسية، مقدّمةً شهادات حيّة عن كثير من أعلام عصرها.
وقد عُرفت بثقافتها الموسوعية، ونفاذ بصيرتها النقدية، وقدرتها على اكتشاف المواهب الأدبية ورعايتها، حتى غدت آراؤها موضع تقدير لدى العديد من كبار الأدباء، رغم ما اتسمت به من صراحة وحزم في النقد.
ومن أبرز علاقاتها الأدبية تلك التي ربطتها بالشاعر ألكسندر بلوك.
فقد تأرجحت هذه العلاقة سنوات طويلة بين الصداقة العميقة والخصومة الحادة، شأنها شأن كثير من العلاقات التي عرفها الوسط الأدبي الروسي آنذاك.
وكانت الثورة البلشفية عاملاً إضافياً في توسيع الهوة بينهما، إذ رفضت غيبيوس الثورة رفضاً قاطعاً، ورأت فيها كارثة روحية وثقافية تهدد روسيا وتراثها.
غادر الزوجان روسيا عام 1920 متجهين إلى فرنسا هرباً من النظام الجديد.
وفي باريس أصبحت شقتهما ملتقى للكتاب والمفكرين الروس المنفيين، ومركزاً حيوياً للحياة الثقافية الروسية خارج الوطن.
وفي عام 1927 أسسا جمعية أدبية هدفت إلى جمع شمل الأدباء الروس المهاجرين والحفاظ على التراث الثقافي الروسي بعيداً عن الرقابة الأيديولوجية السائدة في الاتحاد السوفييتي.
وقد شارك في نشاطاتها عدد من أبرز أعلام الفكر والأدب الروسي، من بينهم إيفان بونين وألكسندر كوبرين وناديجدا تيفي ونيقولاي برديائيف.
وبفضل هذه الجهود تحولت باريس خلال تلك السنوات إلى واحدة من أهم عواصم الثقافة الروسية في المنفى.
غير أن المنفى، على الرغم من حيويته الثقافية، لم يستطع أن يعوضها عن العالم الذي فقدته.
فقد كانت تشهد من بعيد أفول الجيل الذي صنع مجد العصر الفضي، فيما تتغير روسيا وتتبدل ملامحها على نحو لا تستطيع قبوله.
خيّم الحزن على السنوات الأخيرة من حياة غيبيوس، إذ أخذ عالمها يضيق مع تقدّم العمر؛ فرحل كثير من أصدقائها، وخفتت الأضواء التي أحاطت بها طويلاً، وتراجع حضورها في المشهد الأدبي.
ثم جاءت وفاة زوجها ورفيقها الفكري دميتري ميريجكوفسكي أواخر عام 1941 لتشكّل أقسى ضربة في حياتها.
فقد فقدت شريك دربها بعد أكثر من نصف قرن من العيش والعمل المشترك، وكانت علاقتهما، على ما أحاط بها من جدل، من أكثر الشراكات الفكرية تأثيراً واستمراراً في الأدب الروسي.
ومنذ رحيله كرّست ما تبقى من عمرها للحفاظ على إرثه الأدبي وكتابة سيرته وتوثيق مسيرته، بينما أخذت تنسحب تدريجياً من الحياة العامة حتى غدت تعيش في عزلة شبه تامة.
وتذكر بعض الشهادات أن أقرب رفاقها في تلك المرحلة كانت قطة عجوز اعتادت أن تناديها «كوشششكا» ـ أي «القطة» ـ مطيلةً صوت الشين على نحو يعكس نزعتها الدائمة إلى الغرابة ومخالفة المألوف.
وقد بقيت تلك القطة إلى جانبها حتى أيامها الأخيرة، كأنها الشاهد الصامت على حياة حافلة بالإبداع والجدل والتحولات.
توفيت زينايدا غيبيوس في 9 أيلول/سبتمبر 1945 في باريس عن عمر ناهز السادسة والسبعين عاماً، بعد سنوات من المعاناة الجسدية والإنهاك النفسي الذي رافق شيخوختها ومنفاها الطويل.
وقد رحلت بهدوء في الشقة الباريسية التي شهدت آخر فصول حياتها، بعد أربع سنوات فقط من رحيل ميريجكوفسكي.
ولعل العبارة التي كانت ترددها في أيامها الأخيرة: «لقد متُّ أنا، ولم يبقَ إلا أن يموت الجسد»، تختزل ببلاغة شعورها العميق بانطفاء العالم الذي عاشت من أجله.
وبوفاتها انطوت صفحة واحدة من أكثر الشخصيات فرادةً وتأثيراً وإثارةً للجدل في الأدب الروسي خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وقد ووريت الثرى إلى جانب ميريجكوفسكي في قبر واحد في مقبرة سانت- جنيفيف- دي- بوا الروسية الشهيرة قرب باريس، حيث يرقد عدد كبير من أعلام الثقافة والفكر الروسي في المنفى.
غير أن رحيلها لم ينهِ حضورها الأدبي والفكري؛ فقد ظل إرثها الشعري والنثري والنقدي حياً، شاهداً على مرحلة استثنائية من تاريخ الثقافة الروسية، وعلى روح قلقة ومتمردة لم تكفّ عن البحث عن الحرية والجمال والمعنى حتى آخر أيامها.
واليوم، وبعد مرور عقود على رحيلها، ما زالت زينايدا غيبيوس تثير اهتمام القراء والباحثين.
فهي ليست مجرد شاعرة من شعراء العصر الفضي، بل ظاهرة ثقافية متكاملة تركت أثراً عميقاً في الحياة الفكرية والأدبية الروسية.
لقد كانت امرأة صنعت أسطورتها بنفسها، وعاشت وفق قوانينها الخاصة، ورفضت أن تتنازل عن حريتها الفكرية حتى النهاية.
ولعل أفضل ما يختصر شخصيتها أنها لم تسعَ إلى أن تكون صوتاً يردد ما يقوله الآخرون، بل أرادت دائماً أن تكون صوتاً مختلفاً، حتى لو جرّ عليها ذلك سوء الفهم أو الخصومة أو النبذ.
ولهذا بقي اسمها حاضراً في تاريخ الأدب الروسي بوصفها واحدة من أكثر شخصياته تعقيداً وغموضاً وإثارةً للاهتمام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك