الإلحاح الشديد من معلقين عرب على تكرار أوهام الطلاق السياسي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتانياهو، أكثر الأشياء مدعاة للدهشة والسخرية، بعد الوهم الأكبر الخاص بترديد ثنائية الصهيوني الطيب والصهيوني الشرير.
مثل النار في حطب الكلام المجفف، انطلقت رواية الطلاق بين ترامب ونتنياهو في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية في سويسرا، فيما ذهب بعضهم إلى الصراخ بيقين إننا بصدد لحظة مفصلية في التاريخ، قرّر فيها الأميركي أن يدير ظهره للصهيوني، ويفتح ذراعيه لعناق تاريخي مع طهران، ينقذ المصالح الأميركية من نزق وجشع حكومة الاحتلال اليمينية المتطرّفة، بل وصل الأمر ببعضهم الآخر حد التغزّل في ترامب الجديد كليّاً، الذي لا يحب الحروب ويريد السلام.
هذه الحالة من الإفراط في خداع الجمهور، وربما خداع الذات، انهارت مع استعادة دونالد ترامب وجهه الحقيقي، وقبل ذلك استعادة حالة التوأمة بين المشروعين الإسرائيلي والأميركي، استباقاً للحظة العناق المنتظر في البيت الأبيض، حين يحل نتنياهو ضيفًا على رجاله المنزرعين في ردهات الإدارة الأميركية.
وكالعادة، وكما هو متوقع، عاد الأميركي يلعق توقيعه على المذكرات والاتفاقيات ذات الصلة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ويرجع إلى أصله وشخصيته الحقيقية وأسلوبه الأثير في الحوار، عن طريق الطائرات المقاتلة والصواريخ.
يبرّر ترامب ضرباته على المدن الإيرانية طوال اليومين الماضيين بمخالفة طهران ما اتفق عليه بشأن الحركة في مضيق هرمز، غير أنه بالنظر إلى ما جرى، ما قام به الإيرانيون، من وجهة نظرهم هو الردّ على خرق نص المادة الخامسة من مذكّرة سويسرا.
هل هو هرمز الذي أطار عقل ترامب المستعار ودفعه إلى ضرب إيران بأكثر من 20 ضعفاً مما جرى في هرمز؟الشاهد أن مبعث عودة جنون ترامب صدمة مشاهد تشييع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامئني الذي اغتالته الدفعة الأولى من ضربات العدوان الأميركي الصهيوني، إذ اكتشف دونالد ترامب أن الشعب الإيراني كله خرج يبكي استشهاد مرشده، ويرفع الأعلام الحمراء ويتوعد بالثأر من المعتدين ويعلن كراهيته أميركا وإسرائيل.
هنا وجد ترامب نفسه عارياً أمام مرآة أكاذيبه وأوهامه الخاصة بأن الإيرانيين كانوا ينتظرون ضربته الأولى، لكي يثوروا على النظام ويسقطوه ويستعيدون الشاه المجهز في ورش واشنطن.
كان المشهد كفيلاً بإصابة ترامب بلوثة القوة الباطشة من جديد، ليعاود إجرامه الذي يتغنّى به كلما نفذ واحدة من جرائمه، فيقصف الجسور وخطوط السكك الحديدية والمرافق العامة، كأن المقصود بالعقاب هذه المرّة هو الشعب وليس النظام.
هذا الشعب الذي لا يزال في أميركا الشيطان الأكبر ويحتشد خلف قواته التي تتحدّى الغطرسة.
على بعد أيام من زيارة نتنياهو المرتقبة البيت الأبيض، أطلع ترامب نتنياهو على آخر مستجدّات التحرّكات الأميركية في الخليج، والضربات الأخيرة على إيران.
وقبل هذا، شدّد ترامب على قوة الروابط بينه وبين الصهيوني، وهذه هي العلاقة الطبيعية الحقيقية بينهما، وكما كان الحال في الحرب على غزة، والحربين على إيران، تبقى كل الشواهد تؤكّد أن دونالد ترامب ليس إلا النسخة الأكثر فظاظة ووقاحة من بنيامين نتنياهو، وأن إدارته أكثر توحشاً وشراسة في تحقيق أحلام المشروع الصهيوني.
مرّة أخرى، لن تجد أصدق تعبيراً عن هذا الأمر من كلام المذيع الصهيوني المحافظ واين آلن روت" الرئيس ترامب هو أفضل رئيس بالنسبة لليهود ولإسرائيل في تاريخ البشرية (.
) واليهود في إسرائيل يعشقونه كما لو كان ملك إسرائيل".
وينبغي ألا ننسى أن قضية الولاء الكامل والدعم المطلق للكيان الصهيوني كانت محور حملة ترامب الانتخابية بمواجهة الديمقراطيين، وستبقى كذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك