تقف البشرية مذهولة أمام مشهد التوائم السيامية الملتصقة من الرأس، حيث يتداخل الدماغ والأوعية الدموية في تشابك معقد يصنفه الطب الحديث بين الجراحات الأعقد والأخطر تاريخيا.
وخلف كواليس هذه العمليات التي تحظى بمتابعة واهتمام عالمي واسع، يقف جراح الأعصاب البريطاني الشهير البروفيسور أويس جيلاني.
وفي حوار خاص مع الجزيرة، كشف جيلاني عن أسرار إدارته لهذه التحديات الطبية عبر دمج الفلسفة الهندسية بتقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، ممهدا الطريق لإنقاذ أرواح الأطفال أينما كانوا عبر مؤسسته الخيرية، وفق الصحفي عبد العزيز صباح.
ويوضح جيلاني أن مواجهة هذا النوع من الالتصاق تتطلب التخلي عن النظرة الطبية التقليدية والتحول نحو التخطيط الهيكلي، إذ يقول: " عندما تنظر إلى هؤلاء الأطفال الملتصقين، فإن درجة الالتصاق من الخارج تبدو معها عملية الفصل دون أذى أمرا مستحيلا، وهنا يتعين على الجراح أن يفكر كمهندس".
وأحدثت هذه الرؤية ثورة في التعامل مع الحالات، فبدلا من العمليات الكلاسيكية المنهكة التي كانت تستغرق 40 ساعة متواصلة وتنتهي غالبا بوفاة أحد الطفلين أو كليهما، اعتمد جيلاني وفريقه" جراحة المراحل".
وتتراوح العملية بين مرحلتين و4 مراحل تفصل بينها أسابيع كاملة، مما يمنح الأجساد الغضة فرصة حقيقية للتعافي وتقليل الصدمة الجراحية.
ولم يعد الاعتماد في فصل الدماغ والأوعية الدموية مقتصرا على الصور ثنائية الأبعاد أو الحدس المهني، بل أصبحت التكنولوجيا الرقمية شريكا رئيسيا في غرفة العمليات.
فمنذ عمليته الأولى عام 2006 وصولا إلى نجاحاته في عام 2025، قاد جيلاني قفزة نوعية بدمج صور الرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي في منصات" الواقع الافتراضي والمعزز والمختلط".
وتتيح هذه التقنيات ابتكار" توأم رقمي" ثلاثي الأبعاد يطابق تشريح الأطفال المعقد بدقة.
وبشأن هذه الطفرة يقول جيلاني: " يمكننا رؤية الصور بشكل ثلاثي الأبعاد والتفاعل معها، وبدء محاكاة الجراحة بصريا قبل إجرائها فعليا".
ويضيف أن مهندسين وجراحين من قارات مختلفة يجتمعون في غرفة عمليات افتراضية لمناقشة واختبار نحو 100 خطوة حاسمة، وتوقع الاحتمالات كافة قبل ملامسة جسد المريض.
ولا تنحصر جهود الجراح البريطاني في المشافي اللندنية الفارهة، بل تمتد عبر هاجس أخلاقي وإنساني لإيصال هذا العلاج المعقد إلى الأسر الفقيرة في العالم العربي والمناطق النامية التي تعجز عن تحمل نفقات السفر والعلاج.
ومن هذا المنطلق، أسس جمعية خيرية.
ويرى جيلاني أن للمؤسسة تحديا مزدوجا، الأول هو تحقيق نجاحات طبية متسقة وتجاوز الإخفاقات التاريخية، والثاني هو المسؤولية الموازية لتحقيق العدالة الطبية.
ويؤكد: " ليس كافيا تحقيق الإنجازات الطبية، بل يجب إيصالها للأطفال المحتاجين في مختلف أنحاء العالم، إنها مسؤوليتنا لإيصال أفضل ما توصل إليه العلم للجميع أينما كانوا".
وبعد ربع قرن قضاها في جراحة الأطفال، يقر جيلاني بالوزن النفسي الهائل الذي يفرضه نبل المهنة والثقة المطلقة التي يمنحها له الآباء المكلومون.
لكن هذا العبء يتبدد في اللحظة الإنسانية الأجمل، حيث يختم حديثه للجزيرة واصفا شعوره بعد نجاح العمليات ورؤية الأطفال يمشون ويركضون كغيرهم: " إنه يشبه حملا ثقيلا ظل على كتفيك لعام أو عامين.
حينها يصبح من المستحيل وصف مقدار الرضا والسعادة بالكلمات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك