بعد سنوات طويلة من الجفاف وتراجع الإنتاج، دخل المزارعون التونسيون موسم حصاد الحبوب لسنة 2026 بآمال كبيرة، مدفوعين بموسم مطري استثنائي أعاد الحياة إلى السدود والحقول، ورسم توقعات رسمية ومحلية بمحصول وفير قد يخفف من اعتماد تونس على التوريد ويقلّص فاتورة واردات القمح.
غير أن مشهداً غير متوقع كان في انتظار آلاف الفلاحين عند دخول الحاصدات إلى الحقول؛ فقد اصطدمت الآلات في مناطق واسعة بسنابل بدت من الخارج مكتملة النمو، لكنها كانت شبه فارغة أو تحتوي على عدد قليل من الحبوب، وسط ترجيحات بجمع محصول أقل من 1.
4 مليون طن في أحسن الحالات، رغم توقعات متفائلة بتجميع 1.
9 مليون طن مع بداية الموسم.
وقال المزارع رضا الراجحي، في تصريح لـ" العربي الجديد"، إن الفلاحين يعيشون هذا العام موسماً استثنائياً تميز بوفرة الأمطار، لكن محصوله كان متواضعاً، معتبراً أن الإشكالية لم تعد مرتبطة بالمناخ وحده كما كان الحال خلال سنوات الجفاف، بل أصبحت مرتبطة بعوامل تقنية وهيكلية تمس أساس عملية الإنتاج.
وأكد الراجحي، الذي يمتهن الزراعة منذ أكثر من ثلاثة عقود، أن الأمطار وفرت الظروف الطبيعية اللازمة لإنجاح الموسم، لكن نوعية البذور المستعملة، إلى جانب جودة بعض المبيدات والأسمدة وبرامج المرافقة الفنية، ساهمت في ظهور سنابل لا تعكس الإمكانات الحقيقية للموسم.
وفي رأيه فإنه" قد تكون السنابل الفارغة نتيجة خلل في التلقيح، أو ضعف الخصوبة، أو عدم ملاءمة الأصناف المستعملة للظروف المحلية، فضلاً عن تأثير بعض الأمراض الفطرية أو الإجهاد الذي تتعرض له النباتات في مراحل حساسة من النمو".
وأعاد تواضع محصول الحبوب في العديد من المحافظات المنتجة النقاش حول التحولات التي عرفها قطاع البذور في تونس خلال العقود الماضية، بعدما فقدت البلاد تدريجياً جزءاً كبيراً من أصنافها المحلية التي كانت تتأقلم مع المناخ والتربة، وتتميز بقدرتها على مقاومة الأمراض والجفاف.
ورأى الراجحي أن منتجي الحبوب أصبحوا يعتمدون بشكل متزايد على بذور مستوردة أو هجينة أو مكاثرة، وهو ما جعل جزءاً مهماً من الإنتاج الوطني رهيناً بالسوق الخارجية والشركات المزودة للبذور.
وتابع: " الأصناف المحلية لم تكن مجرد تراث زراعي، بل كانت تمثل رصيداً وراثياً ثميناً تراكم عبر قرون، وسمح بإنتاج حبوب تتلاءم مع الخصائص البيئية التونسية، غير أن هذا الرصيد تراجع مع انتشار الأصناف التجارية الحديثة التي تستوجب في كثير من الأحيان استعمال منظومات إنتاج مكثفة تعتمد على الأسمدة والمبيدات والري".
وتراهن السلطات التونسية على موسم وفير للحبوب، إذ أعلنت وزارة الفلاحة أن تقديرات الإنتاج الأولية تشير إلى زيادة مهمة في المحصول مقارنة بالموسم الماضي.
وتكشف بيانات وزارة الفلاحة أن المساحات المزروعة هذا الموسم بلغت نحو 991 ألف هكتار، منها حوالي 950 ألف هكتار قابلة للحصاد، تتوزع أساساً بين القمح الصلب والشعير والقمح اللين.
وأشار الخبير في السياسات الزراعية، أنيس الخرباش، إلى أن الموسم لم يكن في حجم التوقعات المتفائلة، مرجحاً أن تكون تأثيرات التغيرات المناخية ونقص مستلزمات الإنتاج وراء ما وصفه بـ" السنابل الفارغة" أو ضعيفة المردودية.
وأكد خرباش، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن حجم الكميات المجمعة من محصول الحبوب لم يتجاوز 0.
8 مليون طن، رغم تقدم موسم الحصاد بنسبة تفوق 60% مع بداية شهر يوليو/ تموز الحالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك