كان من الممكن أن تحتسي فنجان قهوتك المسائي في ذلك اليوم في منزلك الذي أصبحت فيه بعيداً عن وطنك، وحيث تشعر بالبرودة تسري في أنحاء جسدك طوال الوقت، حتى وأنت تجلس في شرفةٍ تطل على منظر بديع، ولكنك تشعر باغتراب قاتل يذيب روحك، فتقرّر أن تبدل ملابسك، وتلتقط مفتاحك وتتجه نحو مقهى صغير افتُتِح أخيراً في أكثر شوارع المدينة التي لا تنام ازدحاماً، ولكنه مقهى يؤمّه من هم أمثالك، ممن تطاردهم الذكريات وتلهبهم نار الحنين، والذين يفدون إلى المكان ليس لاحتساء فنجان من القهوة، لأنك، ومن الأحاديث المتطايرة بينهم، سوف تكتشف أنهم قد جاؤوا من أطراف المدينة، وأنهم قد تكبّدوا تكلفة الانتقال وطول وقته من أجل هذه اللحظات التي تدفئ قلوبهم قليلاً.
لا تستغرب حين تشعر بالراحة وأنت تسمع اللهجة الغزاوية تتردّد في المكان، حتى النادل الذي يحاول أن يستخدم لهجتك وهو يسألك عن كمية السكّر التي تريد إضافتها إلى فنجان قهوتك، ولذلك تمدّ ساقيك تحت الطاولة الصغيرة، وتكتشف أيضاً أن المكان مزدحم إلى درجة أنك تسمع جيداً الأحاديث حولك، مهما حاولت أن تتجنّبها اتباعاً للآداب العامة، وحتى حين تتشاغل بهاتفك بين يديك، تصرّ الأحاديث على أن تصل إلى أذنك بسبب قرب الطاولات من بعضها، ولكن حواراً مكرّراً يجعلك تنصت مضطرّاً، لأنك في كل مرة تسمع كلاماً كثيراً بصوت رجل، أما المرأة فقد كانت تردّد عبارة واحدة: قبل أن يُقصف البيت.
إذا كنّا نريد أن نصف المرأة، فهي الوجه الحسن فعلاً الذي تحدّث عنه الشعراء، والذي لا تروق الصحبة إلا به، فقد كان وجهها آية من آيات الجمال بكل ما تعني الكلمة، لولا مسحة الحزن فوقه والدموع المتحجرة في المقلتين، ولكنك تدرك أن هذا ما يزيد من جمالها، وكانت تكرّر هذه العبارة، وتعضّ على شفتها السفلى، وتتشاغل بمداعبة صغير لم يتم عامه الرابع على أكثر تقدير، فيما يتحدّث الزوج عن أشياء كثيرة لكي يشاغلها، لأن الرجل حين يتحدّث عن الشارع المزدحم، وارتفاع حرارة الجو، وازدحام المكان، وفنجان القهوة المتأخّر، فهو فعلاً لا يجيد اختيار الحديث المناسب في حضرة هذا الوجه، ولكنه يراوغ لكي يغيّر من دفّة حديثها، فيفشل، فيربّت شعر الصغير المنسدل، ويقول لها: غداً سيكبر ويلتحق بالمدرسة، وسوف نعاني قبل أن نوقظه من النوم، فردّت: قبل أن يُقصف البيت.
فقاطعها قائلاً، مقرّراً مجاراتها: كانت له غرفة جميلة فعلاً.
ثم حل الصمت بينهما، وكأنهما أرادا أن يتركا تكملة الحوار لي، وتخيّلت أن هناك مسابقة ستعقد في المكان الذي يعج بالمغتربين والنازحين، والذين قرّروا أن النجاة حقّ، ولو بعيداً عن الوطن، فتخيّلت إجاباتهم لو سألتهم جميعاً، وأنا أصفّق بيدي لكي يلتفتوا نحوي: ماذا كنت تفعل قبل أن يُقصف البيت؟سرحتُ بتفكيري، وضربت الطاولة بقبضة يدي، ولكن من دون صوت، وتذكرت أنني كنت في مطبخي الصغير أعد القهوة المسائية لأفراد عائلتي قبل أن يُقصف البيت، ونصبح جميعاً في الشارع، وينتهي كل شيء إلى الأبد.
تخيّلتُ سماع إجابات مختلفة من روّاد المقهى على غرار إجابتي فيما لم تتوقف تلك الحسناء عن تكرار العبارة نفسها، فتوقّعت أنها تعاني من حالة نفسية، وربما عادت للتوّ من زيارة طبيب نفسي حاول أن يخرجها من أجواء لا تنساها، وبالغت في التخيّل، وسألت نفسي: هل يمكن أن تكون قد فقدت الذاكرة، وتوقفت ذكرياتها عند لحظة قصف البيت، فلم تعد تردّد سوى هذه العبارة.
بعد نحو ساعة، نهض الزوج، وحمل طفله، ثم ساند زوجته وهي تقف ومرّا من أمامي، ففهمت أنه لم يكن الزمن وحده هو الذي توقف عند عبارة واحدة لأن الحرب تركت لها ساقاً واحدة، أما الساق الثانية فبقيت هناك، بعد أن قُصف البيت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك