يحلل الباحث عبد الله عبد المؤمن التميمي، في دراسته «اتجاهات الرأي العام العربي في المهجر تجاه الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران»، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، مواقف الجاليات العربية المقيمة في الخارج من الحرب، والعوامل التي أسهمت في تشكيل اتجاهاتها، من خلال دراسة ميدانية استهدفت قياس مستوى المتابعة، ومصادر المعلومات، وتقييم أسباب الحرب، وتداعياتها، والمواقف الرسمية والإعلامية، والسيناريوهات المتوقعة لمستقبل الصراع.
ترى الدراسة أن الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران تمثل إحدى أكثر الأزمات تأثيرًا في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، ليس بسبب أبعادها العسكرية فحسب، وإنما لما تتركه من انعكاسات سياسية واقتصادية وأمنية تمتد إلى النظام الإقليمي والدولي.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز الجاليات العربية في المهجر بوصفها شريحة تعيش في بيئات إعلامية وثقافية متعددة، وتتلقى روايات متباينة حول الحرب، بما يجعل اتجاهاتها مؤشرًا مهمًا لفهم طبيعة الرأي العام العربي تجاه هذا الصراع.
list 1 of 2الإجماع والأمين العام والمادة الخامسة.
كيف يتخذ حلف الناتو قراراته؟list 2 of 2موريتانيا وكيف هزمت السلفية المسلحة؟وتوضح الدراسة أن هدفها يتمثل في استكشاف اتجاهات العرب المقيمين في الخارج، ورصد مستوى متابعتهم للحرب، وتحليل إدراكهم لأسبابها، وتصوراتهم لتداعياتها، وتقييمهم للمواقف العربية الرسمية والإعلامية، إلى جانب استشراف رؤيتهم لمستقبل الصراع.
واعتمد الباحث على دراسة مسحية شملت 135 مبحوثًا من المقيمين في عدد من الدول، مع توظيف نظريات وضع الأجندة، والتأطير الإعلامي، وصناعة الرأي العام، والاعتماد على وسائل الإعلام لتفسير النتائج.
أولًا: المنهجية وخصائص العينةيستعرض الباحث الأسس المنهجية للدراسة، موضحًا أنها اعتمدت المنهج الوصفي المسحي، واستخدمت الاستبيان أداة رئيسية لجمع البيانات.
وشملت العينة عربًا مقيمين في عدد من الدول، كان أكثر من نصفهم يقيمون في تركيا، بينما توزعت بقية العينة على السعودية ومصر وماليزيا ودول أخرى.
وتبين الدراسة أن العينة يغلب عليها الذكور، وأن غالبية المشاركين تجاوزوا الأربعين عامًا، كما أن نحو 95% منهم يحملون مؤهلات جامعية أو دراسات عليا، الأمر الذي يعكس، في تقدير الباحث، أن نتائج الدراسة تعبر بدرجة كبيرة عن اتجاهات شريحة عربية متعلمة، تتابع التطورات السياسية والإستراتيجية باهتمام، وتمتلك قدرة على تحليل تداعياتها.
كما أظهرت البيانات أن غالبية المشاركين ينتمون إلى فئات منخرطة في سوق العمل، وهو ما يفسر اهتمامهم بالتداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب.
ثانيًا: اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الحربتكشف الدراسة عن ارتفاع كبير في مستوى اهتمام العرب في المهجر بالحرب؛ إذ يتابع معظم المشاركين أخبارها بصورة يومية أو شبه يومية، بينما جاءت وسائل التواصل الاجتماعي في مقدمة مصادر المعلومات، تلتها القنوات التلفزيونية، ثم المحللون والخبراء، في حين تراجع الاعتماد على المصادر الرسمية والصحف الإلكترونية.
وتوضح الدراسة أن أكثر من نصف المشاركين يرون الحرب غير متوازنة، بينما يصفها نحو ثلثهم بأنها متوازنة، في حين بقيت نسبة محدودة غير قادرة على تكوين موقف واضح.
أما على مستوى المواقف الشخصية، فقد جاءت فئة المحايدين في المرتبة الأولى، تلتها فئة المعارضين للحرب، بينما كانت نسبة المؤيدين الأقل، وهو ما يعكس ميلًا عامًا إلى الحذر أو رفض التصعيد العسكري، وتفضيل الحلول السياسية والدبلوماسية.
وترى الدراسة أن هذه النتائج تؤكد غياب موقف عربي موحد في المهجر، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن اتجاه عام يفضل تجنب الحرب، ويعبر عن مخاوف واسعة من تداعياتها الإنسانية والاقتصادية والأمنية.
ثالثًا: إدراك الجمهور لتداعيات الحرب ومستقبلهاتوضح الدراسة أن غالبية المشاركين ينظرون إلى الحرب باعتبارها نقطة تحول في موازين القوى الإقليمية، ويتوقعون أن تؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، مع استمرار حالة عدم الاستقرار، وإضعاف إيران، وازدياد التدخلات الخارجية.
كما تكشف النتائج أن غالبية المبحوثين يتوقعون أن تترك الحرب آثارًا سلبية كبيرة على الدول العربية، وأن أبرز تداعياتها ستكون ارتفاع أسعار الطاقة، والتراجع الاقتصادي، واتساع التدخلات الخارجية، والاضطرابات الأمنية، بينما جاءت تداعيات اللجوء والنزوح في مراتب متأخرة مقارنة بالانعكاسات الاقتصادية والإستراتيجية.
وعلى صعيد مستقبل الصراع، تشير الدراسة إلى انقسام المشاركين بين من يعتقدون أن الحرب ستظل تحت السيطرة، ومن يتوقعون تحولها إلى مواجهة إقليمية أوسع، مع وجود نسبة كبيرة تعبر عن حالة من عدم اليقين.
كما رجحت النسبة الأكبر استمرار الحرب لفترة طويلة، أو تدخل المجتمع الدولي لإنهائها، بينما استبعدت إمكانية التوصل إلى تسوية سريعة.
وترى الدراسة أن هذه النتائج تعكس إدراكًا عربيًا بأن الأزمة أصبحت جزءًا من صراع جيوسياسي طويل، تتداخل فيه المصالح الدولية والإقليمية.
رابعًا: تقييم الحكومات العربية والإعلام ورؤية المستقبلتستعرض الدراسة تقييم المشاركين للمواقف الرسمية العربية، موضحة أن نسبة معتبرة رأت أن الحكومات العربية تعاملت مع الحرب بصورة مناسبة، في حين اعتبرت نسبة أخرى أن مواقفها افتقرت إلى الوضوح أو لم تكن بالمستوى المطلوب.
أما فيما يتعلق بالموقف الذي ينبغي أن تتبناه الدول العربية، فقد فضلت الأغلبية خيار الحياد أو الوساطة الدبلوماسية، بينما لم يحظ تأييد أي من أطراف الحرب إلا بنسبة محدودة للغاية.
وفي تقييم الإعلام العربي، تكشف الدراسة عن غياب توافق واضح؛ إذ رأى أكبر عدد من المشاركين أن التغطية الإعلامية كانت غير كافية، بينما وصفها آخرون بالموضوعية، وعدها فريق ثالث منحازة أو مضللة، وهو ما يعكس استمرار أزمة الثقة في الأداء الإعلامي خلال الأزمات الكبرى.
كما أظهرت النتائج أن غالبية المشاركين لا تمنح ثقة كاملة للمعلومات المتداولة حول الحرب، وإنما تتعامل معها بحذر، مع الاعتماد على أكثر من مصدر للتحقق من الأخبار.
وتخصص الدراسة جانبًا مهمًا لتحليل تصورات المشاركين لأسباب الحرب، فتشير إلى أن قطاعًا واسعًا منهم يرى أن المشروع الصهيوني والسعي إلى الهيمنة الإقليمية يمثلان المحرك الأساسي للصراع، بينما ركز آخرون على المشروع الإيراني، وبرنامجه النووي، والتنافس على النفوذ في المنطقة، إلى جانب الصراع بين القوى الكبرى، وأهمية النفط وممرات الطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز.
وفي ضوء ذلك، يطرح المشاركون مجموعة من التوصيات، أبرزها تبني حياد عربي فاعل، والابتعاد عن الانخراط في الحرب، وتعزيز الوساطة السياسية، وبناء تحالفات إقليمية جديدة، وتقوية مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وتطوير قدرات الردع الذاتية، وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الاقتصادي، وتأمين سلاسل الإمداد، وتحصين الجبهة الداخلية للدول العربية.
تخلص الدراسة إلى أن الرأي العام العربي في المهجر يتعامل مع الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران بدرجة عالية من الاهتمام، لكنه يميل إلى الحذر أكثر من الانحياز، ويغلب عليه تفضيل الحلول السياسية والدبلوماسية على المواجهة العسكرية.
كما تكشف النتائج عن إدراك واسع للمخاطر الاقتصادية والأمنية المترتبة على استمرار الحرب، مع توقع استمرارها أو تدخل المجتمع الدولي لإنهائها، وتؤكد أن غالبية العرب في المهجر تفضل أن تنأى الدول العربية بنفسها عن الصراع، وأن تركز على حماية أمنها القومي، وتعزيز استقرارها الداخلي، وبناء سياسات أكثر استقلالًا في مواجهة التحولات الإقليمية والدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك