دعوة إلى الوسطية والاعتدال من قلب سمرقند مسقط رأس الإمام الماتريديالدكتور الضويني: المنهج المتوازن الذي أصله الإمام الماتريدي ضرورة لمواجهة التطرفمفتي الجمهورية: تراث الماتريدي أسهم في ترسيخ منهج الاعتدال والعقلانيةبمناسبة انعقاد المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية في طشقند يومي 7 و8 يوليو الجاري، عُقد اليوم، ضمن فعاليات اليوم الثالث للمنتدى، مؤتمر مستقل بعنوان: «تراث الإمام الماتريدي: أساس الوسطية والتسامح والعلم والمعرفة»، وذلك من قلب سمرقند، مسقط رأس الإمام.
ويعود اسم الإمام الماتريدي في هذا المؤتمر ليتصدر المشهد من جديد، ليس بوصفه شخصيةً من صفحات التاريخ، بل باعتباره رمزًا لمدرسة فكرية أسهمت في ترسيخ قيم الاعتدال، وإعلاء شأن العقل في فهم النص، وصياغة خطاب إسلامي متوازن امتد أثره عبر القرون.
ويجمع المؤتمر علماء وباحثين ومفكرين من مختلف دول العالم لإحياء تراثه واستلهام رؤيته في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، مؤكدًا أن الإرث العلمي للحضارة الإسلامية ما زال حاضرًا وقادرًا على الإسهام في بناء المستقبل.
وألقى الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني، عضو هيئة كبار العلماء والمستشار بمشيخة الأزهر، كلمةً أثناء الجلسة الافتتاحية، نقل من خلالها تحيات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وتمنياته للمؤتمر أن يؤتي ثماره، وتقديره العميق للجهود التي تبذلها جمهورية أوزبكستان في خدمة الحضارة الإسلامية، والعناية بالتراث العلمي لعلماء ما وراء النهر، وتعزيز التعاون العلمي والثقافي بين المؤسسات الإسلامية؛ بما يسهم في ترسيخ قيم الاعتدال، وإحياء الوعي الحضاري.
وأشار الدكتور الضويني إلى أن عنوان هذا المؤتمر: «تراث الإمام الماتريدي: المرجع في الاعتدال والعقلانية في الحضارة الإسلامية»؛ يستحضر صفحة مشرقة من صفحات الفكر الإسلامي، ويجمع بين أصالة التراث وضرورات الحاضر؛ فالإمام الماتريدي كان أحد المؤسسين للرؤية الحضارية الإسلامية، وإن استحضار هذا التراث اليوم ليس استدعاءً لصفحات من التاريخ، وإنما هو استثمار لمرجعية علمية راسخة قادرة على الإسهام في معالجة كثير من التحديات الفكرية والحضارية التي تواجه عالمنا المعاصر.
وأكد الدكتور الضويني أن الإمام أبا منصور الماتريدي كان من أبرز من قدموا قراءة عميقة للنصوص الشرعية، أظهرت مكانة العقل، والأخلاق، ووحدة الأمة في بناء الحضارة الإسلامية، فقد نظر إلى الوحي باعتباره موجهًا لحركة الإنسان في الحياة، وإلى العقل بوصفه أداة لفهم النصوص واستنباط مقاصدها، مما جعل مشروعه الفكري واحدًا من أهم النماذج التي أسهمت في ترسيخ الأسس الفكرية للحضارة الإسلامية.
وفي إطار مشروعه الحضاري، يقرر الإمام الماتريدي أن الله تعالى جعل العقل نعمة عظيمة ودليلًا يهتدي به الإنسان إلى معرفة المحاسن والمساوئ، ويميز به بين المحمود والمذموم، والمرغوب فيه والمنهي عنه.
ومن ثم، فإن العقل في تصوره ليس مجرد أداة للمعرفة، بل وسيلة لفهم مقاصد الشريعة، وبناء حضارة إنسانية متوازنة، تتكامل فيها الهداية الإلهية مع الاجتهاد العقلي، بما يحقق عمارة الأرض وصلاح الإنسان.
وقال: إذا تأملنا الرؤية الحضارية للإمام أبي منصور الماتريدي، نجد أنها قامت على جملة من المرتكزات الفكرية التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية، وجعلت من تراثه مرجعًا أصيلًا في الاعتدال والعقلانية.
وفي مقدمة هذه المرتكزات مكانة العقل؛ إذ لم ينظر إليه باعتباره خصمًا للنقل، وإنما جعله أداة لفهم الوحي، واستنباط مقاصده، وتنزيل أحكامه على واقع الناس.
ولذلك قرر أن: «أصل ما يعرف به الدين وجهان: أحدهما السمع، والآخر العقل»، مؤسسًا بذلك منهجًا علميًا يقوم على التكامل بين هداية الوحي وصحيح العقل، وهو المنهج الذي أسهم في ترسيخ الاستقرار الفكري، وإثراء الحركة العلمية في الحضارة الإسلامية.
وأكد فضيلة الشيخ أن الإمام الماتريدي أدرك أن الاختلاف في المسائل العلمية الدقيقة لا ينافي وحدة الأمة؛ فقد شهد علم الكلام عند أهل السنة تنوعًا في بعض فروع الاعتقاد، كما عرف الفقه الإسلامي اختلافًا في الفروع العملية.
ولم يكن هذا التنوع مدعاة للتنازع، بل كان مظهرًا من مظاهر الثراء الفكري والمرونة التشريعية التي أسهمت في ازدهار الحضارة الإسلامية، وأكدت قدرتها على استيعاب تعدد الاجتهادات في إطار وحدة الأصول والثوابت.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى أن تتولى المؤسسات العلمية والدينية مسؤولية إدارة الخطاب الحواري، بما يضمن سلامة الطرح، ورصانة الحجة، والإسهام في تحقيق الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي، وهي الغايات التي سعى الإمام الماتريدي إلى ترسيخها في مشروعه العلمي.
وأشار الدكتور الضويني إلى أن هذا المنهج المتوازن الذي أصله الإمام الماتريدي يمثل اليوم ضرورة حضارية وفكرية في مواجهة الغلو والتطرف من جهة، والانفلات الفكري والإلحاد من جهة أخرى.
وقال: ولا يفوتني في هذا المقام أن أنوه بما يوليه الأزهر الشريف من عناية كبيرة بتراث الإمام الماتريدي ومدرسته العلمية، إدراكًا لمكانتها في تاريخ الفكر الإسلامي، وإسهامها في حماية عقيدة أهل السنة والجماعة.
كما ألقى الدكتور محمد نظير عياد، مفتي الجمهورية، كلمة قال فيها: إن الحضارة الإسلامية قامت على أسس راسخة أرساها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فأسس مجتمعًا يقوم على قيم العدل، والمساواة، والرحمة، والتسامح، واحترام الإنسان، فانتقلت البشرية من واقع التنازع والفرقة إلى أمة موحدة، استطاعت أن تؤسس واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية.
وقال الدكتور عياد إن الله خص أوزبكستان بمكانة متميزة في تاريخ الحضارة الإسلامية، وهيأ لها موقعًا جغرافيًا فريدًا، فكانت ملتقى للحضارات، وجسرًا للتواصل بين الشرق والغرب، ومركزًا لتبادل العلوم والثقافات.
ومنذ دخول الإسلام إلى هذه البلاد، أصبحت أحد أهم روافد الحضارة الإسلامية، وأسهمت إسهامًا أصيلًا في ازدهارها العلمي والفكري، فاحتضنت مدارس علمية كبرى في كثير من بلدانها، مثل: سمرقند، وبخارى، وترمذ، وخوارزم، وتخرج فيها أعلام كبار في شتى العلوم والفنون، في الحديث والفقه وأصوله والتفسير والكلام واللغة وغيرها من العلوم المختلفة، ولا تزال آثارهم العلمية تمثل جزءًا أصيلًا من التراث الإسلامي والإنساني.
ومن بين أولئك الأعلام يسطع نور الإمام أبي منصور الماتريدي بوصفه أحد أبرز علماء ما وراء النهر، وأحد أعمدة الفكر الإسلامي الذين أسهموا في ترسيخ المنهج العقدي لأهل السنة والجماعة، ولم يقتصر أثره على الدفاع عن العقيدة فحسب، بل امتد إلى بناء رؤية فكرية متكاملة تقوم على التوازن بين العقل والوحي، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية، وإبراز المقاصد الحضارية للإسلام، فكان فكره نموذجًا فريدًا في الحضارة الإسلامية وفي تحقيق السلام.
وأكد أن تراث الإمام أبي منصور الماتريدي قد أسهم في ترسيخ منهج الاعتدال والعقلانية في الحضارة الإسلامية؛ إذ لم يقتصر عطاؤه على تقرير مسائل العقيدة والدفاع عنها، وإنما قدم رؤية معرفية متكاملة جمعت بين الوحي والعقل، وربطت بين الإيمان والأخلاق، وبين الفكر والعمران، بما أسهم في بناء نموذج حضاري وسطي، يجمع بين الثبات على الأصول والقدرة على الاستجابة لمتغيرات الواقع.
وأكد: إذا كانت الحضارة الإسلامية تقوم على أساس الوحدة ونبذ العنف والتشرذم، فهذا ما أكد عليه الإمام الماتريدي، ففي تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، يؤكد الأمر الإلهي بلزوم جماعة المسلمين، وينهى عن التفرق والاختلاف؛ لأن جماعة المسلمين هي سبيل الحق.
ويؤكد على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ﴾، فاتباع الصراط المستقيم يكون بالاجتماع على الحق، أما اتباع السبل المتفرقة فيؤدي إلى الاختلاف والابتعاد عن سبيل الله.
كما أن العقل نال مكانة كبيرة في فكر الإمام الماتريدي؛ إذ جعله قرينًا للوحي وأداة لفهم النصوص الشرعية، واستنباط الأحكام، وإدراك مقاصد الشريعة.
ولذلك أكد أن الوحي لا يفهم على وجهه الصحيح إلا بإعمال العقل، وأن الإمام الماتريدي لم يجعل العقل مستقلًا عن الوحي، بل قرر أن العلاقة بينهما علاقة تكامل وتعاضد، لا تعارض وتنافر؛ فالعقل، على الرغم من قدرته على إدراك كثير من الحقائق، والتمييز بين الحسن والقبيح، والمصالح والمفاسد، إلا أنه يظل بحاجة إلى هداية الوحي فيما يقصر عن إدراكه، وبهذا يتحقق التكامل بين نور العقل وهداية الوحي في توجيه الإنسان نحو الحق.
وقال: إذا كنا نجتمع اليوم لنؤكد أن تراث الإمام أبي منصور الماتريدي يمثل مرجعًا أصيلًا للاعتدال والعقلانية في الحضارة الإسلامية، فإن هذه الحقيقة تتجلى بوضوح في اختياراته وترجيحاته الكلامية، التي قامت على التوازن، والإنصاف، والبعد عن الغلو والإقصاء.
وأكد أن منهج الإمام الماتريدي أسهم في ترسيخ ثقافة الاعتدال، وحماية المجتمع الإسلامي من آثار التعصب والغلو، فهذا المنهج كان -ولا يزال- أحد المرتكزات الفكرية الداعمة لاستقرار الحضارة الإسلامية، ورسخ قيم التعايش بين المسلمين.
ومما يُذكر أن الإمام أبا منصور محمد بن محمد الماتريدي تُوفي عام 333 هجرية، وسنة مولده غير معلومة، ولكنه ولد في منطقة ماتريد بسمرقند، وهو أحد كبار علماء العقيدة الإسلامية ومؤسس المدرسة الماتريدية في علم الكلام.
ولد وعاش في مدينة سمرقند، التي كانت آنذاك من أهم مراكز العلم في العالم الإسلامي.
واشتهر بمنهجه الذي جمع بين النص والعقل، ودافع عن العقيدة الإسلامية بالحجة والبرهان، مع التأكيد على قيم الاعتدال والوسطية.
ومن أبرز مؤلفاته كتاب «التوحيد» و«تأويلات أهل السنة»، وانتشرت مدرسته في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، خاصة في بلاد ما وراء النهر والأناضول وشبه القارة الهندية، ولا تزال أفكاره تمثل إحدى أبرز المدارس العقدية لدى أهل السنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك