ما الذي قد يجمع بين الجزائر وكوريا الجنوبية غير العلاقات الدبلوماسية؟ يتساءل متسائل، الحقيقة أن الإجابة تتجاوز الأمر، بعد ما أثار خروج فريقي البلدين من المونديال غضبا شعبيا واسعا، قد تختلف حيثياته، ولكن حدة الجدل المثار حوله تبدو متماثلة.
صحيح أن كوريا الجنوبية لم تكن مثل حظ الجزائر التي عبرت نحو الدور الثاني، إلا أن وقع الصدمة يبدو أقوى على الجزائريين الذين لم تكف العطلة المرتجلة لتحسين مزاجهم، وهم الذين عولوا على ما تبقى من أدوار المونديال لبدء صيف على وقع الفرح الجماعي، وممارسة المواطنة على طريقتهم الخاصة.
في صيف الجزائر تشتد الحرارة، تكثر الأعراس، وتتضاعف الإشاعات.
والإشاعات أصغر بنات الأرض – حسب فرجيل- تتحرك بخفة وتسلب العقول.
والإشاعات تحديدا هي ما يقض مضاجع الجزائريين خلال الأيام الأخيرة، ويستولي على اهتماماتهم.
عطلة من أربعة أيام جمعت بين انتخابات نيابية ومحلية مع عيد استقلال وطني، أريد لها أن تخفض الضغط على شرائح واسعة من الجزائريين، لكن كان للقدر رأي آخر.
صيف الجزائريين، صيف فواكه أيضا، على رأسها البطيخ، فاكهة الجماهير الواسعة، تطورت زراعتها شمالا وجنوبا، يغطي محصول منطقة باقي مناطق الوطن، وحين ينضب يعوضه بطيخ منطقة أخرى وهكذا، لكن كان كافيا لإشاعات انتشرت على وسائل التواصل بتسمم الفاكهة، وتسببها في وفاة شخصين، لتسقط أسهم الفاكهة نحو قاع «غويط».
لم تكف تطمينات بعض الجهات بسلامة المنتج، وتقديم تحذيرات أساسية حول ضرورة التنظيف، وتفادي بعض طرق الاستهلاك المنتشرة لتطمين جحافل المنتقدين الذين ضجت الصفحات بتأويلاتهم: «تريدوننا أن نشتري فاكهتكم، قدموا لنا شهادات تثبت سلامة منتجاتكم»، «يجب سحب الفاكهة من السوق تماما».
من جهتهم خرج فلاحون مطالبين الوزارة الوصية بالحماية: «لماذا علينا أن ندفع ثمن إشاعات؟ »، »كيف لتعرض محدود للتسمم أن يعمم على منتجات البلاد كافة؟ ! »، «من سيحمينا نحن؟ »!«الصحوة المواطناتية» التي تعصف بمواقع التواصل الاجتماعي الجزائرية، وهي تفرض شروطا «بعدية» على الفلاحين من كشوف على استخدام المبيدات إلى تأكيد على سلامة السقي، تكاد لا تزن أمام نقاش أشد حدة و»أعمق وقعا» تقوده جماهير الكرة الوطنية.
خروج الجزائر من مونديال الرجل البرتقالي، لم ترق لشرائح واسعة من الجماهير، خاصة الطريقة التي «دخل وخرج» بها لاعبوهم، الذين لم يتعرفوا عليهم: «باردون»، «بلا روح»، «لا يحبون بلدهم»، يتهافتون على مواقع التواصل الاجتماعي، وأخذ الكثير من الصور، لكن لا نتيجة على الميدان»، غيث من فيض تعليقات تحولت من الإشادة عقب مبارتي الأردن والنمسا إلى ذم شديد في غضون أيام قليلة، مباشرة بعد الإقصاء على يد سويسرا.
منتخب لم يضطر لتقديم لعب متميز لإقصاء فريق وفرت له كافة الامتيازات، وسبل الراحة، حسب المتفاعلين، عدا مدرب نزيه، واتحادية كروية مسؤولة.
مدرب يكون حسبهم قد منح الفوز لفريق بلده وقلبه (فلاديمير بيتكوفيتش هو مدرب الفريق السويسري السابق، وحامل لجنسيته ومقيم هناك)، يكفيهم للاستدلال على ذلك فرحه الواضح، وتقاسمه غبطة فريق سويسرا عوض مواساة لاعبيه، الذين بدوا مستائين من طريقته في العمل، استياء عبر عنه أكثر من لاعب في طرق غير مباشرة.
ولأن عناصر الدراما الكروية الجزائرية لم تكتمل بعد فقد أخرج المتفاعلون (وما أكثرهم) مسألة أشد حساسية تمثلت في تجديد عقد الرجل مع الفريق الوطني مباشرة قبل المونديال، رجل خائن، يريدون تطليقه، لكن بأي مقابل؟ كلفة ستكون كبيرة، وتلك خديعة أخرى!جزائريون هللوا قبل «الخروج الغريب» للثأر من النمسا بعد موقعة خيخون 1982، باتوا ضحية دسائس، لا يرون حلا لها سوى محاسبة المسؤولين، طرد «الروبوت» (اللقب الذي صار يحمله الرجل الذي لا يفرق الجزائريون بين فرحه وحزنه – إلا مع بلده طبعا)، وتغيير جذري في منظومة الكرة الوطنية التي تكون قد ذهبت ضحية حسابات ومصالح ضيقة، بل من المتفاعلين من اقترح التخلص من اتحادية الكرة لسنوات وتحويل ميزانيتها لمشاريع أشد نفعا (نصيحة: للحفاظ على الصحة النفسية يرجى تفادي فصول هذا الجدل).
منذ 2020 عرفت الجزائر استحداث مناصب خاصة على مستويات محلية عرفت بوسائط الجمهورية: أشخاص محددون يكونون صلة بين مواطنين وأعلى السلطات في البلاد، محاولة لتجاوز عراقيل إدارية لها أسبابها.
لكن يبدو اليوم الجزائريون أمام وقائع جديدة أو على الأقل تلك القراءة التي عبر عنها باحثون وسياسيون في البلاد حول الانتخابات التي أجريت نهاية الأسبوع الفائت.
التشريعيات الأهدأ في تاريخ الجزائر المستقلة، التي خلت الشوارع فيها من بهرجة الصور وصخب مكبرات الصوت التقليدية، عرفت استخداما واسعا (وغير فاعل) لمواقع التواصل الاجتماعي، لمرشحين بلا خبرة، ولا خطابات مقنعة.
حضور ضعيف عددا وروحا للمترشحين مقارنة بسنوات ماضية، وعزوف تاريخي عن الإدلاء بالأصوات في محطة مهمة في تاريخ البلد، إذ لم تتجاوز النسب التي صرح بها نهاية يوم الاقتراع العشرين في المئة.
العزوف الذي رأى فيه الباحث في علم الاجتماع السياسي ناصر جابي قطيعة بين السلطة والشعب تستوجب وقفة جدية، لا تتحمل الأحزاب السياسية وحدها وزره، حلله الوزير الأسبق عبد العزيز رحابي بأنه نتاج غياب مبرمج للحياة السياسية، في كافة مكوناتها من أحزاب سياسية، صحافة ومجتمع مدني، متوقفا عند سابقة سياسية تكون الجزائر من يسن لها، وهي تعويض (أو اختزال الحياة السياسية) في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتحول لوسائط للأمة، تقرأ منها السلطة حياة الجزائريين، وتحاول التكيف مع المطالب، التي يرى «رحابي» (بكل ثقل وخبرة الرجل) أنها تختزل في الإمدادات، ومنه تتحول وسائط التواصل من وسائل للاتصال الى «حياة السياسة في البلد».
حياة سياسية يسهل استقطابها وتوجيهها، جس نبضها، تظل النقاشات الأفقية «ألذ» ما يثيرها ويشغلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك