قراءة في الكاتب والكتاب والناشر، بمناسبة الطبعة الأولى، القاهرة ١٩٣٠ممن مفارقات كتاب الطبقات نفسه أن يُولد سِفْر يُؤرخ لأولياء الله وصالحيه وفقهائه على يد رجل لا شأن له بقداستهم: تاجر ومطبعجي خرج لتوه من الحظيرة اليهودية إلى رحاب الإسلام، طبعه على نفقته الخاصة لا في مطبعته السودانية، بل في القاهرة، بعيداً عن وطن الأولياء أنفسهم.
وفي هذا التناقض الرشيق تكمن حكاية هذا المقال.
وفي اصطلاح علماء الحديث والتاريخ، “الطبقة” هي جيل أو فئة من الرواة، أو العلماء، أو الأولياء المتقاربين زمناً، أو رتبة، بحيث يُصنَّف الناس إلى “طبقات” متعاقبة (كطبقة الصحابة، ثم طبقة التابعين، ثم تابعي التابعين، وهكذا كما فعل ابن سعد في الطبقات الكبرى).
وحين يُسمى كتاب “كتاب الطبقات”، فهذا يعني أنه يرتب أصحاب التراجم بحسب أجيالهم أو مراتبهم الدينية والعلمية، لا بحسب الترتيب الأبجدي أو الزمني المتصل كما يفعل المؤرخ العادي.
وهذا هو بالضبط ما فعله السيوطي في “حسن المحاضرة” وابن حجر في “الدرر الكامنة”، وهما من النماذج التي صرّح ابن ضيف الله بأنه اقتفى أثرها.
وجميعهم اقتفى أثر محمد بن سعد.
أما كلمة “ترجمة” هنا لها معنى قديم، أي السيرة الموجزة لذلك الشخص (مولده، نسبه، شيوخه، تلاميذه، كراماته، وفاته).
فـ ”التراجم” هي جمع تلك السير الفردية مجتمعة، وهي بهذا المعنى المادة الخام التي تُبنى منها كتب الطبقات.
الكاتب والكتاب، فقيه سنار الذي وثّق زمانه بمنهج المحدثينمحمد النور بن ضيف الله بن محمد بن ضيف الله بن علي الحلفاوي، أو كما ورد في مقدمة كتابه نفسه: محمد ود ضيف الله بن محمد الجعلي الفضلي، ولد في حلفاية الملوك سنة ١١٣٩هـ الموافقة ١٧٢٦م، لأب فقيه ورع متصوف سلك الطريقة القادرية الشاذلية، ونشأ الابن على نهج أبيه حتى صار حجة في الفقه المالكي، وتولى القضاء فترة من الزمن، وتوفي بالحمى الصفراء سنة ١٢٢٤هـ الموافقة ١٨٠٩م، ودفن بجوار مسجده العتيق في الحلفايا [١].
لم يكن الرجل، كما ظن كثيرون ممن غرّهم أسلوبه الدارج، ضعيف الباع في العربية، بل كان – بشهادة مقدمة كتابه المكتوبة بفصحى مبينة لا تشوبها شائبة – واسع الاطلاع على متون التراث الفقهي والتاريخي: مختصر خليل وشروحاته، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومؤلفات عبد الوهاب الشعراني.
وقد صرّح في خطبة كتابه بمنهجه: أنه اقتفى أثر المحدثين والمؤرخين ممن ألفوا في التراجم والمناقب، كعبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور، وجلال الدين السيوطي في حسن المحاضرة، وابن حجر في الدرر الكامنة، وأحمد المقري في نفح الطيب، وأنه اعتمد على الخبر المتواتر دون سواه، وهو مصطلح استعاره من علم الأصول ليمنح روايته الشفوية سنداً منهجياً يقيها الظن والريبة [٢].
وقد شهد له مؤرخون غربيون، منهم ماكمايكل كما نقل عنه قاسم عثمان نور في معجم المؤلفين السودانيين، أنه بعد مقارنة الطبقات بسجلات وأشجار أنساب أخرى، وجده أميناً دقيقاً في تسجيل الحوادث التاريخية، قلّ أن يخطئ فيما يذكر، وكثيراً ما كان يعترف بجهله ببعض التفاصيل ويعتذر عن ذلك صراحة، وهي خصلة نادرة في مؤرخي عصره [٣].
بنية الكتاب ومحتواه، جولة في متن الطبقاتيعرف كثيرون عن كتاب الطبقات كل شيء إلا ما فيه فعلاً، وربما يرجع ذلك إلى دارجته السنارية غير المعهودة.
يعرفون مؤلفه، ناشره، محققه، لغته، وكأن الكتاب صار مشهوراً بالوكالة عمن لم يقرأه، بينما تظل قلة قليلة تعرف من ترجم لهم الرجل وماذا قال عنهم بالضبط.
وفيما يلي محاولة لسد هذه الثغرة بجولة في متن الكتاب نفسه، معتمدة على ما نقلته عنه دراسات محكّمة ونصوصه المتداولة.
الهيكل العام: خطبة، ثم تاريخ موجز، ثم مائتان وسبعون ترجمةينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسية: خطبة استهلالية يشرح فيها المؤلف دوافعه ومنهجه بلغة فصحى مُعَرَبة متقيدة بقواعد الاعرب والنحو، يليها قسم موجز جداً يؤرخ لنشأة مملكة الفونج وأوائل من دخلها من العلماء والمتصوفة، ثم القسم الثالث والأساسي الذي يضم نحو مائتين وسبعين ترجمة، تتفاوت طولاً وقصراً بحسب ما توفر للمؤلف من معلومات عن صاحبها.
وتجمع أغلب هذه التراجم عناصر متكررة: مسقط رأس المترجَم له، ونسبه لأبيه وأمه، والعلوم التي درسها وأسماء أساتذته، والشيوخ الذين أخذ عنهم طريق القوم الصوفي، ثم تلاميذه ومريديه الذين ورثوا عنه العلم أو الطريقة، فالكتب التي اطلع عليها أو ألفها، وأخيراً كراماته وخوارق العادات التي اشتهر بها بين العامة والخاصة [٤].
الموجة الأولى، من علّم السودانيين شرع الطلاق قبل أن تصلهم الطريقة القادريةيفتتح ود ضيف الله تأريخه بلحظة تأسيس مملكة الفونج نفسها: كيف استولى عمارة بن الشيخ عدلان بن الشيخ أونسة (الملقب بدُنقس ودنقش وتعني النجاشي العظيم، وحمل أيضاً لقباََ أكثر شاعرية هو “ملك الشمس والظل” أي ملك الليل والنهار) على أرض النوبة وتغلب عليها في أوائل القرن العاشر الهجري (أوائل السادس عشر الميلادي، 1504 م).
ثم كيف خطّ مدينة سنار، بينما سبقه الشيخ حجازي بن معين بثلاثين عاماً في تخطيط مدينة أربجي وبناء مسجدها وخلوة لتدريس القرآن وعلومه.
ويصف المؤلف الحال الدينية في تلك البدايات بجهل فادح، حتى إن الرجل كان يطلق زوجته ويتزوجها آخر في اليوم نفسه من غير عدة شرعية، إلى أن قَدِم الفقية المصلح محمود العركي من مصر، وعلَّم أهل سنار حكماً فقهيا محدداً هو جوب العدة الشرعية بعد الطلاق.
أما أُصول وجنسية محمود العركي فلم تكن معروفة، وربما كان مالكي المذهب، ولكن من المؤكد انه غير منسوب لطريقة صوفية بعينها في المصادر المتاحة، وسابق زمنياً على عصر التصوف الطُرقي المنظم في السودان.
فأي محاولة لنسبته لطريقة معينة (كالشاذلية أو القادرية) ستكون تخميناً غير مسنود، فالأمانة العلمية تقتضي تركه بلا تصنيف طُرقي بدل اختلاق واحد له.
استقر الشيخ قرب النيل الأبيض في مسكن ظل يُعرف من بعده بـ«قصر محمود» [٥].
وصول الطرق الصوفية إلى السودان، الطريقة الشاذليةالطريقة الصوفية هي منهج روحي منظم يضعه شيخ مرشد لتلاميذه (المريدين) بغرض تهذيب النفس والتقرب إلى الله عبر مجموعة من الأوراد والأذكار والرياضات الروحية، تُنقَل من الشيخ إلى تلميذه بسند متصل (سلسلة) يرتقي غالباً إلى النبي محمد(ص) نفسه عبر شيوخ متعاقبين، واحياناً إلى المولى عز وجل الذي يرسل وحيه جبريل الى النبي ليوصل الرسالة للخلق.
وشرعية الطريقة الصوفية عند أتباعها تبنى على نموزج الإسناد الحديثي.
كمثال للسلسلة نذكر الشيخ عبد الباقي المكاشفي مخاطباً لسانه في مدحته الشهيرة ” الله جّل جلاله” والتي مدحها خضر بشير:وكل طريقة تحمل عادة اسم مؤسسها أو مجددها الأبرز، ولها آدابها الخاصة في الذِكر والسلوك، وإن كانت تشترك جميعا في أصل واحد هو التصوف الإسلامي بمفهومه العام.
من أعرق هذه الطرق الطريقة الشاذلية، التي أسسها أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي، المولود في قرية غمارة قرب سبتة بالمغرب الأقصى سنة ٥٩٣هـ الموافقة ١١٩٧م.
تتلمذ في صباه على يد الشيخ عبد السلام بن مشيش، ثم رحل إلى تونس واعتكف فترة في جبل زغوان، واستقر في قرية “شاذلة” القريبة من تونس فنُسب إليها، قبل أن ينتقل أخيراً إلى الإسكندرية بمصر حيث استقر نهائياً وتكاثر مريدوه.
توفي في شوال سنة ٦٥٦هـ الموافقة ١٢٥٨م بوادي حميثرة في صحراء عيذاب المصرية وهو في طريقه لأداء فريضة الحج، وقبره هناك ما يزال مزاراً معروفاً.
أهم ما يميز طريقته أنها تقوم على “الحب” مدخلاً للسلوك الروحي، لا على المجاهدة القاسية والانقطاع عن الدنيا كما كان شائعاً قبله، أي أنها طريقة تجمع بين العبادة والعمل الدنيوي وخدمة الناس من غير اشتراط الزهد المادي التام.
ومفتاحها الحب في مقابل طريق المجاهدة المعروف قبله، وفي حديث الأعرابى الذي سأل النبى صلى الله عليه وسلم: «متى الساعة؟ » فأجابه صلى الله عليه وسلم: «وما أعددت لها؟ » قال: «ما أعددت لها كثير صوم وصلاة غير أني أحب الله ورسوله» قال صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب».
[6] وبدون مزاح، قارن بين مفتاح طريقته ومفتاح طريقة شيخ اللمين عمر طة القادري-المكاشفي.
لم يترك الشاذلي مؤلفات مطولة بنفسه، بل اشتهر بأوراد شفوية دوّنها عنه تلاميذه لاحقاً، أشهرها على الإطلاق “حزب البحر”، وكان يقرأه للحماية عند ركوب البحر، إضافة إلى “حزب النصر” وأحزاب أخرى، بينما جُمعت حكمه ووصاياه لاحقاً في كتب أشهرها “الحِكَم” لتلميذ تلميذه ابن عطاء الله السكندري.
أما الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، فهو مغربي أيضاً، من قبيلة جزولة الأمازيغية في منطقة السوس جنوب المغرب (ومن هنا نسبته “الجزولي”)، وهو في الوقت نفسه شريف يُنسب إلى آل البيت عبر الخط الإدريسي الشائع بين أشراف المغرب.
لم يؤسس طريقة مستقلة عن الشاذلية، بل جدّد داخلها وأسس فرعاً منها عُرف باسمه: “الطريقة الجزولية”، ومساهمته الكبرى فيها هي تأليفه كتاب “دلائل الخيرات”، أشهر كتب الصلاة على النبي في تاريخ الإسلام على الإطلاق، وما يزال يُتلى ويُحفظ حتى اليوم في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه.
توفي الجزولي نحو سنة ٨٧٠هـ الموافقة ١٤٦٥م في المغرب نفسه، ولم يصل إلى السودان بنفسه إطلاقاً ولا استقر فيه؛ فالصلة بين تجديده الشاذلي والسودان جاءت لاحقاً عبر صهره الشريف حمد أبو دنانة، الذي تزوج ابنته، وقيل حفيدته، وهاجر بتراثها الروحي (ومنه “دلائل الخيرات” نفسه) من المغرب إلى دنقلا ثم إلى سقادي ثم سنار في السودان.
الشريف حمد أبو دنانة، الملقب أيضاً بأبي الحسن، شريف مغربي ينتسب إلى الدوحة النبوية، ويعتبر أول من أدخل تصوفاََ طُرقياََ منظماً بسلسلة وأوراد محددة إلى السودان، بينما سبقه غيره بنشر العلم الشرعي العام من غير إطار طُرقي صوفي مكتمل.
مثال على ذلك الشيخ غلام الله بن عائذ اليمني، الذي وصل إلى دنقلا في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، أي قبل أبي دنانة بزمن.
قدم الشيخ غلام الله بن عائذ الركابي من ميناء اللحية اليمني، واستقر في منطقة دنقلا العجوز ينشر العلوم الدينية، ليعقبه في هذا المسعى أولاد جابر الأربعة الذين مدوا الأثر جنوباً نحو ديار الشايقية [٦].
وال“سلسلة” أو “السند المتصل” في الاصطلاح الصوفي تعني خط الاتصال الروحي المتصل الذي يربط الشيخ الحي بمن أخذ عنه، وذلك الشيخ بمن أخذ هو الآخر عنه، وهكذا صعوداً جيلاً بعد جيل، حتى تصل السلسلة في النهاية إلى مؤسس الطريقة نفسه، ثم من مؤسس الطريقة عادة إلى النبي محمد (ص) مباشرة (غالباً عبر علي بن أبي طالب أو أبي بكر الصديق كحلقة وصل أولى).
وأخذ أبو دنانة الطريقة الشاذلية في المغرب مباشرة عن مجددها الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، الذي كان صهراً له، إذ تزوج ابنة الجزولي نفسها (لم تحفظ المصادر المتاحة اسمها بثبات، إذ تتراوح الروايات بين “خديجة” و”فاطمة الملقبة ب “صالحة”)، وبهذه الصلة انتقل إليه إرث الجزولي الروحي والفكري كاملاً.
هاجر من المغرب إلى السودان، وتختلف المصادر في تحديد قرنه بدقة: فبعضها يؤرخ وصوله بسنة ٨٤٩هـ الموافقة ١٤٤٥م (أي القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي)، بينما يذكر مصدر آخر أنه ظهر في القرن السادس عشر الميلادي، وهذا تفاوت يستحق الإشارة إليه بدل حسمه تعسفاً.
استقر أولاً في دنقلا، موطن أول مسجد أقيم في السودان، ثم واصل مسيرته الدعوية جنوباً حتى منطقة سقادي غرب المحمية الحالية، حيث بنى مسجده الجامع على ربوة عالية تطل على النيل تُدعى “قوز العشرة”، وهو بحسب تقدير الدكتور عبد الله الطيب ثاني مسجد جامع أقيم في السودان بعد مسجد دنقلا.
من هناك انطلق أبو دنانة يعلّم القبائل النوبية المذهب المالكي والطريقة الشاذلية معاً، حتى صار، بحسب بعض الروايات، المرشد الروحي غير المعلن للتحول التاريخي الذي قاده لاحقاً عبد الله جماع (الذي تربطه به صلة مصاهرة أيضاً في بعض الروايات)، والذي أطاح بآخر معاقل مملكة علوة المسيحية ومهّد لقيام سلطنة سنار الإسلامية.
وبفضل الشيخ أبو دنانة تعرّف السودانيون لأول مرة على أمهات كتب الطريقة الشاذلية: “دلائل الخيرات” للجزولي، و”مناجاة” ابن عطاء الله السكندري، و”لطائف مناقب أبي العباس المرسي”، و”الوظيفة”، و”حزب البحر” لأبي الحسن الشاذلي نفسه.
أما مساهمته الأبعد أثراً فهي عبر بناته السبع، اللواتي تزوجن جميعاً من رجالات سودانيين بارزين، فأنجبن أولياء صالحين صاروا لاحقاً من كبار أعلام الطبقات.
بحسب رواية كتاب الطبقات، أنجبت بنات حمد أبو دنانة السبع أحفاداً صاروا من كبار رجالات السودان الديني والسياسي: الشيخ إدريس ود الأرباب (وهو غير الشيخ أحمد بن علي، مؤسس مدينة الخرطوم، والملقب بأرباب العقائد وأرباب العليلفون وأرباب سنار)، والشيخ عجيب المانجلك شيخ الـعبداللاب، والشيخ محمد بن عيسى “سوار الدهب”، وعمر بن بلال جد العمراب من بنته وديدة، وغيرهم — أي أن شبكة كبيرة من أعلام الطبقات ترجع بالنسب إلى هذا المهاجر المغربي الواحد.
الطريقة القادرية أسسها الشيخ عبد القادر الجيلاني (٤٧٠-٥٦١هـ/١٠٧٧-١١٦٦م)، وهناك خلاف حول محل ولادته تحديداً بين جيلان الإيرانية على بحر قزوين وقرية عراقية تحمل الاسم نفسه قرب المدائن جنوب بغداد [٢٥].
قدم إلى بغداد شاباً سنة ٤٨٨هـ ليطلب العلم، وتفقه على المذهب الحنبلي (وأفتى أيضاً على الشافعي، كمؤهل مزدوج)، حتى صار من أبرز فقهاء بغداد وأقطاب التصوف فيها، ولُقّب بـ” سلطان الأولياء” و” محيي الدين” و” قطب بغداد”.
توفي سنة ٥٦١هـ ودُفن في مدرسته ببغداد (مدرسة باب الأزج، المعروفة لاحقاً بمنطقة باب الشيخ)، وصار ضريحه المعروف بـ” الحضرة القادرية” من أعرق المزارات الإسلامية حتى اليوم [٢٥][٢٦].
تُعد القادرية أوسع الطرق الصوفية انتشاراً جغرافياً على الإطلاق في تاريخ الإسلام: امتدت من العراق وبلاد الشام (سوريا والأردن وفلسطين) عبر شمال أفريقيا (مصر والمغرب والجزائر وتونس وليبيا) وشرقها (السودان وإثيوبيا والصومال) وغربها (مالي وغانا وغينيا ونيجيريا وتشاد والكاميرون وسيراليون)، وصولاً إلى إيران وأفغانستان وتركيا وباكستان والهند وإندونيسيا وماليزيا وبورما وتايلاند، بل والصين [٢٧][٢٨].
ويُرجَّح أن سرّ هذا الانتشار الاستثنائي هو تأصيلها الفقهي السني الصارم — فالجيلاني نفسه كان فقيهاً حنبلياً مُعتَمداً لا مجرد صوفي متأمل — ما جعلها مقبولة في بيئات إسلامية شديدة التنوع لم تكن لتقبل بسهولة طرقاً أقل التزاماً بظاهر الشريعة [٢٨]، وهذا بالضبط ما يميزها عن طرق أخرى أكثر تركيزاً على منطقة جغرافية أو مذهب فقهي واحد.
أما الموسيقى والطبول، فهي في صميم طقس “الحضرة” (مجلس الذكر الجماعي) عملياً، وإن تفاوت حضورها بين فرع وآخر: بعض الفروع المحافظة تكتفي بالدف حصراً أو تقلل استخدامه، بينما تحتفي فروع أخرى، وخصوصاً في أفريقيا، بإيقاعات أكثر ثراءً [٢٩].
وفي السودان تحديداً تحتل الطبول الكبيرة المسماة “النوبة” (تُصنع من برميل حديدي مكسو بجلد الماعز) موقعاً مركزياً في الحضرات القادرية الشهيرة، وأبرزها حضرة الشيخ حمد النيل بأم درمان، التي بدأها الشيخ عبد الله سعيد القادري قبل أكثر من ثمانين عاماً على “إيقاع النوبة الخماسي” الشهير، وتجتذب اليوم آلاف المريدين والسياح كل جمعة [٣٠].
كما يُستخدم “الطار” (طبل أحادي الوجه) عند القبائل النوبية بمصاحبة رجال الطرق الصوفية [٣١].
فالإيقاع هنا ليس زخرفة هامشية، بل جزء بنيوي من آلية الوصول إلى “حضور القلب مع الله” التي سُميت الحضرة باسمها.
أبرز فروعها ومجدديها في السودان، الطريقة العركيةالشيخ عبد الله العركي، ١٥١٧-١٦١٠م ولد في ابيضّ ديري قرب الجيلي، على وادي أبيض في أرض قبيلة الجميعاب.
تعتبر أبيضّ ديري محطة إنتقالية في مسيرة أسرة العركيين من بارا بكردفان لا محل إقامة دائم فقد استقر فيها الشيخ دفع الله بن السيد مقبل والد عبد الله العركي نفسه لعام واحد فقط في مطلع عهد السلطنة الزرقاء، نحو سنة 1521 وأسس بها مسيده ومسجده.
ودفع الله عركي من ناحية الأم، ولكن أبيه الشيخ مقبل من الحجاز.
تزوج دفع الله هناك من هدية بنت عاطف الجميعابي زعيم قبيلة الجميعاب، فرع الجعليين، فأنجبت له أبنائه الخمسة المعروفين بالخمسة العدول.
ثم غادرت الأسرة أبيض ديري بعد ذلك العام باتجاه الهلالية ثم انتقل الأبناء جنوب بعد وفاة والدهم إلى أبي حراز التي أصبحت مقر هم الدائم ومهد الطريقة العركية القادرية فيما بعد.
أما أصل العركيين فمتنازع عليه فقيل أصلهم من جهينة وهم يقولون عن أنفسهم إنهم عدنانيون، وقيل من أصل مصري مملوكي إستقر في منطقة بارا بكردفان.
طلب الشيخ عبد الله العركي العلم وأخذ الطريقة القادرية في دار الشايقية، حيث درس على الشيخ عبد الرحمن بن جابر)، أي في مرحلة نضجه العلمي، قبل وفاته سنة ١٦١٠م وهو في التسعينات من عمره تقريباً (وُلد ١٥١٧م).
وأخذ الطريق الصوفي عن شيخه حبيب الله العجمي تحديداً — وهذا شيخ مختلف عن شيخ العلم العام (ابن جابر)، أي أن له معلماً للفقه واللغة، ومعلماً آخر منفصلاً للسلوك الصوفي.
ويتصل سند حبيب الله العجمي هذا بسلسلة علماء صاعدة حتى عبد القادر الجيلاني نفسه، مؤسس الطريقة القادرية الأم.
كيف جدد ليصبح له فرعه الخاص: أسس ما عُرف بـ” الطريقة القادرية العركية”، وحوّلها إلى مدرسة تربوية ذات طابع محدد: تُعلي تحديداً من شأن التوحيد (العقيدة) والذكر (الممارسة الروحية)، أي مزجاً بين التأصيل العقدي النظري والسلوك الصوفي العملي معاً في منهج تعليمي واحد متكامل، لا مجرد تلقين ورد وأذكار بمعزل عن التأسيس العقدي.
والطريقة العركية هي الفرع الأكبر والأشهر الذي ينحدر منه مؤلف الطبقات نفسه.
ولكنّ القادرية لها فروع أخرى منها الكباشية (الشيخ إبراهيم الكباشي، ت ١٨٧٠)؛ البادرابية (الشيخ عبيد ود بدر، ت ١٨٨٤)؛ المكاشفية (الشيخ عبد الباقي المكاشفي)؛ النيلية (الشيخ عبد الباقي النيل)؛ الطهاوية/البطحانية (الشيخ طه البطحاني)؛ ومدرسة عبد الله ود العجوز؛ ومدرسة عوض الجيد؛ ومدرسة الشيخ إدريس ود الأرباب بالعيلفون، ذات السند المستقل عن سلسلة العركية (عبر شيخه عبد الكافي المغربي)؛ ومدرسة الشيخ أحمد الجعلي (سند شيخه عبد الرحمن الخرساني) [٣٣].
الموجة الثانية، تاج الدين البهاري والقادرية التي تفرّعت إلى قبائلالمنعطف الأكبر في تاريخ التصوف السوداني، كما يرويه الكتاب، هو قدوم الشيخ تاج الدين البهاري البغدادي إلى سلطنة سنار سنة ١٥٧٧م حاملاً الطريقة القادرية [٣١].
وقد أعطى الطريق لعدد من كبار مريديه الذين صاروا أجداداً روحيين لبطون قبلية بأكملها: محمد الهميم بن عبد الصادق جد الصادقاب، وبان النقا الضرير جد اليعقوباب، وعجيب المانجلك شيخ العبداللاب، وتاج الدين ولد التويم جد الشكرية، وحجازي بن معين باني مدينة أربجي ومسجدها [٣٢].
ومن أعجب ما يورده الكتاب عن هذه الحقبة أن بعض الأولياء لم يأخذوا الطريقة عن شيخ من لحم ودم، بل سلكوها كما يقول المؤلف «بالخطوة»، أي بمدد مباشر من الرسول صلى الله عليه وسلم من غير واسطة بشرية، وهذا ما نُسب للشيخ حسن ود حسونة، الذي آثر مع ذلك ألا يتولى بنفسه تلقين الطريقة لأحد، تاركاً هذه المهمة لإخوته وأبنائهم من بعده.
أما الشيخ إدريس ود الأرباب، صاحب مركز العيلفون، فتصفه دراسات تاريخ التصوف السوداني بأنه أول من أوقد نار الطريقة القادرية في السودان [٣٣].
المدد وأخذ الطريقة بالخطوة عند الصوفيةفي اللغة الصوفية، “المدد” هو العون الروحي غير المرئي الذي يفيض من مصدر روحي أعلى (الله مباشرة، أو النبي، أو وليّ من الأولياء الأحياء أو الأموات) إلى السالك أو المريد، فيُقوّي قلبه، ويفتح له أبواب الفهم والكشف، أو يعينه في أمر من أمور حياته الدينية أو الدنيوية.
وهو ليس تعليماً بالكلام أو الدرس، بل فيضاً باطنياً غير محسوس يشعر به المتلقي في قلبه من غير واسطة لفظية بالضرورة.
هذا المصطلح هو مفتاح فهم عبارة “أخذ الطريقة بمدد مباشر” ومن أبرز من أخذوا المدد هكذا الشيخ حسن ود حسونة والشيخ ادريس ود الأرباب.
فحين نقول إن الشيخ إدريس ود الأرباب أخذ القادرية “بمدد من الرسول من غير واسطة بشرية”، نعني بالضبط أنه تلقى هذا العون الروحي مباشرة من النبي نفسه، لا عبر سلسلة الشيوخ المعتادة (السند) التي شرحناها في أول المقال.
وهذا يوضح الفارق الدقيق بين المفهومين.
والشيخ إدريس هذا من أكثر شخصيات الكتاب حضوراً وتعقيداً.
يروي عنه المؤلف مواقف تنم عن زهد سياسي لافت: فحين عرض عليه الملك بادي أبو رباط أن يقاسمه نصف أراضي مملكته امتناناً لمكانته، رفض الشيخ العرض قائلاً إن هذه الأرض أرض النوبة الأصليين وقد غُصبت منهم، مستشهداً بحديث نبوي عن عقوبة سارق الأرض، مكتفياً بأن يُمنح حق «الحَجِز» أي حق التوسط والشفاعة في كل أمر.
وتُروى له نبوءات عدة تحقق مضمونها بحسب الكتاب: منها إخباره بغزو سرايا الفور لدار الغرب حتى الترعة الخضراء، ومنها نصيحته لشيخ العبداللاب عجيب بعدم قتال الفونج وتحذيره من أن قتالهم سيقتله ويسلّم ذريته للفونج، فكان الأمر كما أنبأ [٣٤].
وللكتاب شاهد آخر على أن هذه الطبقة من الأولياء لم تكن بمعزل عن اقتصاد الرق السائد آنذاك، وإن بصورة ملتبسة: فحين أراد رجل من أربجي أن يسدد جزءاََ من ديناً عليه بعشرة رؤوس من الرقيق لصالح مريد للشيخ إدريس، وكانوا مختلفين على مقدار إجمالي المبلغ، أهدى المريد العشر عبيد لشيخه ود الأرباب.
فماكان من الشيخ إلأ أن وجّه هذا العدد من العبيد ليكون وقفاً على خدمة الضيوف النازلين عليه لا ملكاً خاصاً لنفسه، وهو تفصيل صغير لكنه يكشف شيئاً من موقف بعض الأولياء الأخلاقي من الرق بوصفه مورداً اقتصادياً لا غاية [٣٤].
ما لم يذكره الكتاب، الطرق التي وصلت بعد رحيل المؤلفبما أن المؤلف أنجز كتابه في أواخر عهد مملكة الفونج، ويُرجَّح أن ذلك كان نحو سنة ١٧٥٣م، وتوفي سنة ١٨٠٩م، فإن طرقاً صوفية لاحقة صارت اليوم من أعرض الطرق السودانية انتشاراً لا تجد لها ذكراً يُعتد به في صفحاته: فالطريقة السمانية التي أدخلها الشيخ أحمد الطيب البشير المتوفى سنة ١٨٢٣، والطريقة الختمية التي أسسها السيد محمد عثمان الميرغني سنة ١٨١٨، والطريقة التجانية التي أدخلها الشيخ محمد الشنقيطي سنة ١٨٤٧، جميعها وصلت السودان بعد رحيل ابن ضيف الله بعقود [٧].
وفي هذا مفارقة تستحق التوقف: فالطريقة السمانية بالذات، التي أنجبت لاحقاً حركة المهدية التي “أضاعت” أصل مخطوطة الطبقات نفسها، غائبة تماماً عن كتاب لم يكن مؤلفه يعلم أن تلميذاً روحياً لتلك الطريقة الوليدة سيصبح، بعد أقل من قرن، سبباً في “ضياع أصل سفره”.
وحتى داخل الطريقة القادرية نفسها، توالدت بعد سقوط سلطنة الفونج على يد الأتراك سنة ١٨٢١ فروع جديدة لم يشهدها المؤلف: فرع الكباشي الذي أسسه الشيخ إبراهيم الكباشي المتوفى ١٨٧٠، وفرع البادراب الذي أسسه الشيخ عبيد ود بدر المتوفى ١٨٨٤.
أما فرع العركيين، الذي ينحدر منه المؤلف نفسه عبر الشيخ عبد الله العركي الذي أخذ الطريقة مباشرة عن خليفة تاج الدين البهاري ببغداد، فهو الأوفر حظاً من صفحات الكتاب، وهذا أمر مفهوم بداهة، إذ لا يُنتظر من مؤرخ أن يكون محايداً تماماً تجاه سلالته الروحية [٧].
عالم الكرامات: طيران، وأسود، وشمس تعكس مسارهالا يكتمل الحديث عن مضمون الطبقات من غير التوقف عند بابه الأكثر إثارة للجدل، والأكثر تسلية بصراحة: خوارق العادات.
فحين طلب مريدو الشيخ القدال ود إبراهيم عبودي أن يروه يطير في الهواء، طار بعنقريبه (سريره) أمام أعينهم، في أول رحلة جوية موثقة في السودان لم تحتاج تأشيرة ولا تذكرة.
وعن الشيخ المسلمي الصغير يذكر المؤلف أنه كان «ينظر من الفرش إلى العرش»، في وصف مجازي لمقام كشف روحي رفيع.
وعن ابن الشيخ بان النقا، عبد الرازق الأغر المحجل، يروى أنه وهو رضيع لم يكن يرضع في نهار رمضان، بل ليلاً فقط، وكأنه ولد صائماً قبل أن يبلغ سن التكليف بسنوات طوال، وأنه بعد وفاته كان يجيب من ناداه من قبره [١١].
وتحضر في الكتاب أيضاً كرامات ذات طابع أقرب إلى الأساطير المحلية: فقد رُوي أن الشيخ الدقلاشي، حين اشتكى إليه الملك من تمساح التهم حصانه، ركب فرسه وغطس به في النهر فخرجت معه جميع تماسيح ذلك الموضع أمواتاً، في عملية تطهير نهري مباغتة وناجحة ما كانت لتحتاج اليوم أكثر من هاتف جوال وشكوى على مواقع التواصل؛ وأن ركاباً في سفينة أشرفت على الغرق في البحر استغاثوا بالشيخ محمد بن الزين فهبط إليهم طائراً بعصاه فسلمت السفينة؛ وأن جنازة أحد الأولياء تعذر نقلها لجهة الشرق قبل غروب الشمس بسبب ازدحام النهر، فرجعت الشمس إلى مكان شروقها حتى تم الدفن، في مرونة كونية نادراً ما تُمنح لغير أصحاب المقامات العالية.
وهذه النماذج، على غرابتها، هي جزء أصيل من نسيج الكتاب، ولا يصح إسقاطها من أي تلخيص أمين لمحتواه [٩].
ولم يخل الكتاب من قصص أكثر دراماتيكية سياسياً: فالشيخ حمد النحلان المعروف بود الترابي أرسل تلميذه ميرف إلى سنار ليعلن أنه المهدي المنتظر، فأمر الملك بادي أبو دقن بقتله، وقد فُسرت المحن التي تلت ذلك من جفاف وسيول بوصفها علامة غضب إلهي على مقتله.
وقد كان المؤلف حريصاً، بحسب الدكتور يوسف فضل، على أن يصدّر الروايات التي لا يطمئن إليها بعبارة «قيل»، تمييزاً لها عن الخبر المتواتر، اي من عدة مصادر مستقلة بلغة علم الحديث، الذي التزم به في سائر الكتاب [٥].
قضايا فقهية واجتماعية: التمباك، وزواج الأختين، والرقيسجل الكتاب مناظرة فقهية طريفة بين الشيخ إدريس ود الأرباب والشيخ الأجهوري المصري حول حكم التمباك (التبغ)، إذ حرّمه الأول وأباحه الثاني، في نموذج مبكر لجدل ديني حول مستجدات لم يرد فيها نصٌ صريح، وذلك في مناظرة عابرة للحدود [٢].
فقد أرسل الشيخ إدريس تلميذه وحواره “حمد ولد عقرب” بنفسه إلى مصر ليحمل رسالته إلى الأجهوري ويناظره نيابة عنه.
ويصف ود ضيف الله بلغته الدارجة الطريفة استقبال الحوار في مصر: “فلما دخل مصر قالوا له: الشيخ ما بتلقاه من التدريس والسناجك والبواشي والخوجات إلّا يوم الجمعة عند دخوله للجامع” — أي أن الأجهوري كان عالِماً مشغولاً بالتدريس ومخالطة كبار رجال الدولة العثمانية (السناجق والباشوات).
وكلمة سنجق في الأصل العثماني تعني رتبة عسكرية-إدارية رفيعة تمنح صاحبها سلطة وهيبة ومكانة ثم إنتقلت إلى صفة مدح لصاحب الكرم والسخاء، وبالذات عند الشايقية، بالمعنى السوداني الدارج— وهو انتقال منطقي مفهوم فالرجل صاحب المكانة والسلطة والثروة في المخيلة الشعبية غالباً ما يُتوقع منه أيضاً أن يكون كريماً سخيا فالسلطة والثروة تُمكّنانه من ذلك.
كما يسجل قضية فقهية أخطر، وهي مخالفة الشيخ الهميم بن عبد الصادق للشريعة بجمعه بين أختين في عصمته في وقت واحد، وهو ما دفع القاضي المعروف بدشين إلى فسخ نكاحه، فدعا عليه الشيخ الهميم بقوله «الله يفسخ جلدك»، فمرض القاضي مرضاً شديداً تفسّخ فيه جلده بحسب الرواية، في مثال على كيف كان الكتاب يوازن أحياناً بين تسجيل المخالفة الشرعية والانحياز الضمني لكرامة صاحبها [١١].
القاضي دشين (ولد الدشين)، الملقب بـ” قاضي العدالة”، شخصية قضائية بارزة في عصر تأسيس السلطنة الزرقاء.
قدم سائحاً من شبه الجزيرة العربية عبر مصر ووادي حلفا، واستقر في أربجي، وكان على المذهب الشافعي.
عينه الشيخ عجيب المانجلك (شيخ العبداللاب) بأمر الملك دُكين قاضياً من بين القضاة الذين تولوا تطبيق الشريعة في المملكة الوليدة.
واستحق لقبه الشهير “قاضي العدالة” تحديداً بفضل موقفه الحازم في قضية الشيخ محمد الهميم الذي كان يجمع بين الأختين ويزيد على أربع زوجات مخالفاً الشرع صراحة، فأبطل دشين تلك الأنكحة الباطلة رغم مكانة الهميم الروحية، فمدحه الشاعر فرح ود تكتوك بقوله: “دشين قاضي العدالة، الما بميل للضلالة”.
وهذا الموقف نفسه، كما ذكرنا سابقاً، كلّفه حياته: إذ دعا عليه الهميم بقوله “الله يفسخ جلدك”، فمرض دشين مرضاً شديداً تفسخ فيه جلده حتى توفي، في مفارقة مأساوية بين عدله القضائي ونهايته الأليمة.
ومن الطريف أن اسمه ظل حاضراً حتى بعد وفاته في حكاية أخرى: حين احتاج الشيخ إدريس ود الأرباب والشيخ الأجهوري لترجيح الخلاف حول حِلّ التنباك، اتفقا على الاحتكام إلى دشين نفسه رغم موته، فسأله أحد الأولياء (يُروى أنه دفع الله المصوّبن) في قبره، فأجاب من عالم البرزخ: “التنباك حرام، كلّم الشيخ يسأل لي المغفرة بسبب شربي له” — وهي حكاية مشهورة يعلّق عليها ود ضيف الله نفسه بحذر منهجي: “سؤال الميت لا يترتب عليه حكم شرعي، وإنما هو من باب كرامات الأولياء”.
وللقاضي دشين امتداد نَسبي مهم يستحق الذكر: فهو جد الشيخ محمد مدني ود السني، مؤسس مدينة ود مدني، إحدى أقدم مدن السودان الأربع، إذ سُميت المدينة نسبة إلى حفيده هذا، ولا يزال حي “الدشيناب” فيها يحمل اسم سلالته حتى اليوم.
أما عن الرق، فالكتاب مرجع لا غنى عنه رغم اقتضابه: فقد أورد أن الشيخ حسن ود حسونة كان يملك خمسمائة عبد ومائة وعشرين أمة، وأن الشيخ إدريس ود الأرباب كان يستقبل هدايا من الرقيق من مريديه، بل نقل عبارة نادرة تصف أحد الأرقاء بـ«عبد كازقيل» نسبة إلى موضع في كردفان يقطنه عبيد بلا سادة، وهم في نظر أقرانهم من الأرقاء أنفسهم أحط درجة اجتماعية، في شهادة على تراتبية داخلية بين الأرقاء لم تحظ بعد بما تستحقه من دراسة مستقلة [١٢].
الملوك والشعراء بين سطور التراجملم يكتب ود ضيف الله تاريخاً سياسياً مقصوداً لملوك الفونج، لكن أسماءهم تتسرب باستمرار بين ثنايا التراجم بوصفهم خلفية لأحداث الأولياء: عمارة دنقس المؤسس، وبادي أبو رباط الذي عرض على الشيخ إدريس نصف أرضه ورفض هذا قبولها لأنها أخذت من مسيحي مملكة سوبا إغتصابا، وبادي أبو دقن (وقيل ابنه بادي الأحمر) الذي أعدم تلميذ الشيخ حمد النحلان بتهمة ادعاء المهدية وحكم سبعاً وعشرين سنة حتى وفاته سنة ١١٢٧هـ الموافقة ١٧١٥م [٥].
والقصة حسب رواية ود ضيف الله ذاتها (ومخطوطة كاتب الشونة الموازية لها)، كان الشيخ حمد في مكة المكرمة، فأرسل من هناك تلميذه ميرف إلى سنار حاملاً رسالة محددة: أن يعلن على الملأ “المهدي نزل” — أي: أن معلّمه (الشيخ حمد) هو المهدي المنتظر.
فميرف كان مجرد رسول ومُبلّغ لادعاء أستاذه، لا مُدَّعياً لنفسه.
ولذلك حين قبض عليه الملك وقتله، بقي الشيخ حمد نفسه آمناً بعيداً في المشرق، وقد رُوي أنه رثى مقتل تلميذه من هناك بقوله (كما ورد في مخطوطة كاتب الشونة): “أنا أخو بادي أبا آيا، تارك يا ميرف ولدي” —والمعنى هنا، أنا في مقام الملك بادي نفسه، بل أتفوق عليه بأدلة دعوتي [المهدوية]، وثأرك يا ميرف واقع على عاتقي، سأنتقم لك.
وهناك رواية أخرى (نقلها الباحث الشاطر البصيلي) تزيد التفصيل وضوحاً: أن الشيخ حمد نادى بنفسه “المهدي المنتظر” وهو في مكة نفسها فعلاً، فضربه الحجاج هناك وحبسوا من معه، ثم أرسل تلميذه ميرف إلى سنار ليكرر الدعوى نفسها هناك، فقُتل ميرف.
فالمصدرين متفقان تماماً على النقطة الجوهرية، وهي إدعاء المهدية.
الشيخ حمد النحلان ود الترابيحمد النحلان بدأ فقيهاً، هاجر إلى منطقة “مويس”، جنوب شندي وشرق المتمة وهي منطقة دار خلاوي قديمة، ودرس “مختصر خليل” على يد الفقيه محمد ود التنقار، ثم تحول إلى التصوف بعد أن شهد بأم عينه كرامة أخيه محمد الترابي الملقب ب “ننّة” (قَذفَ بعصاه عبر النهر ثم استعادها بيده).
وكان الأخ محمد قد سبقه في التصوف بمراحل.
أي أن التحول إلى القادرية العركية جاء متأخراً في حياته، بعد مرحلة فقهية سابقة، لا منذ نشأته.
لقب حمد النحلان لأنه عاش بالكفاف حتى هزل جسده.
أما هل جاء هذا التحول للصوفية العركية القادرية قبل أم بعد تأسيسه لقرية ود الترابي تحديداً؟ لا يوجد في المصادر المتاحة تسلسل زمني صريح، لكن الأقرب منطقياً أنه أسس القرية بعد تحوله الصوفي، بوصفها مركزاً لنشر طريقته الجديدة لا مجرد مستوطنة فقهية عادية.
وهذا استنتاج مرجَّح.
والشيخان (حمد وننّة) كانا من مريدي الشيخ دفع الله بن أبي إدريس المصوّبن، في ابو حراز بالجزيرة — وهو، خليفة الشيخ عبد الله العركي نفسه، مؤسس فرع “العركية” داخل الطريقة القادرية.
أي أن حمد النحلان وأخاه ننّة لم يؤسسا طريقة مستقلة بذاتها ولم تُنسب إليهما تسمية طريقة خاصة بهما في أي من المصادر، بل كانا حلقة داخل السلسلة القادرية العركية نفسها عبر شيخهما دفع الله المصوّبن في ابو حرازوالملاحظة الجميلة هنا أن الأخوين كليهما، رغم أنهما من أعلام السودان الصوفي المؤسسين، لا يُعرفان تقريباً بأسميهما الحقيقيين (حمد ومحمد) في الذاكرة الشعبية، بل بلقبين وصفيين محضين مستمدين من سلوكهما الجسدي أثناء الذكر والزهد: “ننّة” من صوت الأنين في حلقة الذكر، و” النحلان” من هزال الجسد بسبب التقشف — وهذا نمط تكرر معنا مراراً في هذه الدراسة (كما رأينا مع “دنقس” و” حجازي” و” المصوبن”)، حيث تطغى الكنية الوصفية الشعبية على الاسم الحقيقي حتى تحل محله كلياً في التاريخ المكتوب.
الشيخ دفع الله أبو إدريس المصوبنكان مقره الثابت طوال فترة تدريسه (نحو سبعين عاماً) هو أبو حراز بالجزيرة، وكان معروفاً بأنه “لم يدخل سنار ولم يقف على أبواب الملوك”، بل كان الملوك أنفسهم من يقصدونه هناك (كما فعل الملك بادي حين احتاج إليه فزاره “في مكانه بأبي حراز”)، وكان تلاميذه يفدون إليه من كل بقاع السودان بالآلاف ليتلقوا العلم والإرشاد في مقره الثابت هذا.
والأهم: وجدت مصدراً يذكر صراحة “الشيخ حمد الترابي والشيخ ننّة” ضمن قائمة تلاميذ دفع الله المصوّبن المشهورين بالاسم، إلى جانب شخصيات أخرى عظيمة كالشيخ إدريس ود الأرباب والشيخ حسن ود حسونة (الذي زاره أيضاً في أبي حراز تحديداً بحسب المصدر نفسه).
بما أن الشيخ دفع الله لم يكن يبارح أبا حراز طوال السبعين عاماً، وبما أن جميع تلاميذه المذكورين بالاسم (بمن فيهم حمد النحلان نفسه) إنما وردوا عليه هناك، فإن الأرجح بقوة أن حمد النحلان تلقى الطريقة في أبي حراز نفسها، رغم أن نص الطبقات الأصلي لم يذكر ذلك.
ولا تسألني لماذا لُقّب الفقيه الشيخ دفع الله بالمصوبن أو ماذا تعنى كلمة المصوبن! 😟 أما لماذا لقب محمد الترابي شقيق النحلان بلقب “ننّة” فلها حكاية طريفة: كان محمد ود الترابي أحد “رجال الضحوة” (حلقة ذكر) عند الشيخ دفع الله بن أبي إدريس المصوّبن، وحين سقط أغلب الحاضرين في الحلقة من شدة الذكر، ظل هو صامداً يصدر صوت أنين (وهو عند الصوفية قمة التجلي في الذكر)، فسأل عنه الشيخ دفع الله، فقيل له “هو ذاك الذي يئن”، فصار لقبه “ننّة”.
أما الشعراء فحضورهم أخف، أشهرهم إسماعيل صاحب الربابة الذي حفظ له الكتاب أبياتاً في الغزل بالرقص السوداني القديم، منها قوله يصف راقصة: «تعجبك في الرقيص حين ما تهردو»، أي حين تتقنه إتقاناً يكاد يبلغ حد الانصهار فيه [١٣].
منهج المؤلف، الراوي الأمين لا الناقد المحلليحسن التذكير، ختاماً لهذه الجولة، بأن ود ضيف الله لم يكن مؤرخاً بالمفهوم النقدي الحديث الذي يُخضع مادته للتمحيص والتحليل، بل كان كما وصفه محققه يوسف فضل في مقدمة الطبعة الثانية مرآة صادقة لحياة السودانيين الدينية والروحية والثقافية والاجتماعية، وسجلاً صادقاً لمعتقداتهم الدينية في ذلك العصر أياً كان رأي القارئ فيها.
فهو سجّل ما تواتر واشتهر من الأخبار من غير أن يُخضعها لنقد أو تعليق، ووقف من أغلبها موقف الراوي الأمين لا القاضي الفاصل [١٤].
والتواتر هو نقل خبرٍ واحد عبر عدد كبير من الرواة المستقلين في كل جيل، يستحيل عادةً تواطؤهم جميعاً على الكذب، فيصير الخبر يقينياً لا مجرد راجح.
لكن هذا لا يمنع خطأ المعلومة نفسها أحياناً رغم التكرار.
وهذا بالضبط ما يمنح الكتاب قيمته الإثنوغرافية: فهو ليس تاريخاً بمعناه الصارم بقدر ما هو مرآة لِما آمن به السودانيون عن أنفسهم في تلك القرون الثلاثة، وهذا فارق يجدر بكل قارئ له أن يستحضره قبل أن يُصدر حكمه على وقائعه.
جغرافيا الأولياء، خريطة تصوف من حلفايا الملوك إلى دار الأبوابلم يكن انتشار العلم والتصوف في ديار الفونج حركة مركزية تصدر من سنار وحدها، بل كان أقرب إلى موجات متتابعة من الوافدين تتوزع على جغرافيا السلطنة كلها، وهذا ما يسجله الكتاب بدقة تكاد تكون جغرافية إدارية لا مجرد سرد ديني، وكأن كل ولي كان يحمل في جرابه، إلى جانب سجادة الصلاة، حصة إقليمية من مشروع نشر الدين لم يتفق عليها أحد لكنها نجحت مع ذلك.
ففي عهد الشيخ عجيب المانجلك، ابن عبّد الله جماع وشيخ العبداللاب، الذي امتدت دولته إحدى وأربعين سنة حتى وفاته سنة ١٠١٩هـ، تتالت وفود العلماء على أكثر من إقليم في وقت واحد: الشيخ محمد بن قرم قدم دار بربر وأدخل فيها مذهب الإمام الشافعي الذي انتشر من بعده في الجزيرة، وجماعة من «المشايخة» قدمت وأسست مدينة الحلفاية، وحمد ولد زروق حط رحاله في الصبابي، والشيخ محمد المصري استقر أيضاً في دار بربر يدرّس علم التوحيد والنحو والرسالة، فانتشر علمه هو الآخر في الجزيرة [١٠].
وكما ذكرنا عن الألقاب في سلطنة سنار، فالمانجلك لقب ملكي مركب من عبارة “ما نجل إلأ إياك”، اختصرت شعبياََ بمرور الزمن إلى كلمة واحدة هي “مانجا” ثم “مانجلك” فتوارثها أبناء عجيب من بعده وصارت اسم العائلة.
وبعد وفاة الشيخ عجيب بقليل، سجل الكتاب موجة هجرة أخرى في عهد الملك بادي أبو رباط: الشيخ صغيرون والشيخ عبد الرحمن بن حمدتو قدما من دار الشايقية إلى منطقة دار الأبواب المسيحية، بين الشلالين الرابع والخامس.
وكانت تحديداً أرضاً نوبية مسيحية سابقة استُوعبت لتوها ضمن السلطنة الإسلامية الوليدة، لا منطقة إسلامية راسخة القدم.
فهجرة هؤلاء المشايخ إليها في عهد الملك بادي أبو رباط لم تكن مجرد انتقال جغرافي عادي، بل كانت موجة نشر إسلامي فعلية إلى أرض حديثة العهد بالإسلام، خرجت لتوها من عباءة مملكة مسيحية عمرها قرون — وهذا يضيف بعداً تاريخياً أعمق لما وصفناه سابقاً بأنه مجرد “خريطة دينية” لسلطنة الفونج.
بينما قَدِم الشيخ عبد الرازق أبو قرون من دار الصعيد المصري إلى الإقليم نفسه.
وهكذا يرسم الكتاب، من غير أن يقصد ذلك بالضرورة، خريطة دينية متكاملة لسلطنة الفونج: من دنقلا العجوز شمالاً، مروراً ببربر وشندي والحلفايا والصبابي ودار الأبواب، وصولاً إلى الجزيرة بمراكزها المتعددة كأبي حراز والعيلفون ورفاعة، وانتهاءً بسنار العاصمة وأطراف كردفان غرباً [١٠].
وهذه الخريطة، على تشتتها الظاهري، تكشف نمطاً واضحاً: كل إقليم كبير كان يستقبل وافديه الخاصين من العلم والتصوف بمعزل عن غيره في الغالب، قبل أن تتشابك هذه الشبكات المحلية لاحقاً عبر المصاهرة وتبادل التلمذة إلى النسيج الديني الموحد الذي عرفته مدن السودان النيلية في القرون التالية.
ولعل المؤرخ المعاصر يحسد أولئك المشايخ على بساطة توزيع الأدوار فيما بينهم؛ فلم يكن هناك اجتماع تنسيقي ولا خطاب رسمي يوزع الأقاليم، بل مجرد قدر إلهي، وشيء من حسن التوقيت، كفيلان وحدهما بتغطية سلطنة بأكملها.
الكتاب، بحكم موضوعه وزمانه، سجل رجالي بامتياز: تراجمه المائتان والسبعون كلها تقريباً لشيوخ وفقهاء وقضاة وشعراء من الرجال، وكأن التقوى في تلك القرون كانت حكراً على نصف الجنس البشري وحده.
ومع ذلك تتسرب النساء إلى صفحاته بوصفهن حاضرات في خلفية الأحداث لا محور لها: فكل ترجمة تقريباً تفتتح بذكر نسب صاحبها لأبيه ثم لأمه، بما يحفظ من غير قصد أسماء عشرات النساء اللواتي كن سيطويهن النسيان تماماً لولا هذه الصيغة الشكلية المتكررة، في نوع من الإنصاف العرَضي لم يقصده المؤلف لكنه أفاد منه التاريخ.
وحين تظهر امرأة بحضور فعلي في الحدث، غالباً ما يكون ذلك في سياق فضيحة أو مخالفة شرعية تخص غيرها لا هي نفسها، كما في قصة كلثوم وخادم الله ابنتي الشيخ بان النقا الضرير، اللتين تزوجهما الشيخ الهميم بن عبد الصادق معاً في مخالفة صريحة لتحريم الجمع بين الأختين، فأبطل القاضي دشين هذا الزواج [١١].
والمثير أن هذه لم تكن الواقعة الوحيدة من نوعها للشيخ الهميم نفسه، إذ تشير مصادر أخرى ناقلة عن الكتاب إلى أنه تزوج كذلك ابنتي رجل يُعرف بأبي ندودة معاً، في نمط سلوكي متكرر يبدو أن الرجل كان يبرره لنفسه، بحسب ما نُقل عنه، بدعوى إذن نبوي خاص به [٩]؛ وكأن الشيخ الهميم قد اتخذ من الجمع بين الأختين هواية ثابتة لا زلة عابرة، ولم يكلف نفسه حتى عناء تنويع الذريعة من مرة إلى أخرى.
وفي المقابل، يحفظ الكتاب أيضاً إشارات أكثر تكريماً، وإن كانت أقل تفصيلاً: أمهات يوصفن بالصلاح والورع، وزوجات يُنسب إليهن حسن تربية أبنائهن من العلماء، من غير أن يخصص لهن المؤلف تراجم مستقلة كما فعل مع الرجال.
وهذا التفاوت في المعاملة السردية بين الجنسين ليس استثناءً سودانياً بقدر ما هو انعكاس أمين لبنية التدوين الديني في العالم الإسلامي عموماً في تلك القرون، لكن تسجيله هنا ضروري لأي قراءة نقدية منصفة لمحتوى الكتاب، بدل الاكتفاء بالثناء على قيمته التوثيقية من غير الإشارة إلى حدود هذا التوثيق.
ألقاب وكُنى تستحق وقفة، من «بيّاع المطر» إلى «سوار الذهب»من أطرف ما يكتشفه المتصفح لفهرس تراجم الطبقات هو غنى الألقاب والكنى الشعبية التي التصقت بأصحابها حتى صارت أسماءهم الفعلية في الذاكرة الجمعية، متجاوزة بذلك حاجة السودانيين إلى نظام ألقاب عائلية رسمية بقرون، وسابقة بذلك أي شركة علاقات عامة حديثة في فن صناعة اللقب التسويقي.
فهناك الشيخ عبد الله بن موسى الملقب بـ«المشمّر»، أي المبتعد المجتنب وقد الذي اشتهر بعدم مصافحته للنساء الأجنبيات عنه، فصار هذا الورع الفردي لقباً دائماً له؛ والشيخ مالك بن عبد الرحمن ولد حمدتو، المعروف بنشره العلم وتأليفه وأنه «ما كانت تأخذه في الله لومة لائم»؛ و “شكال القارح»؛ والشكال هو قيد للفرس والقارح هو الفرس الناضج القوي وجامح في عمر خمسة سنوات.
والشيخ سلمان، الملقب بـ«الطوالي الزغراد» [١٥]، غالباً لعلو صوته في الذكر.
هذه الكنى والألقاب ليست تفصيلاً هامشياً؛ فهي في حد ذاتها مصدر أنثروبولوجي مصغر عن آلية تكوّن الهوية الفردية في مجتمع شفوي: صفة جسدية، أو سلوك أخلاقي متكرر، أو كرامة منسوبة، تتحول عبر التداول الشفهي إلى اسم يعرف به الرجل عوضاً عن اسم أبيه، وأحياناً يطغى عليه تماماً حتى يندثر الاسم الأصلي من الذاكرة الشعبية ولا يبقى إلا في صفحات الطبقات المكتوبة.
وبذلك يكون الكتاب، من دون أن يقصد ذلك منهجياً، أرشيفاً لسانياً لكيفية صناعة السودانيين لأسماء بعضهم بعضاً قبل عصر الهوية الورقية، البطاقة.
وهي طريقة في التوثيق أكثر عدلاً بكثير، بصراحة، من الأرقام الوطنية التي جاءت لاحقاً فجردت كل رجل من حكايته الخاصة وتركت له رقماً بلا سيرة, فأصبح مجرد رقم مثله مثل غيره.
كيف تتلقى الأجيال الحالية هذه الكرامات؟يكشف تصفح المنتديات والمواقع السودانية المعاصرة التي تتناول كتاب الطبقات عن ازدواجية لافتة في التلقي: فبينما يعامله الباحثون الأكاديميون بجدية توثيقية صارمة، تتعامل معه شريحة من القراء العاديين بروح فكاهية تكاد تصل حد السخرية اللطيفة، ومن ذلك أن أحد المنتديات الشعبية خصص موضوعاً كاملاً لسرد كرامات الكتاب تحت عنوان دال: «تعالوا نضحك شوية مع كتاب طبقات ود ضيف الله»، معلقاً بذكاء على تناقض أن يُخيَّر أحد الأولياء بين البقاء أربعين سنة أخرى في الدنيا أو لقاء ربه، وهو تخيير يعرفه الفقه الإسلامي للأنبياء حصراً لا لعامة الأولياء، وكأن التصوف السوداني، في لحظة تواضع نادرة، نسي أن يبلغ أصحابه أن هذا التخيير مقعده محجوز سلفاً [٩].
وهذا التحول من التبجيل المطلق إلى المسافة الساخرة ليس بالضرورة استخفافاً بالكتاب، بل هو في جوهره شاهد إضافي على الأطروحة التي كررناها في هذا المقال: أن قيمة الطبقات لا تكمن في صدق كراماته حرفياً، بل في كونه مرآة أمينة لذهنية جيل بأكمله، سواء قرأها أحفاد ذلك الجيل بخشوع أو بضحكة عابرة، وكلا القراءتين، على تناقضهما، تكريم من نوعه لرجل لم يكن يظن، وهو يدوّن أخبار جيرانه بلغتهم الدارجة، أنه يكتب نصاً سيُضحك ويُبكي ويُدرَّس على مدى ثلاثة قرون كاملة.
سنار تحاور الأزهر والحجاز، علماء مهاجرون ومساجلات عابرة للحدوديهدم الكتاب، من حيث لا يقصد، الصورة الاستشراقية الشائعة عن سنار بوصفها مملكة نائية مقطوعة عن حواضر العلم الكبرى.
فقد كان رواق «السنارية» بالأزهر الشريف، بحسب ما ينقل الكتاب، من أشهر مقامات الوافدين السودانيين لتلقي العلم في مصر، وكان كثير من طلبة السودان يهاجرون إلى مصر والحجاز للدراسة ثم يعودون ليدرّسوا في الخلاوى والمساجد.
ومن أوائل هؤلاء المهاجرين إبراهيم البولاد، أحد أولاد جابر الأربعة، الذي دخل مصر وتفقه على يد سيدي محمد البنوفري، ثم رحل إلى ترنج ودرّس فيها متن خليل والرسالة، وكان أول من درّس مختصر خليل في بلاد الفونج، فشدت إليه الرحال من كل حدب وصوب [٢].
ولم تكن العلاقة أحادية الاتجاه: فقد سافر علماء سودانيون آخرون للتدريس في الحجاز نفسه، لا للتلمذة فقط، ومنهم الشيخ عبد الله العركي الذي جلس على كرسي (مقام) تدريس الإمام مالك في المدينة المنورة سنين عددا، والعالم عبد اللطيف بن الخطيب عمار الذي درّس في الحرم المكي، ووصفه ود ضيف الله بأنه «شيخ الإسلام الفقيه النحوي الأصولي المتكلم المنطقي المجتهد في المذهب»، ومدحه بعض أهل الحرم نثراً وشعراً، كما مدحه شيخه في علم المنطق الشيخ نور الدين التميمي بقصيدة كاملة [٢].
وتسجل صفحات الكتاب أيضاً مساجلة فقهية عابرة للحدود حول حكم التنباك بين علماء سنار والأزهر، وإن اختلفت المصادر الناقلة عن الكتاب في اسم الطرف المصري المقابل للشيخ إدريس ود الأرباب في هذا الجدل: فبعضها ينسب الإباحة إلى الشريف عبد الوهاب، وبعضها الآخر إلى الشيخ المصري علي الأجهوري، وهو تفاوت بسيط في الرواية لا يغير من جوهر الواقعة: أن فقهاء سنار كانوا يراسلون الأزهر ويناظرونه في مسائل الساعة الفقهية لا يتلقون عنه وحسب [٢].
هذا التبادل العلمي المزدوج – طلاب سودانيون يقصدون الأزهر والحرمين، وعلماء سودانيون يُستقدَمون للتدريس فيهما – يفرض على القارئ المعاصر مراجعة الصورة الشائعة عن “الهامش” و”المركز” في الجغرافيا الإسلامية القديمة؛ فسنار، بشهادة كتابها الأشهر، لم تكن تستجدي المعرفة من الخارج بقدر ما كانت تصدّرها أيضاً، وهذا وحده كفيل بتبرير قراءة الطبقات لا بوصفه سجلاً محلياً ضيقاً، بل بوصفه وثيقة في تاريخ الشبكة العلمية الإسلامية الممتدة من غرب أفريقيا إلى الحجاز.
عدد النسخ المحققة ومحققوهاالطريف أن أصل مخطوطة الطبقات نفسها قد فُقد أثناء الثورة المهدية، فلم يبق من الكتاب إلا نسخ متأخرة منقولة عنه [١٣].
وقد كانت المهمة الكبرى للبروفيسور يوسف فضل حسن أن يرُد نسختين مطبوعتين سابقتين – طبعة سليمان منديل هذه، وطبعة أخرى أصدرها الشيخ إبراهيم صديق في العام نفسه ١٩٣٠ – إلى أصولهما الخطية، مضيفاً إليهما ست نسخ مخطوطة أخرى جعل عمدتها نسخة تعرف بـ«نسخة البريات» لكونها أقدم النسخ المخطوطة وأقربها إلى الأصل المفقود [١٦].
صدرت طبعة يوسف فضل الأولى المحققة عن دار التأليف والترجمة والنشر بجامعة الخرطوم في يوليو ١٩٧١، ثم أعقبتها طبعة ثانية منقحة سنة ١٩٧٤ بعد أن نفدت الأولى، ثم طبعة رابعة سنة ١٩٩٢ [١٤] [١٧].
وفي مسار موازٍ، أصدر الشيخ إبراهيم صديق نسخته الخاصة، أعادت الدار السودانية للكتب طبعها في طبعتها الثالثة سنة ٢٠١٢ [١٨].
طبعة القاهرة ١٩٣٠، سؤال المطبعة وسؤال الأصلتحمل صفحة عنوان الطبعة الأولى عبارة دالة: «سليمان داوود منديل، صاحب مطبعة منديل والجريدة التجارية بالخرطوم، الطبعة الأولى ١٣٤٩هـ – ١٩٣٠م، مطبعة المقتطف والمقطم» [١٩].
والمفارقة أن الرجل كان يملك مطبعته الخاصة في الخرطوم منذ عام ١٩٢٦، بعد أن أمضى نحو عامين مسؤولاً عن القسم التجاري في مطبعة ماكوركوديل، فآثر عندها أن يستقل بمطبعة وطنية أحضر لها معلمين مهرة من مصر لتدريب العاملين السودانيين على الصف والطباعة والتجليد [٢٠].
فلماذا إذن لم يطبع سفراً بهذه المكانة الدينية والوطنية في مطبعته هو، وتكبد بدلاً من ذلك مشقة الطباعة في القاهرة؟لا يسعف المصدر المتاح بجواب صريح من الرجل نفسه، لكن المرجَّح أن مطبعة المقتطف والمقطم – إحدى أعرق دور الطباعة العربية آنذاك – كانت تملك من خبرة صف الحروف العربية وضبط النص الفصيح المطعّم بالعامية والأسماء الغريبة والرسم القديم للألفاظ ما لم تكن مطبعة منديل الفتية، المؤسسة قبل أربع سنوات فقط، قادرة على مجاراته بعد.
وهذا استنتاج معقول من سياق الوقائع، لا نص موثق بعينه، وأترك للقارئ أن يزنه بميزانه.
أما مسألة الأصل اليهودي لأسرة منديل، فالمصادر المتداولة حولها متضاربة التفاصيل وإن اتفقت على جوهرها.
تذكر بعض المصادر أن أسرة آل منديل استوطنت مدينة النهود، وكان جدها يعمل خبيراً للمجوهرات، وينحدر منها آدم داود منديل (عمل في مصلحة الغابات) وسليمان داود منديل (عمل في مصلحة البريد قبل أن يستقيل ليؤسس صحيفته ومطبعته)، وأن محمد داود منديل من الأسرة نفسها أسلم لاحقاً وتخصص في طباعة الكتب الدينية [٢١].
ويذكر مصدر آخر، نقلاً عن الياهو سلمون ملكا، أن هناك يهودياً أسلم يُدعى داوود منديل، حاول بعضهم ثنيه عن إسلامه فلم يفلحوا، وأن أسرته باتت تُعرف في أم درمان باسم «أسرة سليمان منديل» [٢٢].
وتروي رواية عائلية ثالثة، نقلتها إحدى حفيدات الأسرة في حوار صحفي، أن الجد داوود منديل كان تاجراً يهودياً قدم من الجزائر أو المغرب يحمل الحرير والألماس، وكان صديقاً شخصياً للإمام المهدي الذي أسره ثم أشهد إسلامه على يديه وزوّجه من إحدى الشريفات، فأنجب ستة أبناء [٢١].
بين هذه الروايات الثلاث تباين في مكان الأصل وظروف الإسلام وزمانه، وليس بينها ما يرقى إلى وثيقة تاريخية محررة، فالأمانة العلمية تقتضي عرضها كتراث شفوي وصحفي متداول لا كحقيقة مؤكدة بإسناد أكاديمي.
والمؤكد وحده، بصرف النظر عن أصل الأسرة الديني، أن سليمان داود منديل كان في زمن طباعة الطبقات رجلاً مسلماً ملتزماً بصياغة سلفه الصوفي حين وصف نفسه بـ«الفقير إلى الله تعالى»، وأنه صاحب فضل موثق على الثقافة السودانية المطبوعة: فهو أول من طبع راتب الإمام المهدي، وأول من جمع الدوبيت السوداني ونشره في كتاب، وممن رعى الشاعر التيجاني يوسف بشير أيام مرضه [٢٣].
اللغة الدارجة في الكتاب، عيب مزعوم ومنهج أصيلاتخذ بعض القراء المتعجلين، ولا يزالون، من استخدام ابن ضيف الله للهجة الدارجة في سرد أخبار الأولياء دليلاً على ركاكته وضعف تحصيله في الفصحى.
وهذا حكم متسرع فنّده الباحث عبد المنعم عجب الفيا بحجة داخلية من الكتاب نفسه: فالمؤلف كتب خطبة كتابه بفصحى معربة سليمة، واستخدم الفصحى في متن كثير من التراجم، لكنه كان ينتقل بوعي فني إلى لغة الكلام كلما جاء السياق حوارياً أو استرسل في حكاية شخصية، ليضفي على السرد حيوية ويصوّر واقع الناس الاجتماعي والديني بصدق لا تبلغه الفصحى المعربة [٢].
وبذلك، كما يرى الفيا، سبق ابن ضيف الله بثلاثة قرون جدلاً لا يزال محتدماً بين أدباء العربية المعاصرين حول توظيف اللهجات في القص والرواية والمسرح، وقدّم للباحثين، من غير قصد، معيناً لا ينضب لدراسة فقه اللغة المقارن، إذ حفظ لنا صورة اللهجة السودانية العربية الجامعة كما كانت قبل ثلاثمائة عام [٢].
أما ما يخص تبرير الناشر سليمان منديل نفسه لهذا الاختيار اللغوي في طبعته – وهو سؤال مشروع بما أن الناشر أحياناً يتدخل بمقدمة أو حاشية – فلم يذكر في مقدمته على نص موثق يسجل رأياً صريحاً له في هذه المسألة بعينها، والأمانة تقتضي إسقاط هذا الجزء بدل اختلاقه، إذ إن الموثق فعلاً هو تبرير المؤلف في خطبته، لا تعليق الناشر.
ولأن بعض النقاد وجد ان لغة الطبقات الدارجة السودانية في تلك القرون صعبة على قارئ اليوم المعتاد على الفصحى ودارجة مختلفة، فواجب عليَّ أن أشكر الصديق موسى الشيخ بخليج سان فرانسيسكو، كاليفورنيا لهدايته لي باستعراض وتبسيط هذا السفر الهام عن تاريخ التصوف في السودان، والكثير عن حياة المجتمع في عصر الدولة السنارية.
فهذا المقال مجازاّ، وبتعبير محمد عبد الحي هو، عودة إلى سنار.
نسخة الدكتور يوسف فضل، نموذج التحقيق ومطباته الصغيرةيعد تحقيق يوسف فضل حسن، بشهادة نقاده أنفسهم، تحقيقاً احترافياً نموذجياً يُحتذى في أصول تحقيق المخطوطات: مضاهاة النسخ، وشرح الغامض من الألفاظ، وتحديد أسماء الأماكن والأشخاص، وهو عمل شاق يحتاج صبراً ونزعة أكاديمية صارمة.
ويقدّر يوسف فضل عدد التراجم الواردة في الكتاب بنحو ٢٧٠ ترجمة، مقابل ٢٥٩ عند ماكمايكل [٢٤].
غير أن الكمال، كما يقال، لله وحده.
فقد رصد الباحث عبد المنعم عجب الفيا في قراءة متأنية للطبعة الرابعة (١٩٩٢) عدداً من الهنات: أخطاء طباعية ولغوية طفيفة (كالخلط بين النوبة والعنج، أو بين تفرقت وتفرعت)، وعدم تمييز رسم الألف المقصورة عن الياء في أواخر الكلمات وفق عادة المطابع المصرية القديمة، وبعض الالتباس في الإحالات بين التراجم، إضافة إلى اجتهادات في أصل بعض المفردات العامية كـ«أرباب» و«تيراب» و«تربال» و«دنع» و«نقابة» يرى الفيا أنها عربية الأصل خلافاً لما ذهب إليه يوسف فضل وعون الشريف قاسم من نسبتها إلى النوبية [١٣].
ويدافع الفيا في الوقت نفسه عن حدود مهمة المحقق: فتحقيق المخطوطة ينحصر شكلاً في إخراج النص مقروءاً مفهوماً، ولا يتعداه إلى مناقشة مضمونها أو الحكم على كرامات الأولياء وخوارق العادات الواردة فيها، وهذا ما التزم به يوسف فضل بحق [١٣].
ما يستحق الإضافة، الكتاب مصدراً إثنوغرافياً لا صوفياً فقطيجدر التنبيه إلى أن قيمة الطبقات تتجاوز كونه مرجعاً لدارسي التصوف إلى كونه وثيقة اجتماعية واقتصادية من الطراز النادر عن سلطنة سنار.
فهو يفنّد عرضاً شائعاً مفاده أن انتشار العامية في التأليف دليل تراجع علمي، إذ يورد تفاصيل دقيقة عن مناهج الدراسة في الخلاوى: مختصر خليل وشروحاته، والرسالة، والأجرومية، وألفية ابن مالك، والسنوسية، بل وعلم الكلام والمنطق الأرسطي، حتى إن أحد الشيوخ نوقش في مصطلح «الهيولى» اليوناني الأصل [٢]، وهو ما يهدم صورة سنار العلمية النائية التي رسمها بعض المستشرقين.
وللكتاب أيضاً قيمة خاصة عند دارسي تاريخ الرق في السودان، وهو موضوع ذو صلة مباشرة بأبحاث سابقة تناولت علاقات الرق في سلطنتي الفونج والفور، كما أسلفنا أعلاه [12].
وكذلك له علاقة بمقالات سابقة نشرها الكاتب في فضائية سودانايل في شهر يونيو المنصرم تناولت دور الاسترقاق وتجارته في اقتصاد سلطنتي دارفور وسنار بصورة متوسعة [35][36][37].
خلاصة النقد، أهمية تاريخية لا تُضاهى بشرط الحذر المنهجييبقى كتاب الطبقات، رغم فقدان أصله المخطوط ورغم ما شاب بعض تحقيقاته من هنات لغوية صغيرة، أهم مصدر أولي متاح عن ثلاثة قرون من تاريخ السودان الاجتماعي والديني والإداري، إذ لولاه لبقي هذا التاريخ، بحق، طي الغيب.
وتحقيق يوسف فضل حسن يظل، رغم استدراكات النقاد عليه، النموذج الأقرب إلى الاكتمال المنهجي المتاح للقارئ العربي حتى اليوم.
غير أن القراءة الرصينة لهذا السفر تستوجب حذرين منهجيين: الأول أن يُقرأ ما ورد فيه من كرامات وخوارق عادات بوصفه انعكاساً أميناً لذهنية عصره الصوفي، لا حقائق يُراد إثباتها أو نفيها؛ والثاني أن يُميَّز بدقة بين ما هو موثق بإسناد أكاديمي – كسيرة المؤلف ومنهجه ومسار تحقيق كتابه – وبين ما هو تراث شفوي متداول لا يزال بحاجة إلى تحقيق تاريخي مستقل، وأبرز مثال عليه قصة أصل الأسرة التي طبعت هذا السفر الديني في القاهرة بعيداً عن دياره.
فهذه الحكاية الأخيرة، حكاية مطبعجي حديث العهد بالإسلام يموّل من جيبه طباعة أمهات كتب التصوف السوداني، تستحق بذاتها بحثاً مستقلاً لم يُكتب بعد في التاريخ الاجتماعي المتشابك للطباعة والدين والتجارة في سودان مطلع القرن العشرين.
[١] «محمد نور بن ضيف الله»، ويكيبيديا، آخر تعديل ١٣ فبراير ٢٠٢١.
رابط الوصول: https: //ar.
wikipedia.
org/wiki/محمدنوربنضيفالله[٢] عبد المنعم عجب الفيا، «طبقات ود ضيف الله والريادة في لغة السرد المعاصر»، سودانايل، ٧ أغسطس ٢٠١٧.
رابط الوصول: https: //sudanile.
com/طبقات-ود-ضيف-الله-والريادة-في-لغة-السرد/[٣] «من روائع المؤلفات.
طبقات ود ضيف الله»، صحيفة الصيحة، ٢٣ يناير ٢٠٢٠.
رابط الوصول: https: //www.
assayha.
net/26623/[٤] «وقفات مع كتاب الطبقات (طبقات ود ضيف الله)»، ملخص كتاب محمد أحمد، ketabpedia.
com، ٢٨ يناير ٢٠١٩.
[٥] «وقفة مع المرويات المؤسسة للشخصية السودانية في كتاب الطبقات»، صحيفة الراكوبة؛ وعمر محمد الأمين، بالعنوان نفسه تقريباً، سودانايل، ١٥ أغسطس ٢٠٢٣.
رابط الوصول: https: //www.
alrakoba.
net/31847126/[٦] «التصوف في السودان»، طواسين للتصوف والإسلاميات، ٢١ أكتوبر ٢٠١٦.
رابط الوصول: http: //tawaseen.
com/؟ p=3192[٧] «البيت السوداني الذي شيدته الصوفية»، SSLH Museum.
رابط الوصول: https: //www.
sslh.
online/ar/posts/the-sudanese-house-built-on-sufism[٨] «الطرق الصوفية في السودان: منظور تأريخي»، صحيفة الراكوبة، ٨ نوفمبر ٢٠١٣.
رابط الوصول: https: //www.
alrakoba.
net/415022/[٩] «تعالوا نضحك شوية مع كتاب طبقات ود ضيف الله»، منتدى صوفية السودان، ٢٢ يونيو ٢٠١٣.
رابط الوصول: https: //sofiatalsudan.
yoo7.
com/t359-topic[١٠] «طبقات ود ضيف الله: النص الإلكتروني»، نقلاً عن متن الكتاب المحقق، منتدى سودانيات، ٢٥ فبراير ٢٠١١.
رابط الوصول: http: //www.
sudanyat.
org/vb/archive/index.
php/t-18765.
html[١١] «الصوفية في السودان… كل الطرق تؤدّي إلى الله حتى الغناء والرقص»، رصيف22، ٢ نوفمبر ٢٠٢٠.
رابط الوصول: https: //raseef22.
net/article/1080140[١٢] «علاقات الرقّ في المجتمع السوداني.
كتاب يكشف المسكوت عنه»، حفريات، ١ نوفمبر ٢٠١٨.
رابط الوصول: https: //hafryat.
com/ar/blog/علاقات-الرق-في-المجتمع-السوداني-كتاب-يكشف-المسكوت-عنه[١٣] عبد المنعم عجب الفيا، «استدراكات على تحقيق كتاب الطبقات»، سودانايل، ١٣ أكتوبر ٢٠١٦.
رابط الوصول: https: //sudanile.
com/استدراكات-على-تحقيق-كتاب-الطبقات-بقلم/[١٤] «كتاب الطبقات.
لود ضيف الله»، صحيفة الراكوبة، ٢٥ مارس ٢٠١٧.
رابط الوصول: https: //www.
alrakoba.
net/767992/[١٥] «١٧٤ – وقفات مع كتاب الطبقات (طبقات ود ضيف الله)»، e7saan.
com، عبر أرشيف الإنترنت، ٤ مارس ٢٠٢٤.
رابط الوصول: https: //archive.
org/details/20240304_20240304_1111[١٦] محمد الشيخ حسين، «طبقات يوسف فضل في اتحاد الكتاب»، سودانايل، ٢٥ يوليو ٢٠١٤.
رابط الوصول: https: //sudanile.
com/طبقات-يوسف-فضل-في-اتحاد-الكتاب-بقلم-مح/[١٧] محمد النور ود ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، تحقيق وتعليق وتقديم: د.
يوسف فضل حسن، دار التأليف والترجمة والنشر – جامعة الخرطوم، الطبعة الأولى ١٩٧١؛ الطبعة الرابعة ١٩٩٢.
[١٨] محمد النور ود ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، إعداد الشيخ إبراهيم صديق، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، الطبعة الثالثة ٢٠١٢.
[١٩] صفحة عنوان الطبعة الأولى لكتاب الطبقات، ١٩٣٠م، ويكي مصدر.
رابط الوصول: https: //ar.
wikisource.
org/wiki/فهرس: طبقاتودضيفاللهفيأولياءوصالحينوعلماءوشعراءالسودان.
pdf[٢٠] «الحياة الاجتماعية والصحافة والعادات»، من كتاب السودان من التاريخ القديم إلى رحلة البعثة المصرية (الجزء الثاني)، مؤسسة هنداوي.
رابط الوصول: https: //www.
hindawi.
org/books/27373961/32/[٢١] «تاريخ اليهود في السودان»، موسوعة المعرفة، ٦ سبتمبر ٢٠١٩.
رابط الوصول: https: //www.
marefa.
org/تاريخاليهودفيالسودان [٢٢] «حارة اليهود في أمدرمان»، السودان نت، ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠.
رابط الوصول: https: //alsudanet.
com/حارة-اليهود-في-أمدرمان/ [٢٣] «سليمان منديل اليهودي الذي طبع راتب الإمام المهدي.
لمحة عامة عن يهود السودان»، أخبار السودان، ١٧ نوفمبر ٢٠٢٠.
رابط الوصول: https: //www.
sudanakhbar.
com/863129 [٢٤] «طبقات ود ضيف الله»، areq.
net.
رابط الوصول: https: //areq.
net/m/طبقاتودضيفالله.
html[٢٥] «عبد القادر الجيلاني»، ويكيبيديا.
رابط الوصول: https: //ar.
wikipedia.
org/wiki/عبدالقادرالجيلاني[٢٦] «الحضرة القادرية»، ويكيبيديا.
رابط الوصول: https: //ar.
wikipedia.
org/wiki/الحضرةالقادرية [٢٧] «مغرّب الزوايا.
الزاوية القادرية.
توعية المجتمع الإفريقي في القارة السوداء (الحلقة الرابعة)»، Le12.
ma، ٥ مارس ٢٠٢٥.
رابط الوصول: https: //le12.
ma/مغرّب-الزوايا-الزاوية-القادرية-توعية/ [٢٨] «قادرية»، ويكيبيديا.
رابط الوصول: https: //ar.
wikipedia.
org/wiki/قادرية [٢٩] «حضرة»، ويكيبيديا.
رابط الوصول: https: //ar.
wikipedia.
org/wiki/حضرة [٣٠] «“نوبة” الصوفية في السودان.
أهازيج وطقوس وتاريخ عريق»، TRT عربي، ٨ ديسمبر ٢٠١٩.
رابط الوصول: https: //www.
trtarabi.
com/explainers/نوبة-الصوفية-في-السودان-أهازيج-وطقوس-وتاريخ-عريق-3428028 [٣١] «الموسيقى التقليدية.
ترويح الرعاة وإعلام للسلاطين»، Ultra Sudan.
رابط الوصول: https: //ultrasudan.
ultrasawt.
com/الموسيقى-التقليدية-ترويح-الرعاة-وإعلام-للسلاطين/ [٣٢] «البيت السوداني الذي شيدته الصوفية»، SSLH Museum.
رابط الوصول: https: //www.
sslh.
online/ar/posts/the-sudanese-house-built-on-sufism [٣٣] «الطريقة القادرية العركيَّة بالسودان»، Sufirfan، ٢ يناير ٢٠٢٣.
رابط الوصول: https: //sufirfan.
org/الطريقة-القادريَّة-العركيَّة-بالسود/ [٣٤] «أبو الحسن الشاذلي»، ويكيبيديا.
رابط الوصول: https: //ar.
wikipedia.
org/wiki/أبوالحسن_الشاذلي[٣٥] الرشيد خليفة، “سلطنة دارفور: من صولو ن إلى دينار، ميلاد مملكةً وموتها”، سودانايل 16 يونيو ٢٠٢٦.
رابط الوصول https: //sudanile.
co/سلطنة-دارفور[٣٦] الرشيد خليفة، “السلطنة السنارية، الغموض والسلطة فوق ضفاف النيل الأزرق”، سودانايل ١٠ يونيو ٢٠٢٦.
رابط الوصول https: //sudanile.
com/السلطنة السنارية[٣٧] الرشيد خليفة، “البضاعة التي لا تفسد.
الرق وتجارة الرقيق في تاريخ السودان”، سودانايل ١٩ يونيو ٢٠٢٦.
رابط الوصول: البضاعة التي لا تفسد https: //sudanile.
com/.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك