عمان- أثار إطلاق المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي منصة" فرصتك" لتسهيل الربط بين الباحثين عن عمل وأصحاب العمل، نقاشا حول الدور الذي يمكن أن تؤديه بمعالجة البطالة ومدى انسجامها مع اختصاصات الجهات المعنية بسوق العمل.
اضافة اعلانفبينما يرى خبراء أن المنصة تمثل خطوة إيجابية لتفعيل تأمين التعطل عن العمل وربطه بالعودة لسوق العمل، يطرح آخرون تساؤلات حول الحاجة لمنصات جديدة في ظل وجود برامج تشغيل قائمة وضرورة توحيد الجهود الحكومية.
الحاجة لمنظومة متكاملة تتجاوز المنصاتأكدت آراء اقتصادية وقانونية أن مواجهة البطالة تحتاج لمنظومة متكاملة تتجاوز فكرة المنصات الإلكترونية، تقوم على التنسيق بين الجهات المعنية بالتشغيل والحماية الاجتماعية والتدريب، مع وضوح الأدوار والمسؤوليات، مشددة على أهمية الاستفادة من قواعد البيانات المتوفرة لدى المؤسسات المختلفة لتعزيز كفاءة سياسات التشغيل، بدلًا من تكرار الأدوار وتشتت الخدمات المقدمة للباحثين عن عمل.
وبالمقابل، أشارت آراء إلى أن تأمين التعطل عن العمل يمكن أن يتحول من مجرد أداة لتعويض الدخل خلال فترة التعطل إلى سياسة نشطة تساعد الأفراد على العودة إلى سوق العمل، إذا ارتبط بخدمات الإرشاد والتأهيل والتدريب وربط المهارات باحتياجات أصحاب العمل، ضمن إطار مؤسسي واضح يضمن التكامل بين مختلف الأطراف.
وقال مسؤول الإعلام والاتصال في مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية مراد كتكت، إن أي جهود توفر فرص عمل للشباب وتساهم بخفض معدلات البطالة تُعد خطوات إيجابية تستحق الدعم، لا سيما في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة بالأردن، بخاصة بين فئة الشباب، مشيرًا إلى أن تقييم هذه المبادرات يجب ألا يقتصر على أهدافها فقط، بل أن يشمل مدى انسجامها مع الأدوار المؤسسية للجهات التي تتبناها.
وأضاف أن" الضمان" أُنشئ بالأساس لتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، عبر توفير التأمينات الاجتماعية للعاملين، وضمان الدخل بحالات الشيخوخة والعجز وإصابات العمل والأمومة والتعطل عن العمل، وتوسيع قاعدة الشمول بالضمان وتعزيز استدامة النظام التأميني.
وأوضح أن سياسات التشغيل وربط الباحثين عن عمل بأصحاب العمل تُعد من صميم اختصاص وزارة العمل، باعتبارها الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم سوق العمل ورسم سياسات التشغيل وتنفيذها.
وأشار إلى أن منصة" فرصتك" لا تبدو مختلفة بجوهرها عن منصات وبرامج قائمة، مثل منصة" سجّل" التابعة لوزارة العمل، أو البرنامج الوطني للتشغيل، والتي تعتمد جميعها على فكرة الربط بين الباحثين عن عمل والمنشآت التي لديها شواغر وظيفية.
وأضاف أن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول مدى الحاجة لإنشاء منصة جديدة تؤدي وظيفة مشابهة، بدلًا من تعزيز التكامل بين المؤسسات الحكومية وتطوير المنصات القائمة وتوحيد قواعد البيانات، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات والحد من تشتت الجهود والموارد.
وتابع أن ربط إطلاق المنصة بتفعيل تأمين التعطل عن العمل لا يعني بالضرورة تحول" مؤسسة الضمان" إلى جهة تقود سياسات التشغيل، موضحًا أن الدور الطبيعي لهذا التأمين يتمثل بتوفير حماية دخل مؤقتة للعامل المتعطل، مع تطوير آليات الإرشاد والتأهيل والإحالة إلى فرص العمل بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وأكد أن الإدارة الجديدة للمؤسسة كان الأولى بها التركيز على الملفات الأكثر إلحاحًا المرتبطة برسالتها الأساسية، وفي مقدمتها توسيع مظلة الشمول بالضمان لتشمل مئات الآلاف من العاملين الذين ما يزالون خارج نطاق الحماية التأمينية، خصوصًا العاملين في القطاع غير المنظم والعاملين عبر المنصات الرقمية وأشكال العمل غير التقليدية التي تشهد توسعًا متسارعًا.
بدوره قال خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي، إن إطلاق أي مبادرة تهدف للحد من البطالة وتوفير فرص العمل يأتي من منطلقات إيجابية، إلا أن ذلك يثير تساؤلات قانونية ومؤسسية جوهرية تتعلق بحدود التداخل بين أدوار مؤسسات الدولة، وتحديدًا بين وزارة العمل و" الضمان".
وأضاف أن تشغيل وتأهيل الباحثين عن عمل وتنظيم سوق العمل تُعد من المهام الأساسية لوزارة العمل باعتبارها صاحبة الولاية في هذا المجال، وفقًا لأحكام قانون العمل والأنظمة الصادرة بموجبه، مشيرًا إلى أن استحداث" الضمان" منصة تشغيلية مستقلة للغرض ذاته قد يؤدي لتشتيت الجهود الرسمية وخلق تداخل في الصلاحيات بدلًا من تكامل الأدوار.
وأوضح أن المشرّع الأردني حدّد بشكل واضح مهام ومسؤوليات كل جهة، إذ تؤكد المادة (10) من قانون العمل أن من مهام الوزارة تنظيم سوق العمل وتوفير فرص العمل للأردنيين، ما يجعلها المرجعية القانونية والتنفيذية في ملف التشغيل.
وأشار إلى أن قانون العمل أيضًا ينظم مسألة الوساطة بتشغيل العمال، بحيث تتم عبر الوزارة أو الجهات المرخصة من قبلها، الأمر الذي يعزز دور الوزارة باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة ملف التشغيل وسياسات سوق العمل.
وفيما يتعلق بدور" الضمان"، قال، إن قانون" الضمان" حدد غايات المؤسسة بإطار الحماية الاجتماعية وإدارة التأمينات الاجتماعية، وتشمل تأمين إصابات العمل، وتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة، وتأمين الأمومة، وتأمين التعطل عن العمل، والتأمين الصحي.
وأضاف أن دور المؤسسة بتأمين التعطل عن العمل، وفقا لأحكام القانون، ينحصر بصرف بدل التعطل للمؤمن عليه ومتابعة شروط استحقاقه، ولا يتضمن تحويل المؤسسة لجهة تشغيل أو إطلاق منصات توظيف مستقلة.
وأكد أن الأفضل كان أن تتجه" الضمان" لتعزيز التكامل المؤسسي مع وزارة العمل، عبر تسخير قواعد البيانات الكبيرة التي تمتلكها لخدمة سياسات التشغيل الوطنية، بدلًا من إنشاء منصات موازية قد تؤدي لتنازع الأدوار.
وقال، إن الدور الحقيقي والأكثر فاعلية للمؤسسة يتمثل بتوفير البيانات والمعلومات التي تساعد وزارة العمل والمنصات الوطنية التابعة لها على تحسين عمليات الربط بين الباحثين عن عمل وأصحاب العمل، بما يرفع كفاءة السياسات التشغيلية.
وأضاف أن احترام الولاية القانونية لكل مؤسسة يمثل أساس نجاح العمل الحكومي، مشيرًا إلى أن إطلاق منصات تشغيل متعددة قد يؤدي لتشتيت الباحثين عن عمل وأصحاب العمل، وإرباك المؤشرات والإحصاءات الوطنية المتعلقة بسوق العمل.
وشدد، على ضرورة توحيد مرجعية الباحثين عن عمل، بحيث تبقى وزارة العمل الجهة صاحبة الاختصاص بملف التشغيل، مع قيام" الضمان" بدورها الداعم عبر المعلومات والخبرات وقواعد البيانات.
وأكد أن دمج منصة" فرصتك" ضمن إطار المنصة الوطنية للتشغيل التابعة لوزارة العمل سيكون خطوة أكثر فاعلية، ويعزز تكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن قوة المؤسسات لا تأتي من توسيع نطاق اختصاصاتها، بل من احترام القانون وتوزيع المسؤوليات بشكل واضح، بما يضمن خدمة المواطنين وتحقيق أهداف السياسات العامة.
بدوره قال رئيس بيت العمال حمادة أبو نجمة، إن تفعيل دور تأمين التعطل عن العمل يمثل خطوة إيجابية تعكس توجهًا نحو تطوير وظيفة هذا التأمين، بحيث لا يقتصر دوره على صرف بدل التعطل للمؤمن عليهم، وإنما يمتد لمساعدتهم بالعودة لسوق العمل، مشيرًا إلى أن هذا النهج يتوافق مع ما تطبقه العديد من الدول ضمن ما يعرف بسياسات سوق العمل النشطة.
وأضاف أبو نجمة أن نجاح هذه الفكرة يتطلب التعامل معها باعتبارها جزءًا من منظومة متكاملة، وليس مجرد منصة إلكترونية، موضحًا أن التجارب الدولية الناجحة تقوم على إطار تشريعي ومؤسسي واضح يحدد أدوار جميع الجهات المعنية، وآليات التنسيق وتبادل البيانات بينها.
وأشار إلى أن هذه المنظومة يجب أن تشمل خدمات التشغيل والتوجيه والإرشاد المهني، والتدريب وإعادة التأهيل، وتقييم المهارات، ومتابعة الباحثين عن العمل، إلى جانب تعزيز التنسيق مع أصحاب العمل لتوفير فرص مناسبة.
وأكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تتجه نحو بناء منظومة وطنية متكاملة للتعامل مع مشكلة البطالة، تشارك فيها" الضمان" و" العمل" وهيئة تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية ومؤسسة التدريب المهني ومكاتب التشغيل العامة والخاصة والقطاع الخاص.
وقال: إن الهدف يجب أن يكون تحويل تأمين التعطل عن العمل إلى أداة فاعلة تساعد المتعطلين على الانتقال السريع إلى فرص العمل، وليس الاكتفاء باعتباره نظامًا لتعويض الدخل خلال فترة التعطل.
وأضاف أن تفعيل التأمين بهذه الصورة يتطلب قيامه على مبدأ الحقوق والالتزامات المتبادلة، بحيث يحصل المتعطل على بدل التعطل وخدمات التشغيل والتدريب، مقابل التزامه بالتسجيل كباحث عن عمل، والمشاركة في برامج التأهيل عند الحاجة، والاستفادة من خدمات الإرشاد المهني، وقبول فرص العمل المناسبة وفق ضوابط واضحة.
وأوضح أن هذا النهج من شأنه أن يحول تأمين التعطل من أداة مؤقتة لتعويض الدخل إلى سياسة نشطة لإعادة دمج المتعطلين في سوق العمل بأسرع وقت ممكن، بما يحقق فوائد للعامل وأصحاب العمل، ويسهم في تعزيز استدامة نظام الضمان الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك