حين يُراد للدماء أن تتحول إلى أوراق مساومة في بازار السياسات العرجاء، وحين يُبتذل الوعد الذي قطعته جيوشٌ سمّتها بياناتُهم “عاصفة حزم” لتحالف عربي جاء تحت راية النصرة فإذا بها تغمس أكفّها في دماء من زعمت أنّها جاءت لحمايتهم، فإنّ المرء ليقف حائرًا أمام مشهدية العار التي تتجسّد اليوم في صفقةٍ يُراد لدماء قادةٍ وأبطالٍ ووجهاء جنوبيّين أن تكون ثمنًا لصفقة تبادل أسرى، وكأنّ أرواح أولئك الذين سقطوا بفعل أيادٍ إجرامية خرجت من رحم الميليشيات الانقلابية لم تكن سوى عملةٍ رخيصة تُدفع على موائد التسويات التي يُراد منها أن تخرج قوى التحالف من مستنقع الحرب وقد لفّها الخزي من كلّ جانب.
إنّنا إذ نقف اليوم على أطلال هذه الجريمة المركّبة، لا نملك إلّا أن نطلقها صرخةً مدوّية في وجه الوصاية السعودية والاحتلال اليمني، تلك القوى التي تجاوزت في فعلها هذا كلّ الشرائع السماوية والأعراف القضائية والقوانين الوضعية، حين حوّلت أحكام الإعدام القضائية النهائية الصادرة بحقّ خلايا إرهابية ثبت تورّطها في اغتيال قادةٍ مثل اللواء حوّاس وحراسة وزير الدولة محافظ عدن وآخرين جنوبيّين إلى مجرّد ملف يُفتح ويُغلق وفق ما تمليه حسابات الهزيمة المرّة التي يعيشها تحالفٌ نُسب إلى العروبة، أتى ليقطع يد الميليشيات الحوثية فإذا به يمدّ يده إليها في صفقاتٍ يُراد لها أن تبيّض وجهه القاتم أمام العالم وأسراه، ولو كان الثمن دماء من قال إنّه جاء لنصرتهم.
فيا أيّها التحالف الذي تدثّر بعباءة الشرعية زورًا وبهتانًا، هل بلغ بكم الضعف والخور والهوان أن تجعلوا من دماء قادتنا وأبطالنا مجرّد تفصيلة هامشية في دفتر حساباتكم السياسية؟ هل وصلت بكم الإهانة إلى حدّ أن تساووا بين دماء شهداء اغتالتهم أيادٍ آثمة، وبين عناصر إجرامية حُكم عليها بالإعدام، لتجعلوا هؤلاء القتلة أحرارًا طلقاء في صفقة تبادل الأسرى؟ أيّ منطقٍ أعوج هذا الذي تتعاملون به يا تحالف الانهزام مع دماء قادة وأبناء الجنوب؟ وأيّة عدالة تلك التي تفرّقون بها بين الدم والدم، فدماء أبنائكم غالية لا تُمسّ، ودماء قادة وأبناء الجنوب رخيصة تُباع وتُشترى في سوق النخاسة السياسية التي أقمتموها على أشلاء شعبٍ بأكمله؟إنّ هذه المهزلة التي تُساق اليوم في حقّ شعب الجنوب وقادته وأبطاله لهي وصمة عارٍ في جبين كلّ من شارك فيها أو سكت عنها أو برّرها، ذلك أنّ الجنوبيّين حين خرجوا قاطبةً لنصرة هذا التحالف، لم يخرجوا طمعًا في ماله ولا رغبةً في سلطته، بل خرجوا وفي قلوبهم يقينٌ أنّ من جاء تحت شعار استعادة دولة الجنوب وحماية الأرض المحرّرة وقطع يد الانقلاب لن يخذلهم ولن يتاجر بدمائهم، لكنْ ها نحن اليوم نرى بأمّ أعيننا كيف تحوّلت تضحياتهم إلى مجرّد بضاعة رخيصة في سوق التسويات، وكيف أُهينت أرواح قادتهم حين سُوّي بينهم وبين قتلتهم في معادلة عبثية لا تمتّ إلى العدالة بصلة، ولا تعرف من الشرائع إلّا أسماءها، ولا تفقه من القضاء إلّا شكله، أمّا جوهرها فهو الخيانة بعينها، تلك الخيانة التي يُراد لها أن تمرّ تحت عباءة إنهاء الأزمة وطيّ صفحة الحرب.
وإنّه ليحزننا ويؤلمنا ويفتّت أكبادنا أن نرى شرعية الفنادق وقد بلغ بها الانحدار أن تتخلّى عن أبسط واجباتها تجاه من ضحّوا لأجلها وحموا شرعيتها، فتتحوّل من جهة يُفترض أنّها حامية للدماء إلى جهة تساوم بها وتتاجر فيها وتجعلها لقمةً سائغة تُلقم للقتلة المجرمين، في مشهدية لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، ولم تقرأ عنها كتب الحروب في سوالف العصر الحديث، إذ كيف لحليف يدّعي النصرة وهزمَ الانقلاب أن يُخرج قتلته من السجون بقرار سياسي، متجاوزًا بذلك أحكام القضاء الذي يُفترض أنّه سلطة مستقلّة، متجاهلًا آلام الثكالى والأرامل والأيتام الذين لا يزالون ينتظرون القصاص العادل من قتلة آبائهم وأولادهم وأحبّائهم؟أيّها الجنوبيّون الصامدون، إنّ هذه اللحظة الفارقة في تاريخ نضالكم لتستدعي منكم وقفةً لا هوادة فيها، وقفةً تقول لمن راهن على أنّ نسيانكم للدماء ممكن، إنّ الدم لا يُنسى، وإنّ الجرح لا يلتئم على خيانة، وإنّ القائد بحجم حوّاس الذي اغتيل غدرًا لن يكون ثمنًا لصفقة يُراد منها أن تغسل عار الهزيمة عن جبين قوىً أثبتت الأيّام أنّها لم تكن يومًا إلّا وصايةً واحتلالًا، تلبس ثوب النصرة لتخفي تحته أنياب الغدر، وترفع شعار الحماية لتمارس تحت ستاره أبشع صور الانتهاكات بحقّ شعب أبيّ لم يركع إلّا لله، ولن يركع بعد اليوم لمن سوّل له الشيطان أن يجعل من دماء أبطاله سلعةً رخيصةً في سوق التسويات الانهزامية.
فلتسمعكم الدنيا أيّها الجنوبيّون، ولترتفع أصواتكم عاليةً مدوّية، تفضح هذا العار وتكشف هذا المستور، فما عاد السكوت ممكنًا، وما عادت المجاملة مقبولة، إذ إنّ في السكوت على هذه الجريمة قتلًا مضاعفًا للشهداء، أوّل مرّة بالرصاص الغادر، وثاني مرّة بالصفقات المخزية التي يُراد منها أن تدفن دماءهم تحت ركام المصالح السياسية، وفي الصمت على هذا العار إعلان ضمنيّ بأنّ دماءنا رخيصة، وهذا ما لم يكن ولن يكون، لا اليوم ولا غدًا ولا في أيّ يوم طالما أنّ في الجنوب أبطالًا لا تزيدهم المؤامرات إلّا إصرارًا، ولا تزيدهم الخيانات إلّا تمسّكًا بحقوقهم التي لن تسقط بالتقادم، ولن تذروها رياح التسويات الانهزامية التي لا تعرف من النصر إلّا اسمه، ولا تجيد من القتال إلّا الهروب منه إلى طاولات المفاوضات المخزية التي تُباع فيها الدماء وتُشترى الذمم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك