تشهد الأسواق العالمية موجة غير مسبوقة من تدفقات رؤوس الأموال نحو عدد محدود من الشركات العملاقة، في تحول يعيد رسم خريطة الأعمال والاستثمار، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف متزايدة من تركز القوة الاقتصادية وارتفاع المخاطر النظامية، بحسب تحليل نشرته صحيفة الإيكونوميست.
وأشارت الصحيفة إلى أن صفقات الاستحواذ العملاقة، وجولات التمويل الضخمة، والاستثمارات الأجنبية المباشرة باتت تتركز بصورة متزايدة في عدد محدود من الشركات، مدفوعة بازدهار الذكاء الاصطناعي، وتراكم السيولة، وتغير السياسات الحكومية.
الذكاء الاصطناعي يقود عصر الصفقات العملاقةووفقا لبيانات نقلتها الصحيفة، شكلت صفقات الاندماج والاستحواذ التي تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار نحو 48% من إجمالي قيمة الصفقات العالمية منذ بداية العام، وهي أعلى نسبة مسجلة على الإطلاق.
كما استحوذت جولات التمويل التي تزيد قيمتها على مليار دولار على 61% من إجمالي تمويل رأس المال الجريء، بينما شاركت شركات كبرى في نحو أربعة أخماس هذه الجولات، ما يعكس تزايد اعتماد الشركات الناشئة على كبار المستثمرين الاستراتيجيين.
ويمتد الاتجاه ذاته إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إذ تمثل المشروعات الجديدة التي تتجاوز قيمتها مليار دولار نحو 42% من إجمالي الاستثمارات منذ مطلع 2024، مقارنة مع 28% فقط خلال الفترة بين 2016 و2018.
وتبقى الولايات المتحدة المحرك الرئيس لهذه الموجة، إذ تستحوذ على النصيب الأكبر من صفقات الاستحواذ العملاقة، وتضم معظم الشركات الناشئة التي حصلت على أكبر جولات التمويل، بينما برزت أيضا تايوان والإمارات والصين وسنغافورة وبريطانيا كمراكز لصفقات استثمارية ضخمة.
وترى الصحيفة أن هذه الطفرة تعكس وفرة السيولة لدى الشركات الكبرى، إذ بلغت الأرصدة النقدية لشركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 نحو 2.
2 تريليون دولار، بالتزامن مع وصول أرباح الشركات الأمريكية إلى مستويات تاريخية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، وهو ما وفر لها قدرة أكبر على تنفيذ عمليات الاستحواذ وتمويل التوسع.
ويعد الذكاء الاصطناعي المحرك الأبرز لهذه الموجة، إذ تتوقع الصحيفة أن تنفق شركات الحوسبة السحابية الكبرى، وهي ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل، نحو 800 مليار دولار على الإنفاق الرأسمالي خلال العام الجاري لتوسيع مراكز البيانات والبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب تمويل الشركات الناشئة العاملة في هذا القطاع.
مخاطر التركز وتزايد النفوذوترى الإيكونوميست أن البيئة السياسية أسهمت أيضا في تسريع هذا الاتجاه، مع تبني الإدارة الأمريكية الجديدة والاتحاد الأوروبي مواقف أكثر مرونة تجاه عمليات الاندماج، بالتوازي مع سياسات حمائية تدفع الشركات إلى إعادة توطين الإنتاج عبر الحوافز والرسوم الجمركية.
كما دفعت الضبابية الجيوسياسية والتغيرات التكنولوجية المتسارعة إدارات الشركات إلى اعتبار الحجم الكبير وسيلة لتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر، وهو ما رفع تقييمات الشركات العملاقة مقارنة بالشركات الأصغر.
لكن الصحيفة تحذر من أن هذا التركز يحمل مخاطر متزايدة، إذ تشير دراسات إلى أن احتمالات نجاح صفقات الاندماج الكبرى لا تختلف كثيرا عن الصفقات الأصغر، بينما تكون كلفة الفشل أعلى بكثير بسبب أحجام الديون والالتزامات المالية الضخمة.
وأوضحت أن شركات التكنولوجيا الكبرى بدأت تعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض لتمويل استثماراتها في مراكز البيانات، بعد أن كانت تعتمد سابقا على التدفقات النقدية الذاتية، وهو ما يزيد مستويات المخاطر المالية.
وتنعكس هذه التطورات على الاقتصاد الأمريكي، حيث أصبحت أكبر 10% من الشركات المدرجة تستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع القيمة السوقية للأسهم، وهي أعلى نسبة منذ قرن، وفقا لبيانات نقلتها الصحيفة عن دويتشه بنك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك