كل غزّة تهتف لعرب المونديال، كل غزّة تدعو وتبتهل حتى الفجر للمنتخبين المصري والمغربي، كل طفل وامرأة وشاب يعتبرون أنفسهم مصريين ومغاربة، تتعطّل حياتهم يوم المباراة، يرتبّون خيام النزوح المهترئة ويشحنون الهواتف والحناجر وينتظرون لحظة المواجهة والانتصار.
مشاهد أسطورية تحرّك الصخر وتزلزل القلوب لشعب كريم يقف فوق جرحه العميق، ويغني لأشقّائه العرب ويحتفل، مشاهد غير مسبوقة في تاريخ الشعوب، أن يشجّع جمهور فريقاً عربيّاً تحت القصف وتحت الجوع والعطش.
السؤال الآن: من يردّ الجميل لهذا الشعب، ليس برفع أعلامه، وإنما برفع الحصار عنه والذهاب إليه بالخبز والمياه والدواء؟
بحسب ما عرفت باسم" خطّة ترامب للسلام" تم إجبار غزّة على تجرّع العلقم أول من أمس بالإعلان، رسميّاً، عن طي صفحة المقاومة وتسليم السلاح والتهيؤ لاستقبال حكام غزة الجدد، عرب وعجم متصهينون يديرون شؤونها تحت رئاسة دونالد ترامب، وتطبيقاً للبند الخاص بتسليم مقاليد الإدارة والسيطرة للجنة التي عينها ترامب ومساعدوه من العرب الذين تفرّغوا للضغط على حركة حماس وحركات المقاومة من أجل الخروج من المشهد، بالتزامن مع صور الحشود المتنامية لجماهير غزّة اصطفافاً خلف المنتخب المصري.
كان من المفترض بحسب خطّة ترامب ومقرّرات قمّة شرم الشيخ، وبعد أن استعاد الاحتلال الصهيوني آخر جثة من قتلاه في العدوان على غزّة أن ينصرف الاهتمام كله على موضوع فتح المعابر في الاتجاهين، والبدء فوراً في إعادة الإعمار، غير أن شيئًا من ذلك لم يتحقق، سوى بعض ما يجعل أكثر من مليوني إنسان فلسطيني على قيد الحياة، في خيام بالية وإبادة يومية لم تتوقف على الرغم من دخان المزاعم المتصاعد من يوتوبيا مجلس ترامب، فيما بقي القصف والتوغل حتى أعلن نتنياهو بكل سعادة عن أنه بات يحتل أكثر من ثلثي مساحة غزة تحت غطاء مجلس السلام الأميركي.
حدث كل ذلك بينما الوصول العربي إلى الشعب المعذّب بالقصف اليومي في غزّة لم يبتعد كثيراً عمّا كان سائداً طوال عامي حرب الإبادة الإسرائيلية الأميركية، فلا المعابر ومنافذ الدخول والخروج فُتحت على مصاريعها، ولا أحد قرّر أن يتمرّد على الهيمنة الصهيونية على معابر ليست واقعة قانوناً تحت إدارتها، حتى وصلنا إلى اللحظة التي أرادها ترامب ونتنياهو: غزّة من دون مقاومة ولا سلاح ولا حلم بالانعتاق من الاحتلال، بل تكريس لهذا الاحتلال من خلال دخول غزّة، بموافقة وضغط عربيين، تحت الوصاية الأميركية الكاملة على القطاع، وبذلك يتحقق ما سعت إليه إسرائيل: أن تعزل غزّة عن فلسطين تماماً، وتنهي القضية الفلسطينية، فتصير مناطق الضفة الغربية والقدس شأناً إسرائيليّاً خالصاً، أو تحت وصاية صهيونية موازية لوصاية أميركا على غزّة، فيما تنحصر المقاربة العربية من القضية في حدود الأدوار الثانوية التي يحددها لهم دونالد ترامب في وثيقة مجلس غزّة.
وكيف لا تحقّق إسرائيل كل هذه المكاسب، وهناك من" عرب مجلس ترامب" من يتحدّث عن نزع السلاح الفلسطيني المقاوم في غزّة، وفي جنوب لبنان وكأنهم يتحدثون عن إزالة تعديات بالبناء العشوائي على قطعة أرض لا صاحب لها، باعتبار ذلك إنجازًا تاريخيًا، على نحو ما يتصرّف الرئيس اللبناني جوزاف عون الذي يشعرك، وهو يستعرض إصرار حكومته على نزع السلاح وتحرير الجنوب، وكأنه يتحدّث عن نزع سلاح الاحتلال الإسرائيلي وطرده من الأراضي اللبنانية، بينما المقصود سلاح مقاومة وطنية خاضت أنبل معاركها دفاعاً عن تحرير الأرض اللبنانية.
الآن، بعد أن أظهرت غزّة كل هذا النبل وكل هذا الحب لكل ما هو عربي، وتناست جراحها وآلامها وسهرت تحرس منتخبات عربية في المونديال، ألا تستحقّ موقفاً فيه الحد الأدنى من الشجاعة، للوصول إلى هذا الشعب لردّ جميله وشكره بشكل عملي يخفف معاناته؟غزّة تستحق من العرب أن يكونوا عرباً طوال الوقت، وليس في لحظات كرة القدم فقط!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك