لم تكن جريمة مسجد الروضة مجرد عملية إرهابية استهدفت مدنيين، بل كانت لحظة فارقة كشفت حجم الوحشية التى وصلت إليها التنظيمات المتطرفة التى تتخذ من الدين ستارا بينما لا تتردد فى سفك دماء المصلين داخل بيوت الله.
ففى صباح الجمعة 24 نوفمبر 2017، استيقظت مصر على واحدة من أكثر الجرائم دموية فى تاريخها الحديث، عندما تحول مسجد الروضة بقرية بئر العبد فى شمال سيناء إلى مسرح لمذبحة مروعة راح ضحيتها مئات الأبرياء، فى مشهد هز ضمير العالم بأسره وأكد أن الإرهاب لا يعرف دينا ولا إنسانية.
بيت الله تحول إلى ساحة للقتلاستغل الإرهابيون تجمع المئات داخل المسجد أثناء أداء صلاة الجمعة، واختاروا توقيت تنفيذ الجريمة بعناية لضمان سقوط أكبر عدد ممكن من الضحايا.
ووفقا لما أعلنته الجهات الرسمية، زرعت العناصر الإرهابية عبوات ناسفة داخل المسجد وفى محيطه، وما إن انتهت الصلاة حتى دوى الانفجار الأول، لتبدأ بعدها مرحلة أكثر دموية.
لم يكتف الإرهابيون بالتفجير، بل انتشر مسلحون خارج المسجد وأطلقوا وابلا من الرصاص على كل من حاول الفرار، مستخدمين أسلحة آلية وقذائف صاروخية، فى جريمة غير مسبوقة استهدفت المصلين بلا تمييز، فسقط الشيوخ والشباب والأطفال شهداء داخل بيت من بيوت الله.
أسفرت المجزرة عن استشهاد 305 مواطنين وإصابة 128 آخرين، لتصبح واحدة من أكبر العمليات الإرهابية التى شهدتها مصر والمنطقة.
أعلنت رئاسة الجمهورية الحداد العام لمدة ثلاثة أيام، فيما توالت الإدانات العربية والدولية التى وصفت الجريمة بأنها عمل إرهابى وحشى يتنافى مع كل القيم الإنسانية والدينية.
وأصبحت قرية بئر العبد منذ ذلك اليوم شاهدة على واحدة من أكثر الصفحات إيلاما فى مواجهة الإرهاب، بعدما فقدت عشرات الأسر أبناءها وآباءها وأقاربها فى دقائق معدودة.
لطالما رفعت جماعات التطرف شعارات دينية لتبرير جرائمها، إلا أن ما جرى فى مسجد الروضة نسف تلك الادعاءات بالكامل، إذ استهدف الإرهابيون مصلين عزلا داخل مسجد أثناء أداء فريضة الجمعة، فى جريمة أكدت أن تلك التنظيمات لا تتورع عن استباحة الدماء متى تعارضت مع أفكارها المتشددة.
وقد عكست هذه المجزرة الطبيعة الحقيقية للفكر الإرهابى القائم على التكفير واستباحة المجتمع، والذى طالما حذرت منه الدولة المصرية، باعتباره الخطر الأكبر الذى يهدد استقرار المجتمعات ويحول دور العبادة إلى أهداف للقتل والترويع.
الدولة المصرية تتحرك بسرعة لإعادة الحياةلم تتوقف جهود الدولة عند التعامل الأمنى مع الحادث، بل بدأت وزارة الأوقاف خلال أيام أعمال ترميم المسجد، وأعيد افتتاحه بعد تطويره فى الذكرى الأولى للمجزرة.
واستجابة لرغبة أهالى القرية، تغير اسم المسجد من" مسجد الروضة" إلى" روضة الشهداء"، ليظل شاهدا على تضحيات الأبرياء الذين سقطوا داخله، وتخليدا لذكراهم فى وجدان المصريين.
وفى الوقت الذى كانت فيه أجهزة الدولة تساند أسر الشهداء، كانت القوات المسلحة وأجهزة إنفاذ القانون تواصل عملياتها لتعقب العناصر الإرهابية المتورطة فى الجريمة.
وبعد أيام من الحادث، استهدفت القوات المصرية سيارتين بمنطقة الريشة قرب قرية الروضة كانتا تقلان عناصر إرهابية شاركت فى تنفيذ الهجوم، وأسفرت الضربة عن مقتل 15 إرهابيا.
كما واصلت القوات حملاتها الأمنية فى وسط سيناء، وأسفرت عمليات المداهمة فى قرية الريسان عن القضاء على 30 عنصرا إرهابيا آخرين، فى رسالة واضحة بأن دماء المصريين لن تضيع هدرا، وأن الدولة قادرة على ملاحقة منفذى الجرائم أينما كانوا.
ستظل مجزرة مسجد الروضة واحدة من أبشع الجرائم الإرهابية التى شهدتها مصر، ليس فقط بسبب العدد الكبير من الضحايا، وإنما لأنها استهدفت مصلين داخل بيت من بيوت الله فى لحظة عبادة وسلام.
وبرغم الألم الذى تركته تلك الجريمة فى نفوس المصريين، فإنها كشفت فى المقابل تماسك الدولة والمجتمع فى مواجهة الإرهاب، وأكدت أن المواجهة مع الفكر المتطرف لا تقتصر على العمليات الأمنية وحدها، بل تشمل أيضا حماية الوعى وكشف حقيقة التنظيمات التى تتاجر بالدين بينما لا تتردد فى ارتكاب أبشع الجرائم بحق الأبرياء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك