لا دراما هذه الأيام سوى بطولة كأس العالم، التي يلعب فيها الفريق المصري واحداً من أهم الأدوار وأكثرها إثارة على كل المستويات.
منذ أن بدأت المسابقة لم أترك مباراة تقريباً لم أشاهدها، من باب الاستمتاع بكرة القدم، نعم، رغم أنني لست من هواة تشجيع كرة القدم، ويمكن أن تمر عليَّ شهور وسنوات دون أن أشاهد مباراة متكاملة (باستثناء بعض المسابقات الدولية الكبرى مثل كأس العالم)، وبسبب الأهلي والزمالك وتعصب المصريين ضد بعضهم البعض بأقذع الألفاظ، بالإضافة إلى فساد المنظومة الكروية والرياضية لدينا، والمستوى الضحل لكرة القدم المحلية، فقد أقلعت من زمن طويل عن مشاهدة المباريات المحلية، وفي كل مرة أضطر فيها إلى مشاهدة مباراة أندم بشدة.
كنت أقول إنني شاهدت كل مباريات كأس العالم التي لُعبت حتى الآن، للاستمتاع بالتخطيط والتكتيك والمهارات الاستثنائية والروح القتالية التي لا يمكن أن تجدها في مسابقة أخرى، حيث يستميت الجميع هنا وكأنهم في حرب وجودية للدفاع عن أوطانهم، وليت الناس يعملون ويجتهدون في المجالات الأخرى كما يفعلون في كرة القدم، لكن الدافع الأول الذي شدَّني إلى مشاهدة المباريات هو الدراما الكونية الطبيعية التي تفوق خيال سوفوكليس وشكسبير وجورج لوكاس.
وكنت قد شاهدت قبل أسبوعين آخر حلقة من سلسلة أفلام «حرب النجوم» فلم أجد فيها ما وجدته في كأس العالم من تشويق وإثارة وتراجيديا.
ولكن الفارق كبير عندما تكون مجرد متفرج على الكوميديا فتضحك على خيبة الآخرين، أو على التراجيديا، فتبكي، من بعيد، متعاطفاً مع المهزومين، وبين أن تكون طرفاً في الدراما، بل شخصية أساسية فيها، رغم أنك لم تترك مكانك على الكنبة التي تشاهد من فوقها مباراة في قارة أخرى يتخاطف فيها بعض الشباب كرة تتقافز من قدم إلى أخرى.
مثلما يحدث في الأعمال الدرامية العظيمة تجد نفسك طرفاً أساسياً فيها، وكأن حياتك كلها تتوقف على مصير معركة البطل مع التنين أو فريق مصر مع الأرجنتين، حيث تتجسد كل معاني الأمل واليأس والنصر والهزيمة، وكأن مصير مصر والعالم كله قد بات معلقاً على نتيجة المباراة.
وكأن ذلك كله لا يكفي، لم يشأ المؤلف الأعظم أن يختم الدراما إلا من خلال نهاية تراجيدية تترك الأنفاس مقطعة والقلوب محطمة والعقول مشتتة يتملكها الغضب والإحباط من ألاعيب الأقدار (بالرغم من أن الفصل الأخير الذي يعود فيه التوازن والعدالة الشعرية إلى الكون لم يأتِ بعد، وإن كان سيأتي في نهاية المطاف بالتأكيد).
عن الألم بين الخيال والواقعفي الأعمال الخيالية تظل هناك مسافة آمنة تحفظ المرء من الانهيار تحت وطأة المأساة الكونية الكبرى، الموت، المرض، الهزيمة، الظلم، كلها من بديهيات الحياة التي يعيشها الإنسان كل يوم، والدراما تشفينا من هذه الأوجاع من خلال عمليات التخييل والتماهي والتأمل والانتصار المعنوي للحق والخير والجمال.
الفارق الآخر هو أن الدراما يمكن إعادة كتابتها، يمكنك أن تتجاوز النهاية المحزنة لرواية أو فيلم ما من خلال نهاية إضافية أو نص آخر يعيد تشكيل وقائعها، في الحياة لا يمكن أن تفعل ذلك: عندما تحل المأساة، فإن أكثر شيء محزن هو أن عقارب الساعة لا تعود إلى الورا، حين لا تستطيع أن تعوض لحظة الخسارة لأنه لا يوجد مباراة أخرى، لأنه لا يمكن أن تعيد المباراة، ولا رد الظلم أو تصحيح الأخطاء.
صحيح أن الفريق المصري تعرَّض لظلم تحكيمي صارخ، لاحظه العالم كله وتحدَّث عنه، وهذا في حد ذاته انتصار كبير لم نكن لنحلم به قبل كأس العالم، حيث كانت أقصى طموحاتنا أن نفوز بمباراة واحدة أو نتخطى مرحلة المجموعات.
وقد حقق الفريق المصري إنجازاً هائلاً لم يسبق له مثيل، وهذا وحده يكفينا للفرح لسنوات طويلة قادمة، ويمكننا أن نبني عليه حتى لا نعود مرة أخرى إلى المستوى الرياضي الذي كنا عليه.
ولو أننا هُزمنا من الأرجنتين بشكلٍ عادي لما انتابنا كل هذا الغم والحزن.
ولكن الحزن أيضاً حيلة نفسية لئيمة وخطيرة للتهرب من المسؤولية، فقد كانت المباراة في أيدينا، وكل قوى الظلم لم تكن لتفعل شيئاً لو أننا حافظنا على تماسك خطوطنا الدفاعية في الدقائق العشر الأخيرة، ولو أن الجهاز الفني لم يقم بهذه التغييرات السيئة التي أخرجت لاعبين جيدين وأدخلت بدلاء تركوا المساحات مفتوحة والخطوط مفككة، هذا التحليل العلمي تراجع أمام الحديث عن القرارات المنحازة التي اتخذها حكم المباراة وحكام الـVAR.
ولكن أتمنى أن نتمهل لحظة: لسنا أول ولا آخر فرقة تتعرَّض للظلم البين في مباراة كرة قدم.
حتى كأس العالم الحالي مليء بمباريات انتهت بشكل غير عادل بسبب قرارات التحكيم الظالمة أو الخاطئة، من الخطر أن نتصور أننا الوحيدون في الكون الذين تعرضنا للظلم، هذا جزء من الحياة ومن الدراما.
ولو كان لنا في الدراما عزاء فكل الأبطال يتعرضون للغدر والظلم، ولكنهم ينهضون ويقاومون وينتصرون في النهاية، والخطأ كل الخطأ أن نتصور أن العالم انتهى.
إنها مجرد مباراة كرة قدم، هل إذا لم يحتسب الحكم الهدف الأخير كنا سنفوز؟ ولو أننا فزنا هل كنا سنحصل على كأس العالم؟ ولو افترضنا أننا حصلنا عليه، فهل هذا سيعني أننا بالفعل لدينا كرة قدم ومنظمة رياضية عظيمة؟ والسؤال المؤلم سيظل دائماً: هل المؤامرة هي السبب في الهزيمة أم الأخطاء؟المعركة أكبر بكثير من مباراة الأرجنتين، والتحدي الأكبر لا يزال ينتظرنا، لكي نحول هذا الإنجاز إلى أمر اعتيادي، يتحقق مرة ومرات في السنوات القادمة.
الحياة أيضاً تعطينا فرصاً أخرى دائماً، الدراما الخيالية قد تنتهي مع السطور أو اللقطات الأخيرة، ولكن دراما الحياة مفتوحة دائماً، وهذا هو الدرس الذي تعلمه جيداً الشعوب العظيمة.
بمقدورنا أن نحول هذا الظلم وهذه الهزيمة (التي في حقيقة الأمر ليست هزيمة، بل انتصار كبير في عيون العالم كله)، يمكننا أن نحولها إلى دافع للعمل ولتحقيق إنجازات أكبر.
منذ أوزيريس، يعشق المصريون الآلهة المهزومين والمقتولين.
في كثير من العقائد الدينية، مثل العقيدة المصرية القديمة والمسيحية والفارسية والشيعية، فإن الهزيمة أقوى من الانتصار.
ببساطة لأنها انتصار معنوي روحي سامٍ أكبر من الانتصارات المادية سريعة الزوال، المشكلة تبدأ حين يفقد المرء إيمانه بأنه منتصر، وأن الانتصارات الأكبر قادمة لا محالة.
السؤال الآن: هل يمكن أن نحول الإحساس بالهزيمة إلى دافع وطاقة للانتصار؟ هذا هو السؤال الذي يتحتم على أي بطل درامي أن يجيب عليه في الفصل قبل الأخير من رحلته: أن يواجه أشباحه ومخاوفه الداخلية، وأن يعود من الهزيمة أكثر قوة وعظمة.
للفرح بما أنجزناه في كأس العالم سبب، وللحزن مما حدث سبب، فأيهما تختار؟ يقال في علم النفس إن المرء أو المجتمع يصنع سيناريو حياته بنفسه؟الحياة ليست انتصارات على طول الخط، والعدالة شحيحة في هذا العالم، كما يعلم كل طفل أغر.
ما حدث كان سيحدث في مباراة أو بطولة أخرى، ربما حدث مبكراً ولكنه كان يمكن أن يحدث في مرحلة المجموعات، أو في مرحلة أخرى قادمة.
نتعرَّض للظلم أو للانهيار في مباراة، فننهار حزناً ويأساً تحت وطأة الظلم، ولكن عزيزي القارئ، كل الفرق ظُلمت في لحظة أو أخرى من كأس العالم أو المسابقات الأخرى، وكل أبطال الدراما تعرَّضوا للظلم في مرحلة ما، ولكن هذا الظلم هو الدافع الحقيقي لوجود الأبطال والشعوب الكبيرة التي يمكنها أن تعيد التوازن إلى الكون وأن تعدل ميزان العدالة المائل.
كل انتصار لكم ولبلدنا وأنتم طيبون!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك