تشخص العيون اليوم الخميس (9/7/2026) إلى شاشات التلفاز بانتظار المباراة بين منتخبي المغرب وفرنسا في بطولة كأس العالم.
وهي تفتح النوافذ على أكثر من مجرّد المتعة والحماسة الجماعية لطوفان من البشر، فهي ساحة لإثبات الحدود وفصل التشابكات وتحليل التداخلات بين ثقافات وحضارات وبنى ديمغرافية متحرّكة.
يحمل لاعبون في المنتخب الوطني المغربي جنسيات أجنبية، مثل الإسبانية والفرنسية والهولندية والإيطالية والبلجيكية والألمانية والكندية.
هذا الوضع القانوني في ازدواجية الجنسية لا يُحدث إشكالية في تمثيل المنتخبات، فهناك شيء اسمه تغيير الجنسية الرياضية (Sporting Nationality)، وهو مصطلح قانوني معتمد من الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) والهيئات الرياضية الدولية، ويعني انتقال اللاعب من تمثيل منتخب وطني معين إلى تمثيل منتخب وطني آخر يحق له اللعب ضمن تشكيلته بناءً على شروط محددة.
ربما تعيد المباراة المرتقبة فتح ملف الهُويّة والانتماء مجدّداً كما فعلت مباراة المغرب وهولندا.
فهذه الأخيرة لم تكن مجرّد مواجهة رياضية في بطولة كبرى.
في الظاهر هي تسعون دقيقة من التنافس، لكنها في العمق بدت كأنها اختبار غير معلن للانتماء، واستفتاء شعبي سريع على سؤال قديم يتجدّد في كل محطّة، لمن ينتمي أبناء المهاجرين في أوروبا عندما يتواجه بلد الميلاد مع بلد الأصل؟ فجأة، لم تعد الكرة تُلعب على المستطيل الأخضر فقط، بل على مساحة أكثر تعقيداً، ذاكرة الهوية.
ولم يعد السؤال عن المهارة أو النتيجة، بل عن الولاء، وكأن التشجيع صار دليلاً على المواطنة، أو برهاناً على فشل الاندماج.
ليس هذا التحوّل جديداً، لكنه يتكرّر بإصرار يكشف هشاشة النقاش الأوروبي حول الاندماج.
فبعد عقود من تحوّل الهجرة إلى جزء بنيوي من المجتمعات الأوروبية، لا يزال كثيرون يتعاملون مع أبناء المهاجرين بوصفهم مواطنين تحت الاختبار، عليهم أن يثبتوا انتماءهم في كل لحظة انفعال جماعي، حتى في مباراة كرة قدم.
هنا تُستدعى، على سبيل المجاز لا الحكم، مقولة عربية قديمة تتكلّم عن شيء مشابه في الظاهر ومختلف في السياق، " يصلّون وراء علي ويأكلون على مائدة معاوية".
وهي مقولة نشأت في ظروف مختلفة جذريّاً، لكنها تلتقط حالة إنسانية أوسع، الإنسان الموزّع بين أكثر من فضاء انتماء، أو الذي يُجبر على التوفيق بين عوالم لا تتطابق بالكامل.
فهل من الطبيعي أو من الأخلاقي هنا طرح هذا السؤال على أبناء الجاليات المهاجرة إلى بلدان أجنبية عن وطنها الأم؟لا تخلق كرة القدم أزمة الهُوية، بل تكشفها في لحظتها الأكثر عفويةتحويل هذه المقولة إلى حكم أخلاقي على أبناء المهاجرين تبسيط مُخلّ، فالمسألة لا تتعلق بنفاق أو ازدواجية قرار، بل ببنية اجتماعية تنتج هويات مركبة بطبيعتها.
الشاب الذي وُلد في أمستردام أو بروكسل أو باريس أو روما أو تورنتو لأبوين مغربيين لا يعيش انقساماً داخليّاً بقدر ما يعيش واقعاً طبيعيّاً لعصر الهجرة، هو ابن لغتين، وثقافتين، وذاكرتين، ومجالين عامّين أو أكثر في آن واحد.
غير أن المشكلة تبدأ عندما تُحوَّل هذه الازدواجية الطبيعية إلى" شبهة"، إذ يُطلب من هذا المواطن أن يُثبت، في كل مناسبة رمزية، أنه أوروبي بما يكفي، وكأن المواطنة ليست وضعاً قانونيّاً ثابتاً، بل اختباراً عاطفيّاً دائماً.
من هنا، تصبح مباراة كرة القدم لحظة مكثفة لهذا التوتر.
فحين يشجّع شابٌّ منتخب المغرب، يُسأل عن ولائه.
وحين يشجّع هولندا، يُسأل عن جذوره.
وكأنه في الحالتين مطالب بالخسارة الرمزية، إما أن يخسر ذاكرته أو يخسر اعتراف المجتمع به.
المفارقة أن المجتمعات الأوروبية نفسها تتبنّى خطاب التعدّدية الثقافية، وتحتفي بالاختلاف في المطاعم والموسيقى والفنون، لكنها تتردّد عندما يتحوّل هذا التعدّد إلى انتماء سياسي أو رمزي في المجال العام، فالتنوّع يصبح مقبولاً طالما بقي ديكوراً ثقافيّاً، لكنه يصبح مقلقاً عندما يظهر في لحظات الانفعال الوطني.
ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط.
فبعض الجاليات ساهمت، بدرجاتٍ مختلفة، في إنتاج عزلة ثقافية داخل المجتمعات الأوروبية، سواء بدافع الحماية أو الحنين أو ردة فعل على التمييز، لكن هذا لا يلغي حقيقة أوسع، أن البيئة السياسية والاجتماعية في أوروبا نفسها ما زالت تتأرجح بين منطقين متناقضين، الاحتواء والاشتباه.
فصعود الخطابات الشعبوية اليمينية في السنوات الأخيرة أعاد إنتاج صورة المهاجر بوصفه آخر دائماً، حتى لو وُلد داخل البلاد.
ومع كل أزمة اقتصادية أو أمنية، يُستدعى سؤال الهُوية أداة سياسية، ويُطلب من أبناء المهاجرين مجدّداً تقديم إثبات ولاء لا ينتهي.
لم تعد الهوية خياراً واحداً، بل تركيباً مفتوحاً على الزمن والتجربةوفي هذا السياق، تصبح كرة القدم مرآة لا سبباً.
فهي لا تخلق أزمة الهُوية، بل تكشفها في لحظتها الأكثر عفوية.
ما يحدث في المدرّجات ليس سوى انعكاس لتوتّرات أعمق تتعلق بالمواطنة، والاعتراف، وحدود الدولة القومية نفسها، فالدولة الأوروبية الحديثة بُنيت تاريخيّاً على افتراض تطابق الأمة مع الدولة، أي إنّ الانتماء السياسي يفترض انتماءً ثقافيّاً شبه متجانس، لكن الهجرة الواسعة خلال العقود الأخيرة كسرت هذا الافتراض، وفرضت واقعاً جديداً، مواطنون يحملون الجنسية نفسها لكنهم لا يحملون الذاكرة نفسها.
وهنا يظهر التناقض البنيوي، هل المطلوب هو الاندماج، أم الذوبان؟ هل المواطنة تعني المشاركة الكاملة في الحياة العامة، أم التخلّي عن الروابط الرمزية والثقافية مع الأصل؟ وماذا عن إرث الشحن التاريخي الناتج عن الاستعمار وسنواته المديدة وآثاره الباقية في العلاقة بين شعوب المنطقة وتداخل هذا في علاقة المهاجرين وبلدان الهجرة؟يجب ألا تتحوّل مباراة كرة قدم إلى محكمة للهُوية في أوروبا، فاختزال كل هذا التعقيد في سؤال تشجيع فريق كرة قدم هو تبسيط يظلم الظاهرة من جهتين، يظلم أبناء المهاجرين، ويظلم المجتمعات الأوروبية نفسها التي تعيش تحوّلاً عميقاً في تعريف الهُوية.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يحمل الإنسان أكثر من ذاكرة، بل في إصرار بعض الخطابات على أن الهُوية يجب أن تكون واحدة، صافية، ونهائية.
بينما الواقع يقول شيئاً آخر، إن الإنسان المعاصر يعيش داخل طبقات من الانتماء، تتقاطع ولا تتطابق دائماً.
ربما لهذا تبدو المقولة القديمة حاضرة، لكنها تحتاج إعادة قراءة، فليس كل من يجمع بين أكثر من انتماء يعيش ازدواجية أخلاقية، ولا كل من يتوزّع بين ذاكرة ووطن يعيش تناقضاً.
أحياناً، يكون هذا هو الشكل الطبيعي للوجود في عالم تحكمه الهجرة والعولمة والاختلاط المستمر.
والمجتمعات التي تنجح في المستقبل ليست التي تطلب من أفرادها الاختيار بين هوياتهم، بل التي تتعلم كيف تستوعب أن الهُوية نفسها لم تعد خياراً واحداً، بل تركيباً مفتوحاً على الزمن والتجربة.
أليس التنوّع الهُوياتي موجوداً أيضاً بين دول أوروبا وحتى ضمن إطار الدولة الواحدة بين مدينة وأخرى وبين ريفٍ ومدينة؟ هذا السؤال المتجدّد لا جواب له، سوى قبول هذه التعدّدية واعتبارها مصدر غنى إنساني وفخر وجمال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك