لم يكن التفجير الذي ضرب مقهى قرب القصر العدلي في دمشق، الخميس الماضي، وأسفر عن سقوط عشرة قتلى و21 جريحاً، مجرّد حادث أمني معزول، بل إن انفجارين متزامنين ضربا دمشق أمس الثلاثاء أيضاً خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والوفد المرافق له، كما شهدت المدينة وريفها، أخيراً، سلسلة حوادث وتطورات أمنية متزامنة، تصدّرها إحباط محاولة تفجير عبوة ناسفة زُرعت داخل حافلة في حيّ الورود، إلى جانب إحباط هجوم استهدف حاجزاً أمنياً في منطقة الدويلعة، فضلاً عن هجوم لعناصر من مليشيات الحرس الوطني في السويداء على مناطق متاخمة لها توجد فيها قوات أمنية حكومية، الأمر الذي يشي بأن التحدّي الأمني ما زال أبرز الملفات وأخطرها في سورية ما بعد نظام الأسد.
تعيد هذه التفجيرات والعمليات الإرهابية طرح أسئلة عديدة بشأن الجهات التي تقف وراء ذلك كله، ومدى قدرتها على زعزعة الأمن في وقت تسعى فيه سورية إلى الاستقرار والتعافي، وحول سبل مواجهتها والخطوات الواجب اتّباعها لتحصين الداخل السوري وصون الأمن.
لتصاعد وتيرة التفجيرات والاعتداءات الإرهابية في سورية دلالات كثيرة، من حيث أماكن الاستهداف والتوقيت، وله أيضاً انعكاساته المحتملة على الواقع الأمني والسياسي والاقتصادي في البلاد أيضاً، وخصوصاً أن السلطة الجديدة قامت بعدة خطوات في إطار سعيها إلى ترسيخ الاستقرار وبناء علاقات جديدة مع محيطيها العربي والدولي.
قامت السلطة الجديدة بعدة خطوات في إطار سعيها إلى ترسيخ الاستقرار وبناء علاقات جديدة مع محيطيها العربي والدولييشي تفجير مقهى قريب من قصر العدل بأن بقايا نظام الأسد وفلوله يمكن أن يكون لهم دور في تنفيذه، كونه بدأ يشهد في الآونة الأخيرة جلسات محاكمة لرموز من هذا النظام، بالتزامن مع اتخاذ السلطات السورية خطوات من أجل تطبيق العدالة الانتقالية، التي يطالب سوريون عديدون بالتعجيل بإصدار قانونها والشروع بها، إضافة إلى استمرار الدعوات إلى سن قانون" تجريم الأسدية"، وإنجاز وزارة العدل مشروع قانون خاص ينظّم أي مخالفة تخص إنكار جرائم نظام الأسد البائد، وسيرفع إلى مجلس الشعب فور انعقاده، لاستكمال الإجراءات الدستورية وإقراره وفق الأصول.
أرجعت السلطات السورية الهدف من التفجير إلى محاولة الجهات التي تقف وراءه" التشويش في وقت تتعافى فيه سورية في مختلف المجالات"، حسبما صرّح محافظ دمشق.
في حين أن وزارة العدل أكّدت أن مثل هذه الأعمال" لن تثني مؤسّسات الدولة عن مواصلة ترسيخ سيادة القانون وتحقيق العدالة وملاحقة المسؤولين عنها".
أما بيان وزارة الداخلية، فتحدث عن أن التفجير جرى بواسطة" عبوة ناسفة بدائية الصنع تزن نحو كيلوغرام واحد، جُهّزت بشظايا معدنية، ما أدّى إلى إحداث إصابات بالغة وأضرار كبيرة في المكان".
لا يجب الاطمئنان إلى ما قيل عن بدائية العبوة الناسفة من جهة التقليل من خطورة المجموعات المنفذة أو القوى التي تقف وراءها، وخصوصاً أن العمليات الإرهابية لا تطاول المناطق البعيدة والنائية، بل هي دمشق التي شهدت سلسلة من الحوادث الأمنية خلال الأشهر الماضية، حيث أعلنت السلطات الأمنية السورية، في مايو/ أيار الماضي، مقتل أحد عناصر وزارة الدفاع وإصابة 12 آخرين في انفجار سيارة مفخّخة قرب إدارة التسليح التابعة للوزارة، بالتزامن مع تفكيك وحدة عسكرية عبوة ناسفة.
كما شهدت منطقة الدويلعة في يونيو/ حزيران 2025 هجوماً انتحارياً استهدف كنيسة مار إلياس، وأودى بحياة مدنيين عديدين، فضلاً عن حوادث وعمليات أمنية أخرى في بعض المناطق السورية الأخرى.
لتصاعد وتيرة التفجيرات والاعتداءات الإرهابية في سورية دلالات كثيرة، من حيث أماكن الاستهداف والتوقيتيُعدّ مقهى المشيرية من أقدم المقاهي الشعبية في دمشق، ويقع بجوار القصر العدلي في منطقة الحجاز، ويرتاده عادة قضاة ومحامون وأصحاب الدعاوى والقضايا في القصر العدلي، ما يعني أن اختياره لم يكن وليد المصادفة أو عشوائياً، بالنظر إلى ما يمثله من رمزية مرتبطة بالمؤسسة القضائية، إضافة إلى كثافته البشرية، الأمر الذي يعطي أي استهداف له صدى إعلامياً وسياسياً واسعاً.
وبالتالي، الغاية من استهدافه ضرب جهاز القضاء، وتصفية كوادره القانونية والحقوقية، بغية تعطيل مؤسسات الدولة الجديدة، وتوجيه رسالة خوف وترويع للقضاة والمحامين، وضرب السلطات الأمنية أيضاً، إضافة لإيقاع أكبر قدر من الأذى، باختيار لحظة التفجير خلال ساعات الذروة والازدحام، الأمر الذي يفسّر العدد المرتفع من الضحايا (بينهم ستة محامين).
غير أن الإشارة إلى ترجيح احتمال وقوف فلول نظام الأسد وراء تفجير المقهى، لا يعني مطلقاً استبعاد احتمال ضلوع أي من القوى الساعية إلى ضرب الاستقرار في سورية، وفي مقدمتها إسرائيل، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والحرس الثوري الإيراني، وحزب الله، وسائر القوى المتضرّرة من سقوط نظام الأسد.
لم يعلن" داعش" أو أي جهة أخرى مسؤوليته عنه، في حين أن هذا التنظيم تبنى مسؤولية التفجير الذي قام به قبل نحو أسبوعين في بلدة ببيلا، في ريف دمشق الجنوبي، واستهدف رئيس قصر العدل في هذه البلدة بعبوة ناسفة، ما أسفر عن إصابته بجروح خطيرة.
من حيث التوقيت، جاء التفجير بالتزامن مع سلسلة تطورات سياسية، أبرزها اكتمال تشكيل مجلس الشعب، واستعداده لعقد اولى جلساته، والزيارة المهمة للرئيس الفرنسي ماكرون، والحديث عن بدء مشاريع استثمارية، وتنشيط عجلة الحركة التجارية والاقتصادية.
ربما، لا يتجاوز تفجير المقهى بعده الأمني المحدود، لأنه أياً كانت الجهات المخطّطة له، فإن مثل هذه التفجيرات لن تحقّق مكاسب تذكر، وأقصى ما تطمح إليه إضعاف ثقة السوريين بالسلطة الجديدة، وبقدرتها على توفير الأمن لهم، والتأثير على صورة الاستقرار الذي تسعى إلى ترسيخه في المرحلة الانتقالية.
لكن نجاح السلطة في كشف ملابسات التفجير بسرعة، والإعلان عن نتائج التحقيق، واتخاذها إجراءات أمنية واجتماعية تمنع تكرار مثل هذه التفجيرات، سيكون لها دورٌ أساسي في تعزيز ثقة السوريين، وكذلك طمأنة المستثمرين والشركات والدول التي يمكنها المساهمة في مشاريع التنمية وإعادة الإعمار في سورية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك