سلّطت الزيارة الرسمية التي أجراها سلطان عُمان هيثم بن طارق إلى فرنسا، في أواخر يونيو/حزيران 2026، الضوء على خصوصية السياسة الخارجية العُمانية في خليج عربي-فارسي تعصف به الحرب.
وفي خروج عن نهجها التقليدي القائم على الحياد والتكتم، تبنت مسقط مقاربة جديدة أثارت في البداية غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن يبدو اليوم أنها بدأت تؤتي ثمارها.
أربكت التصريحات المتكررة للمسؤولين العُمانيين الأوساط الدبلوماسية، المعتادة على دبلوماسية عُمانية تتسم بالهدوء والتكتم.
في خضم الحرب بين إيران والولايات المتحدة، نشر وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، في منتصف مارس/آذار 2026، مقال رأي في مجلة ذي إيكونوميست ندّد فيه بحرب مخالفة للقانون الدولي تقودها واشنطن وتل أبيب.
وقبل ذلك بقليل، كان قد انتقد، في مقابلة تلفزيونية، الخيار العسكري الأميركي-الإسرائيلي، معتبراً أنه أجهض المفاوضات التي كانت جارية في جنيف وكانت على وشك أن تكلل بالنجاح.
ويقول دبلوماسي معتمد في مسقط: " كان هذا الخطاب مختلفاً عن الخط الدبلوماسي الذي درجت عليه سلطنة عُمان إلى درجة أننا اعتقدنا في البداية أنه مبادرة شخصية من الوزير، قبل أن ندرك أن مسقط رفعت بالفعل من حدة لهجتها في هذا الملف".
عُمان تشدّد استراتيجتها الدبلوماسيةوهكذا، فإن سلطنة عُمان شددت بالفعل من استراتيجيتها الدبلوماسية.
ويقول أندرياس كريغ، الأستاذ في كلية دراسات الأمن التابعة لكينغز كوليدج لندن: " كان تصريح الوزير لافتاً لما اتسم به من مباشرة غير معهودة وفق المعايير العُمانية.
إذ لم تكتفِ مسقط بالدعوة إلى ضبط النفس، بل ذهبت إلى حد التحذير من مخاطر التصعيد الإسرائيلي والتأكيد على إخفاق الخيار العسكري".
غير أن هذا الانتقاد للولايات المتحدة فُسّر أيضاً على أنه محاولة لتجنيب السلطنة غضب طهران، التي وجهت ضربات قاسية إلى الدول الخليجية التي تؤوي قواعد عسكرية أميركية، وهو ما لا ينطبق على عُمان.
أما الضربات الإيرانية المحدودة التي طاولت السلطنة، فقد أحاطها الحرس الثوري بخطاب ملتبس، إذ حمّل الجيش الإيراني مسؤولية ما وصفه بأخطاء في تحديد الأهداف.
انتقاد للولايات المتحدة فُسّر أيضاً على أنه محاولة لتجنيب السلطنة غضب طهرانمن جهتها، حرصت مسقط على عدم تضخيم هذه الحوادث أو إحراج الإيرانيين، حتى عندما استهدفت طائرة مسيّرة ميناء الدقم الصناعي الاستراتيجي، الواقع على بعد ألف كيلومتر من مضيق هرمز.
كما أن برقية التعزية الرسمية التي بعثتها مسقط إلى الشعب الإيراني عقب مقتل المرشد علي خامنئي في قصف أميركي، ثم تهنئتها للمرشد الجديد، نجله مجتبى خامنئي، أثارت ردة فعل عنيفة من دونالد ترامب، الذي شتم السلطان هيثم.
غير أن هذا التوجه لا يقتصر على السعي إلى تحقيق توازن، تفرضه خصوصاً الجغرافيا، إذ تتقاسم السلطنة مع إيران منفذاً إلى مضيق هرمز عبر شبه جزيرة مسندم، بل يعكس أيضاً خروج مسقط من دورها التقليدي وسيطاً محايداً ومتكتماً.
ويضيف الدبلوماسي المعتمَد في مسقط: " لقد ولى زمن الدبلوماسية التي تُدار خلف الأبواب المغلقة".
ومع ذلك، فإن العلاقة مع واشنطن لم تبلغ حد القطيعة الكاملة.
من جهة، لم تسعَ السلطنة إلى نسف ما يشبه التوافق مع شركائها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، العالقين بين طرفي النزاع، وذلك رغم التوترات الواضحة مع الإمارات العربية المتحدة.
كما واصلت، على الأقل في خطابها الرسمي، الدعوة إلى إقامة منظومة أمن إقليمية.
لكنها، في المقابل، راحت تختبر تدريجياً حدود نهجها الدبلوماسي المغاير، مع الإبقاء على قنوات التواصل مع طهران.
ويقول أندرياس كريغ: " ترى مسقط أن نظاماً إقليمياً يقوم على هيمنة عسكرية أميركية-إسرائيلية، وعلى ممارسة ضغط دائم على إيران، لا يمكن أن يكون نظاماً مستقراً.
أما بالنسبة إلى أبوظبي والرياض، فيريان أن مسقط اختارت أن تشق طريقها بمفردها في القضايا الأمنية وذلك برفضها المجاهرة بمواجهة إيران، وإبقائها قنوات الاتصال مع طهران مفتوحة.
ومن غير المرجح أن تتبدد هذه التوترات قريباً".
وبينما أدركت القيادة السعودية أهمية الدور الوسيط الذي تؤديه عُمان، فإنها خشيت، لفترة من الزمن، أن يكون الدبلوماسيون العُمانيون يمارسون لعبة مزدوجة، أو أنهم يفتقرون إلى القدرة على الصمود.
في ظل الهجمات اللفظية التي شنّها دونالد ترامب، ومع تباين موقفها مع عدد من حلفائها في الخليج، وجدت مسقط نفسها، لفترة من الزمن، مستبعدة من المفاوضات التي أعقبت وقف إطلاق النار في مطلع إبريل/نيسان 2026.
وقد بلغ التوتر مع جيرانها، وبدرجة أكبر مع الولايات المتحدة، ذروته خلال الحرب، عندما شن ترامب هجوماً عنيفاً على السلطنة، مهدداً بـ" سحقها" إذا واصلت التفاوض بصورة منفردة مع طهران بشأن إدارة مضيق هرمز وفرض رسوم العبور فيه.
وكان ذلك تطوراً غير مسبوق بالنسبة إلى هذا البلد المستقر والذي يعد منذ سبعينيات القرن الماضي حليفاً تقليدياً للدول الغربية، حتى إن عائلة ترامب نفسها استثمرت فيه خلال السنوات الأخيرة.
من جهته، يرى عبد الله باعبود، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة واسيدا في طوكيو، أن مصدر انزعاج البيت الأبيض يكمن في رغبته الجامحة في إحكام السيطرة.
ويقول: " قنوات التواصل الدبلوماسي بين طهران ومسقط متينة، لكنها تثير أيضاً قلق واشنطن، التي لا تتقبل أن تتمكن دولة خليجية صغيرة من التأثير في مفاوضات تتعلق بملفات بالغة الحساسية، مثل مضيق هرمز والبرنامج النووي وخفض التصعيد العسكري، وذلك خارج نطاق سيطرتها".
وإذا كان نهج ترامب قائماً على عقد الصفقات والضغط المتواصل، فإن النهج العُماني يتسم بالتدرج والاحتكام إلى القانون، ويقوم تاريخياً على التكتم.
ويُفسر هذا التباين، إلى حد بعيد، التوتر القائم اليوم بين الطرفين.
ويقول أندرياس كريغ إن سلطنة عُمان مطالبة بإيجاد توازن جديد بين تحفظها التقليدي ودورها وسيطاً دولياً، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية: " في الفترات الهادئة، تشكل السرية التي تميز الدبلوماسية العُمانية مصدر قوة.
لكنها قد تتحول إلى نقطة ضعف في عالم تتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع.
لذلك سيكون على السلطنة أن تتكيف مع هذا الواقع من دون أن تفقد مصداقيتها.
فهي ليست بحاجة إلى رفع صوتها، بقدر ما تحتاج إلى أن تكون واضحة مع واشنطن وأوروبا ومجلس التعاون الخليجي بشأن حدود انخراطها مع إيران".
وسرعان ما مكّن الموقع الاستراتيجي الأساسي لعُمان، بوصفها شريكاً في إدارة مضيق هرمز، السلطنة من استعادة موقع محوري في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة.
وتؤكد مسقط أنها تواصل الحوار مع طهران بهدف ضمان حرية الملاحة وتجنب اندلاع الحرب وصون القانون الدولي، لا من أجل مساعدة إيران على إعادة صياغة قواعد الملاحة في مضيق هرمز.
ويُفسر هذا النهج البراغماتي استقبال عُمان، في 23 يونيو الماضي، وفداً إيرانياً برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
ويقول أندرياس كريغ: " تندرج هذه الزيارة في إطار مسعى إيراني للحفاظ على الدور الذي تفوم به سلطنة عُمان ضمن الهندسة الدبلوماسية التي أفرزتها مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران.
وتظهر زيارة قاليباف أن إيران ترى ثلاث فوائد في إشراك عُمان: الإبقاء على ملف مضيق هرمز مطروحاً على طاولة المفاوضات، واختبار مدى تقبل دول الخليج والدول الغربية لمطالبها، وتوجيه رسالة مفادها بأنها لا تنوي إغلاق الباب أمام أي مسار تفاوضي".
غير أن إيران، التي يبدو أنها استمدت ثقة إضافية من اعتقادها بأنها أجبرت الولايات المتحدة على التراجع، لا تكف عن اختبار مدى قدرتها على فرض إرادتها على جيرانها في الخليج.
وقد أثار نشر خريطة، أخيراً، من قبل هيئة إدارة الممر الملاحي في الخليج الفارسي، وهي مؤسسة إيرانية حديثة التأسيس، حالة من البرود في المفاوضات.
إذ تُظهر الخريطة أن المنطقة التي تعتزم إيران بسط سيطرتها عليها تمتد حتى السواحل العُمانية والإماراتية، في انتهاك واضح للسيادة البحرية لكلا البلدين.
وتعكس هذه الخريطة موقع القوة الذي باتت تتمتع به إيران، كما تعزز مخاوف الرياض وأبوظبي، اللتين تعتقدان أن طهران تسعى إلى إعادة تشكيل النظام البحري الإقليمي.
وتزداد حساسية المسألة مع محاولة إيران الإيحاء بأن مسقط شريكة في هذا التوجه.
غير أن أندرياس كريغ يوضح في هذا الصدد أنه" لا يمكن لمسقط أن تقبل بنظام بحري ينتهك القانون الدولي أو يقوض حرية الملاحة.
السلطنة تعتبر نفسها حارسة مضيق هرمز، لكن هذا الدور يعني ضمان حرية العبور، لا فرض رسوم على المرور، ولا منح إيران غطاءً قانونياً تستخدمه للضغط على الآخرين.
ولهذا وضعت الخريطة الإيرانية مسقط في موقف حرج: فمسقط مطالبة بمواصلة التفاوض مع إيران، مع التأكيد في الوقت نفسه أنها لن تضفي أي شرعية على مشروع إيراني يتجاوز حدوده".
القانون الدولي ركيزةً أساسيةومن خلال انخراطها الواسع في المفاوضات الإقليمية، ولا سيما عبر الأطر التابعة للأمم المتحدة، مثل المنظمة البحرية الدولية، أكدت سلطنة عُمان تمسكها بألا تحل القوة محل القانون.
ويتقارب نموذج إدارة الملاحة في مضيق هرمز الذي تدافع عنه مسقط مع تجربة مضيق ملقا، الذي يعد نموذجاً ناجحاً للتعاون بين سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا والذي أسهم في تسهيل التجارة الدولية.
غير أن المناقشات التي انطلقت في قطر بين الأطراف الإقليمية للتوصل إلى اتفاق دائم بشأن الملاحة في مضيق هرمز لا تزال تصطدم بخلافات قائمة.
ففي محاولة لاسترضاء شركائها، تدفع مسقط نحو اعتماد مساهمات مالية طوعية تخصص، في جانب منها، لتغطية الأضرار البيئية التي تتسبب فيها السفن، في حين تصر طهران على فرض رسم إلزامي على عبور المضيق.
ومن خلال تشديدها على المكانة المحورية للقانون الدولي، تنأى سلطنة عُمان بنفسها، من جهة، عن منطق القوة الذي تتبناه الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن جهة أخرى، عن النهج الإيراني.
وقد أتاح لها هذا التموضع استعادة علاقاتها مع عدد من الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم فرنسا، التي استقبلت السلطان هيثم في أول زيارة دولة له إليها يومي 28 و29 يونيو الماضي، بعد 37 عاماً من زيارة سلفه السلطان قابوس عام 1989.
ويقول عبد الله باعبود: " تمثل فرنسا بالنسبة إلى سلطنة عُمان شريكاً مفيداً، فهي فاعل حاضر في ملفات الأمن الإقليمي، كما أنها أقل استقطاباً من واشنطن.
وتمثل هذه العلاقة أيضاً وسيلة تؤكد من خلالها مسقط أن سياستها ليست انعزالية، بل مستقلة ومتنوعة ومنخرطة في القضايا الإقليمية".
أثبتت اتفاقيات الدفاع التي تربط دول الخليج بالولايات المتحدة أنها لم تتمكن من حمايتها من الرد الإيراني، الأمر الذي يجعل التفاهم مع الجار الإيراني خياراً يصعب تجنبهوبعد أن أظهرت القوة العسكرية حدودها، بدأت الدبلوماسية تستعيد تدريجياً موقعها.
وقد أثبتت اتفاقيات الدفاع التي تربط دول الخليج بالولايات المتحدة أنها لم تتمكن من حمايتها من الرد الإيراني، الأمر الذي يجعل التفاهم مع الجار الإيراني، رغم تعقيداته، خياراً يصعب تجنبه.
وفي هذا السياق، يبدو أن عُمان، شأنها شأن قطر، قد اختارت مساراً مغايراً لذلك الذي سلكه بقية حلفائها في الخليج، بينما تحاول السعودية تدارك تأخرها.
وفي هذا الإطار، كشف مصدر دبلوماسي عن التحضير لقمة مصالحة مع إيران، غير أن هذا الاحتمال لم يؤكد رسمياً حتى الآن.
أما الإمارات العربية المتحدة، فتبدو الخاسر الأكبر من هذا المشهد المعقد.
وبعدما تعرضت إلى قصف مكثف، وشهدت اضطراباً في تجارتها الدولية خلال الحرب، لا تزال أبوظبي مترددة في مراجعة خيارها القائم على التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، والأكثر منه مع إسرائيل، التي تعزز معها التعاون الاستخباراتي والأمني رغم ما يثيره هذا التوجه من تناقضات.
ورغم أن المرحلة الحالية تتسم بقدر من التهدئة مع إيران، يجسدها استئناف الرحلات التجارية بين دبي وأبوظبي وطهران، فإن استراتيجيات دول الخليج الست لا تزال بعيدة عن التوافق.
ويضيف المصدر الدبلوماسي في مسقط: " أنّ التحالف مع إسرائيل والولايات المتحدة يمثل طريقاً مسدوداً يفاقم عدم الاستقرار في المنطقة، ومسقط ترفض إضفاء الشرعية على هذه الهيمنة.
وأبرز ما كشفت عنه هذه الحرب أن القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة باتت تؤدي دوراً أكبر في حماية إسرائيل منه في الدفاع عن الدول الخليجية.
في أكثر من مناسبة، لم تُفعّل منظومات الدفاع الجوي عندما تعرضت منشآت عربية لهجمات، في حين كانت تعترض بصورة شبه منهجية الصواريخ المتجهة نحو إسرائيل.
بل أكثر من ذلك، يبدو أن خطة إعادة إعمار البنية التحتية الإيرانية، التي تبلغ قيمتها 300 مليار دولار والمنصوص عليها في مذكرة التفاهم، ستموّل، في جانب كبير، من خزائن دول الخليج.
على الإماراتيين أن يعيدوا النظر بجدية في تموضعهم الجيوستراتيجي.
فلا عودة ممكنة إلى ما كان عليه الوضع قبل الحرب، بعد أن أظهر نموذجهم الدفاعي حدوده".
وتدفع هذه المعطيات مجتمعة الرياض إلى إعادة ترتيب أولوياتها، كما تعزز قناعة مسقط بصواب خياراتها في السياسة الخارجية.
وبعدما لم تعد تتردد في مخالفة الولايات المتحدة، حتى وإن استجلب ذلك غضب دونالد ترامب، تبدو السلطنة اليوم متقدمة بخطوة على غيرها للمساهمة في إعادة رسم معادلات الأمن في الخليج العربي-الفارسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك