شهد الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً تدريجياً في طبيعة الصراع بين إسرائيل وإيران، إذ انتقلت المواجهة من نمط الحرب بالوكالة إلى نمط أكثر تعقيداً يتمثّل في الضربات المباشرة المحدودة متعدّدة المجالات، والتي تشمل الأهداف الجوية والصاروخية والسيبرانية والاستخبارية.
وفي هذا السياق، برزت الضربات الإسرائيلية التي استهدفت أجزاء من المنظومات الدفاعية والبنية الصاروخية ومراكز القيادة والسيطرة الإيرانية تطوّراً نوعياً أعاد طرح سؤالين مركزيين: ما حجم القدرات الإيرانية المُتبقية؟ وإلى أي مدى ما تزال تشكّل عنصراً مؤثّراً في معادلات الردع الإقليمي؟تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها بأن تراجع القدرات العسكرية لا يعني انهيارها، بل يؤدّي غالباً إلى إعادة تشكيل أدوات الردع وأساليب الاستخدام ضمن إطار أكثر مرونة وتكيّفاً.
وعليه، فإنّ تحليل القوّة الإيرانية لا ينبغي أن يقتصر على الخسائر المادية المباشرة، بل يجب أن يشمل قدرة النظام العسكري الإيراني على إعادة الإنتاج، وإعادة التوزيع، وإحداث حالة من عدم اليقين الاستراتيجي لدى الخصوم.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل القدرات الإيرانية المتبقّية بعد الضربات، وتقييم انعكاساتها على البيئة الأمنية الإقليمية، واستشراف الدور الأمني المُحتمل للأردن في ظلّ تصاعد أنماط الحرب الهجينة وتعدّد ساحات الصراع.
يُعدّ مفهوم الردع (Deterrence) أحد الركائز الأساسية في نظريات العلاقات الدولية والاستراتيجية العسكرية، ويُعرّف بأنّه قدرة الدولة على التأثير في حسابات الخصم عبر دفعه إلى الامتناع عن السلوك العدائي نتيجة إدراك أنّ كلفته تفوق أيّ مكاسب محتملة.
ويقوم الردع على عنصرين رئيسيين: القدرة والمصداقية، حيث لا تكفي القوة العسكرية، بحدّ ذاتها، بل يجب أن تكون مقترنة بإدراك الخصم لجدّيتها واستعداد استخدامها.
وضمن هذا الإطار، يميّز الأدب الاستراتيجي بين نمطين رئيسيين من الردع: الردع بالعقاب الذي يقوم على تهديد الخصم بإيقاع خسائر جسيمة، والردع بالحرمان الذي يهدف إلى منع الخصم من تحقيق أهدافه عبر تقويض قدراته العملياتية.
لا يقتصر تقييم القوة الإيرانية على قياس حجم الخسائر، بل يمتد إلى تحليل قدرتها على إنتاج" أثر ردعي مستدام"وفي الحالة الإيرانية، يتجسّد الردع ضمن نموذج الردع غير المُتماثل، الذي يعتمد على مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية غير التقليدية، إضافة إلى أدوات الحرب السيبرانية وشبكات النفوذ الإقليمي.
ويهدف هذا النموذج إلى تعويض فجوة التفوّق العسكري التقليدي لصالح الخصوم الإقليميين والدوليين.
وعليه، لا يقتصر تقييم القوة الإيرانية على قياس حجم الخسائر، بل يمتد إلى تحليل قدرتها على إنتاج" أثر ردعي مستدام" يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي لدى الخصوم.
القدرات الإيرانية المتبقّيةتفيد تقديرات المصادر المفتوحة بأنّ إيران تعرّضت لضربات استهدفت مواقع عسكرية متعدّدة، شملت منظومات دفاع جوي وبنية صاروخية ومراكز قيادة.
غير أنّ غياب بيانات مستقلة يجعل تقدير حجم الخسائر النهائية محل جدل، ما يستدعي تبني مقاربة تحليلية تستند إلى الاتجاهات الاستراتيجية بدلاً من الأرقام المطلقة.
البرنامج النووي الإيراني: حتى في حال تعرّض منشآت البرنامج النووي لأضرار جزئية، فإنّ العنصر الحاسم يتمثّل في المعرفة التراكمية والبنية البشرية، وهو ما يجعل إعادة بناء البرنامج مسألة زمنية مرتبطة بالقرار السياسي والموارد وليس بالإمكانات التقنية فقط.
القوّة الصاروخية الباليستية: تمثّل القوّة الصاروخية الركيزة الأساسية للعقيدة العسكرية الإيرانية، إذ تعتمد عليها طهران بوصفها وسيلة الردع التقليدية الأكثر أهمية في مواجهة التفوّق الجوي لخصومها.
تكتسب هذه القدرات أهميتها في سياق عدم تكافؤ القوّة الجوية مع إسرائيل، وقد عملت إيران خلال العقود الماضية على تطوير منظومة صاروخية متنوّعة تشمل صواريخ قصيرة ومتوسّطة المدى، مدعومة بقاعدة صناعية محلية واسعة ومنشآت إنتاج وتخزين موزّعة جغرافياً.
إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني مسألة زمنية مرتبطة بالقرار السياسي والموارد وليس بالإمكانات التقنية فقطتستند هذه المنظومة إلى عدّة عناصر قوة، من أبرزها انتشار منصّات الإطلاق المتحرّكة، ووجود قواعد ومنشآت مُحصّنة تحت الأرض، وتعدّد مواقع التخزين والإنتاج، ممّا يجعل استهدافها بالكامل أمراً شديد الصعوبة.
وتشير تقديرات إلى وجود ما لا يقل عن خمس مدن صاروخية تحت الأرض، موزّعة في عدة محافظات إيرانية، منها كرمانشاه وسمنان وأصفهان، إضافة إلى قواعد في خورغو شمال بندر عباس وحاجي آباد، فضلاً عن مواقع أخرى قرب الخليج العربي.
كما يعتمد قطاع الصناعات الصاروخية الإيراني على شبكة تضم أكثر من 300 شركة تعمل مباشرة في برامج الصواريخ، ضمن منظومة صناعية أوسع تضم آلاف الشركات العاملة في مجالات الإلكترونيات والهندسة والمواد المتقدّمة، وهو ما يعزّز قدرتها على تعويض خسائرها تدريجياً.
أما حجم الترسانة الصاروخية، فما يزال محلّ تباين بين التقديرات.
فقد قدّر الجيش الإسرائيلي عدد الصواريخ الإيرانية بنحو 2500 صاروخ، في حين تفيد تقديرات أخرى بأنّ العدد قد يصل إلى نحو ستة آلاف صاروخ.
كما تفيد تقديرات بأنّ الضربات أدّت إلى تدمير نحو ثلث الصواريخ وإلحاق أضرار بجزء آخر منها، إضافة إلى اعتراض أكثر من 1500 صاروخ خلال العمليات العسكرية.
وبناءً على هذه التقديرات، يُرجّح أن إيران ما تزال تحتفظ بعدد معتبر من الصواريخ الباليستية وما بين 100–200 منصّة إطلاق قابلة للاستخدام.
وتبقى هذه التقديرات غير قابلة للتحقق المستقل، ما يستوجب التعامل معها بحذر منهجي.
وتعكس هذه الفجوة في التقديرات صعوبة التحقق المستقل من حجم الترسانة الإيرانية، وهو ما يفرض التعامل مع الأرقام بوصفها مؤشّرات تقريبية لا قيماً قطعية.
وعلى الرغم من الأضرار التي لحقت بمنشآت التصنيع وسلاسل الإمداد، فإنّ امتلاك إيران قاعدة صناعية دفاعية محلية يمنحها قدرة على إعادة إنتاج جزءٍ من خسائرها، وإنْ بوتيرة أبطأ نتيجة استمرار الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية.
وتُفيد المعطيات بأنّ الضربات الإسرائيلية أسهمت في إضعاف بعض مكوّنات القوّة العسكرية الإيرانية من دون أن تُحدث تآكلاً استراتيجياً شاملاً لقدرات الردع، إذ لا تزال تحتفظ قدرة عملياتية مُعتبرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، وإن بوتيرة وكثافة أقلّ ممّا كانت عليه قبل الحرب.
تمثل المسيّرات أحد أكثر أدوات إيران تطوّراً ومرونة، نظراً لانخفاض كلفتها وسهولة إنتاجهاالقدراتالمسيّرة: تمثل المسيّرات أحد أكثر أدوات إيران تطوّراً ومرونة، نظراً لانخفاض كلفتها وسهولة إنتاجها.
تشير بعض التقديرات إلى قدرة إنتاجية مرتفعة قد تصل إلى مئات أو آلاف الطائرات المسيّرة سنوياً أو شهرياً بحسب الطراز وخطوط الإنتاج، إلا أنّ هذه التقديرات لا تزال محلّ تباين.
القدراتالبحرية: على الرغم من أنّ تقديرات تشير إلى تدمير نحو 161 زورقاً وسفينة صغيرة، ما تزال إيران تحتفظ بقدرات بحرية غير مُتماثلة تشمل الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية، والغواصات الصغيرة، وتمثّل هذه الإمكانات الركيزة الأساسية لاستراتيجيتها في الحرب البحرية غير المُتماثلة، بما يتيح لها تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
وتكتسب هذه القدرات أهمية خاصة في سيناريوهات التصعيد المحدود، إذ تمنح إيران القدرة على تهديد الملاحة الدولية، وقد تسعى إلى رفع كلفة العمليات البحرية في سيناريوهات كهذه.
شبكاتالنفوذالإقليمي: لا تقتصر القوّة الإيرانية على القدرات العسكرية الوطنية، بل تشمل شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء الإقليميين.
وتشكّل هذه الشبكات إحدى أهم أدوات الردع غير المُباشر، لأنّها تتيح لطهران ممارسة الضغوط على خصومها من دون الانخراط المباشر في مواجهة شاملة.
ورغم تعرّض بعض هذه الشبكات لضغوط عسكرية وسياسية خلال الفترة الأخيرة، فإنّها ما تزال توفّر لإيران هامشاً مهماً للتأثير الإقليمي وإدارة الصراع بصورة غير مباشرة.
ورغم تراجع قدرات بعض الحلفاء نتيجة التطوّرات العسكرية أخيراً، ولا سيما في لبنان وسورية، ما تزال إيران تمتلك أدوات نفوذ فعالة، خصوصاً من خلال بعض الفصائل المسلّحة في العراق والحوثيين في اليمن، الأمر الذي يمنحها القدرة على مواصلة استراتيجية الردع غير المباشر.
القدراتالإلكترونيةوالسيبرانية: طوّرت إيران خلال السنوات الماضية قدرات ملحوظة في مجالي الحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية.
ففي المجال الإلكتروني تشمل هذه القدرات تشويش نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وتشويش الاتصالات، والحرب الكهرومغناطيسية، والخداع الإلكتروني.
أما في المجال السيبراني، فتتمثّل في تنفيذ هجمات على البنية التحتية الرقمية، وجمع المعلومات الاستخبارية، وشن عمليات التأثير الإعلامي والنفسي.
ومن المرجّح أن يزداد الاعتماد على هذه الأدوات مع تزايد الضغوط على قدراتها العسكرية التقليدية.
ومن المتوقّع أن تميل إيران بصورة متزايدة إلى تعويض جزء من تراجع قدراتها التقليدية عبر توسيع استخدام الأدوات السيبرانية والإلكترونية منخفضة الكلفة ومرتفعة التأثير، بما يجعل القدرات السيبرانية إحدى أكثر أدوات الردع الإيرانية فاعلية خلال السنوات المقبلة، نظراً لانخفاض كلفتها وصعوبة الرد عليها بالوسائل العسكرية التقليدية.
طوّرت إيران خلال السنوات الماضية قدرات ملحوظة في مجالي الحرب الإلكترونية والحرب السيبرانيةالقاعدةالصناعيةالعسكرية: تمتلك إيران قاعدة واسعة وخبرة متراكمة في الإنتاج المحلي، ما يمنحها قدرة نسبية على إعادة بناء جزءٍ من قدراتها العسكرية بمرور الوقت، وإن كانت سرعة ذلك ستتأثّر بحجم الأضرار واستمرار العقوبات والضغوط العسكرية.
كما تعتمد العقيدة العسكرية الإيرانية على مبدأ اللامركزية النسبية في بعض مكوّنات القيادة والسيطرة وتوزيع القدرات على مواقع متعدّدة، بما يعزّز قدرتها على امتصاص الضربات واستعادة جزء من كفاءتها العملياتية خلال فترات زمنية متفاوتة.
كم تحتاج إيران لاستعادة قدراتها؟يعتمد الزمن اللازم لاستعادة القدرات العسكرية الإيرانية على أربعة عوامل رئيسة: حجم الأضرار الفعلية، واستمرار الضغوط العسكرية، وقدرة الصناعات الدفاعية المحلية على تعويض الخسائر، وإمكانية الحصول على المكوّنات والتقنيات من الخارج.
ونظراً إلى غياب بيانات مستقلة ودقيقة حول حجم الأضرار، فإن أيّ تقدير زمني يبقى تقريبياً وليس حكماً نهائياً.
تفيد معظم التقديرات بأنّ إيران ستكون قادرة على تعويض خسائرها في الطائرات المُسيّرة بين عدّة أشهر وعام، نظراً إلى انخفاض تكلفة الإنتاج وامتلاكها خطوط تصنيع واسعة.
أما إعادة بناء جزء من مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق المتضرّرة فقد تستغرق ما بين عامين وثلاثة أعوام، إذا استمرّت القدرة الإنتاجية الحالية ولم تتعرّض منشآت التصنيع لضربات إضافية.
وفي المقابل، يُرجّح أن تحتاج منظومات الدفاع الجوي إلى فترة أطول قد تستغرق بين ثلاث وخمس سنوات، نظراً إلى تعقيد أنظمة الرادار والقيادة والسيطرة واعتماد بعضها على مكوّنات يصعب تعويضها بسرعة.
أما القدرات البحرية غير المُتماثلة، مثل الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة البحرية والألغام، فمن المتوقّع أن يكون تعويضها أسرع نسبياً مقارنة بالمنصات البحرية الأكبر.
تفيد معظم التقديرات بأنّ إيران ستكون قادرة على تعويض خسائرها في الطائرات المُسيّرة بين عدّة أشهر وعام، نظراً إلى انخفاض تكلفة الإنتاج وامتلاكها خطوط تصنيع واسعةأما البرنامج النووي، فإنّ سرعة استعادته لا تعتمد فقط على إعادة بناء المنشآت المتضرّرة، وإنما ترتبط كذلك بالقرار السياسي والموارد المالية ومستوى الضغوط الدولية.
لذلك، لن تكون قدرة إيران على استعادة كامل عناصر الردع متساوية في جميع المجالات، بل ستتم بصورة تدريجية ووفق أولوياتها العسكرية والاستراتيجية.
هل ما تزال إيران تشكّل تهديداً لدول المنطقة؟مع أنّ الضربات الإسرائيلية أخيراً ألحقت خسائر ملموسة بالبنية العسكرية الإيرانية، فإنّها لم تُفضِ إلى إزالة مصادر القوة الإيرانية أو إنهاء قدرتها على التأثير في البيئة الأمنية الإقليمية، بل أسهمت في إعادة تشكيل طبيعة التهديد وأدواته.
فما تزال طهران تحتفظ بقدرات صاروخية ومُسيّرة قادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، وإن بوتيرة وكثافة أقلّ ممّا كانت عليه قبل الحرب، كما لا تزال تمتلك قدرات بحرية غير مُتماثلة تسمح لها بتهديد الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز ورفع كلفة أيّ مواجهة بحرية.
وفي الوقت نفسه، تستمر شبكات النفوذ الإقليمي والقدرات السيبرانية والحرب الإلكترونية في توفير أدوات ردع غير مباشرة تمنح إيران القدرة على ممارسة الضغوط الأمنية والعسكرية من دون الانخراط في مواجهة تقليدية واسعة.
كما أنّ امتلاكها قاعدة صناعية دفاعية وخبرة تقنية مُتراكمة يمنحها إمكانية إعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية تدريجياً، الأمر الذي يجعل تأثير الضربات مؤثّراً في المدى القصير، لكنّه لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء عناصر القوّة الإيرانية على المدى المتوسط.
بناءً على ذلك، لا يشير مسار التطوّرات إلى تراجع جوهري في مستوى التهديد الإيراني، بقدر ما يعكس إعادة تشكيل لطبيعته وأدواته، مع انتقال تدريجي نحو نمط أكثر اعتماداً على الحرب الهجينة متعددة المجالات.
كيف يمكن مواجهة التهديدات الإيرانية؟إذا كان التهديد الإيراني يتجه بصورة مُتزايدة نحو الحرب الهجينة ومُتعدّدة المجالات، فإنّ مواجهته تتطلّب بدورها مقاربة دفاعية متكاملة تتجاوز الاعتماد على الوسائل التقليدية.
تفيد الحرب أخيراً بأنّ مواجهة التهديدات الإيرانية لم تعد تعتمد على امتلاك منظومات دفاع جوي متطوّرة فحسب، بل تتطلّب بناء منظومة دفاعية مُتكاملة متعدّدة الطبقات تشمل الإنذار المُبكر، والربط الشبكي للرادارات، والدفاعات الصاروخية، والحرب الإلكترونية، والدفاع السيبراني، والاستخبارات، والقيادة والسيطرة المُشتركة، بما يضمن سرعة اكتشاف التهديدات والتعامل معها بصورة منسقة.
مواجهة التهديدات الإيرانية لم تعد تعتمد على امتلاك منظومات دفاع جوي متطوّرة فحسب، بل تتطلّب بناء منظومة دفاعية مُتكاملة متعدّدة الطبقات تشمل الإنذار المُبكرأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أنّها قادت، في الأول من يوليو/ تموز 2026، حواراً أمنياً إقليمياً في البحرين بمشاركة قادة دفاع من 12 دولة، كما أعلنت إنشاء خلية تنسيق للدفاع الجوي في الشرق الأوسط لتبادل المعلومات والإنذارات المُتعلّقة بالتهديدات والاستجابة للحالات الطارئة، من البحرين ومصر والأردن والكويت ولبنان وعُمان وقطر والسعودية وسورية والإمارات واليمن.
الدور الأمني المُحتمل للأردنمن المرجّح أن يزداد الدور الأردني في مجالات الإنذار المُبكّر والمراقبة والدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخبارية، بالنظر إلى موقعه الجغرافي وشبكة علاقاته الإقليمية.
يقع الأردن في نقطة استراتيجية بين الخليج والعراق وسورية وفلسطين، ما يؤهله للإسهام في مراقبة المجال الجوي الإقليمي، ودعم منظومات الإنذار المُبكّر، وتعزيز أمن الحدود، ومكافحة التهريب والطائرات المُسيّرة، وتبادل المعلومات الأمنية والاستخبارية، وحماية خطوط الطاقة، والإسهام بصورة غير مباشرة في دعم الأمن البحري في البحر الأحمر، إضافة إلى تدريب القوات الصديقة.
أظهرت الأحداث أخيراً أهمية الدور الأردني في رصد الأهداف الجوية واعتراضها وخصوصاً الدفاع ضدّ المُسيّرات التي تعبر المجال الجوي الإقليمي.
ومن المتوقّع أن يزداد الاستثمار في هذا المجال في السنوات المقبلة.
يمتلك الأردن علاقات متوازنة مع معظم الأطراف الإقليمية والدولية، الأمر الذي يمكنه من لعب دور تنسيقي مهم في إدارة الأزمات الإقليمية.
ويشكّل الحفاظ على استقرار الأردن مصلحة استراتيجية لدول الخليج والغرب على حد سواء، ما يعزّز من أهمية دوره الأمني والسياسي.
التعاونالأردنيالخليجيفيالدفاعالجويوالأمنيشكّل التعاون الأمني والدفاعي بين الأردن ودول مجلس التعاون الخليجي إطاراً مؤسّسياً قائماً، وليس مجرّد إعلان سياسي، يستند إلى اللجان المشتركة وآليات التنسيق الأمني والعسكري، ويشمل مجالات التدريب، وتبادل المعلومات، وبناء القدرات، والتنسيق في مواجهة التهديدات الإقليمية المشتركة.
وقد أكدت الاجتماعات الوزارية الأردنية الخليجية في السنوات الأخيرة استمرار تطوير هذا التعاون، بما يعكس إدراكاً مُشتركاً لأهمية تعزيز الأمن الجماعي في المنطقة.
ويُعدّ مشروع تكامل الدفاع الجوي الخليجي (حزام التعاون) أحد أبرز نماذج هذا التعاون في منظومة الأمن الإقليمي، إذ يقوم على ربط الرادارات ومنظومات القيادة والسيطرة وشبكات الإنذار المُبكّر بين دول مجلس التعاون، بما يسمح بتحقيق إنذار مبكّر وتبادل فوري للمعلومات حول التهديدات الجوية والصاروخية.
ورغم أنّ الأردن ليس عضواً في مجلس التعاون الخليجي، فإنّه يتعاون مع دول الخليج والولايات المتحدة في مجالات الإنذار المُبكّر، وتبادل المعلومات، والتدريب، بما يعزّز من تكامل الجهود الإقليمية في مواجهة التهديدات المشتركة.
أظهرت الأحداث أخيراً أهمية الدور الأردني في رصد الأهداف الجوية واعتراضها وخصوصاً الدفاع ضدّ المُسيّرات التي تعبر المجال الجوي الإقليميوقد دفعت الحرب بين إسرائيل وإيران إلى تعزيز هذا التعاون بصورة أكبر، بعدما أبرزت أهمية التكامل بين أنظمة الدفاع الجوي والإنذار المبكّر في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة.
كما أسهم اعتراض الأردن مقذوفات وطائرات مُسيّرة عبرت مجاله الجوي في إبراز دوره شريكاً مهمّاً في منظومة الأمن الإقليمي، الأمر الذي عزّز الاهتمام بتوسيع التعاون الأردني–الخليجي في مجالات الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب المشترك، وحماية المجال الجوي.
ونفيد الاتجاهات الحالية بأنّ التعاون الدفاعي بين الأردن ودول الخليج مرشّح للتوسّع خلال السنوات المقبلة.
ومن المرجّح أن يشمل هذا التوسّع زيادة التدريبات المشتركة، وتبادل المعلومات الرادارية، وتطوير منظومات الإنذار المُبكّر، وتعزيز التعاون في مكافحة الطائرات المُسيّرة، التي أصبحت تمثّل أولوية أمنية مشتركة للأردن ودول الخليج، وحماية البنية التحتية الحيوية والطاقة، ما سيفتح المجال أمام مشاريع دفاعية مشتركة.
يتوقّع أن يصبح الأمن السيبراني أحد أهم مجالات التعاون الدفاعي المستقبلي بين الأردن ودول الخليج.
كما سيبقى الأردن شريكاً مهمّاً في مجالات التدريب العسكري وبناء القدرات وتطوير العقائد العملياتية.
ومن أبرز مجالات التعاون المستقبلية: تطوير الطائرات المسيّرة وإنتاجها، وأنظمة كشفها واعتراضها، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكري، والدفاع السيبراني، والذخائر الذكية.
دروس عسكرية مستفادة.
واستنتاجاتتتمثّل أبرز الدروس العسكرية المستفادة في أهمية التفوّق الاستخباري، وتكامل العمليات مُتعدّدة المجالات، وتراجع فعالية الدفاعات الجوية التقليدية أمام الهجمات مُتعدّدة الوسائط، وأهمية القدرات بعيدة المدى والضربات الدقيقة، وكذلك أهمية استمرارية العمليات (Operational Resilience) وقدرة القوات المسلحة على مواصلة القتال رغم استهداف مراكز القيادة والبنية التحتية.
تتمثّل سيناريوهات مستقبل البيئة الأمنية الإقليمية، عبر ثلاث مسارات: أولاً، سيناريو الاحتواء باستمرار الردع المُتبادل من دون مواجهة واسعة، وهو الأكثر ترجيحاً، سيناريو التصعيد باندلاع مواجهة إقليمية مُتعدّدة الجبهات باحتمالية متوسطة، وسيناريو إعادة التوازن من خلال تفاهمات أمنية جديدة تخفّف من احتمالات الصدام المباشر، والذي يتوقف على المسار السياسي.
ويظل تحقّق أيّ من هذه السيناريوهات مرهونًا بمستوى التصعيد العسكري، ومسار الجهود الدبلوماسية، ومدى انخراط القوى الدولية في إدارة الأزمة.
ويمكن تعيين الاستنتاجات التالية: أولاً، أثبتت الضربات الإسرائيلية أنّ تدمير جزء من البنية العسكرية الإيرانية لا يعني بالضرورة انهيار قدرتها على الردع، وإنما يؤدي إلى إضعافها وإبطاء قدرتها العملياتية وإعادة إنتاجها.
تمتلك إيران قاعدة صناعية دفاعية وخبرة تقنية مُتراكمة تمنحها قدرة نسبية على إعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية، وإن بوتيرة أبطأثانياً، ما تزال الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة والقدرات البحرية غير المُتماثلة والقدرات السيبرانية وشبكات النفوذ الإقليمي تمثّل الركائز الرئيسة للقوّة العسكرية الإيرانية.
ثالثاً، تمتلك إيران قاعدة صناعية دفاعية وخبرة تقنية مُتراكمة تمنحها قدرة نسبية على إعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية، وإن بوتيرة أبطأ نتيجة استهداف منشآت التصنيع واستمرار الضغوط والعقوبات.
رابعاً، أصبحت القدرة على الصمود وإعادة بناء القدرات العسكرية أحد أهم عناصر الردع في البيئة الأمنية الإقليمية، إلى جانب امتلاك القوة العسكرية نفسها.
خامساً، يتجه التهديد الإيراني بصورة مُتزايدة نحو الحرب الهجينة، التي تجمع بين القدرات التقليدية والعمليات السيبرانية والحرب الإلكترونية والوسائل غير المباشرة.
سادساً، أظهرت الحرب أنّ طبيعة الصراع في الشرق الأوسط تتجه بصورة متزايدة نحو الحروب متعدّدة المجالات، التي تدمج العمليات الجوية والصاروخية والسيبرانية والإلكترونية والاستخبارية في إطار عملياتي واحد.
تحتاج دول المنطقة إلى بناء منظومات دفاعية متكاملة متعدّدة الطبقات تقوم على التكامل بين الدفاع الجوي، والإنذار المُبكّر، والاستخبارات، والحرب الإلكترونية، والدفاع السيبرانيسابعاً، يتّجه ميزان القوى الإقليمي بصورة مُتزايدة نحو المنافسة في مجالات الإنذار المبكّر، الاستطلاع والاستشعار، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والدفاع السيبراني، أكثر من اعتماده على التفوّق العددي في الأسلحة التقليدية.
ثامناً، تحتاج دول المنطقة إلى بناء منظومات دفاعية متكاملة متعدّدة الطبقات تقوم على التكامل بين الدفاع الجوي، والإنذار المُبكّر، والاستخبارات، والحرب الإلكترونية، والدفاع السيبراني.
تاسعاً، يمتلك الأردن مقوّمات تؤهله للاضطلاع بدور أمني إقليمي مُتزايد الأهمية، مُستفيداً من موقعه الجغرافي، وخبرته العملياتية، وشبكة علاقاته الإقليمية والدولية.
عاشراً، من المرجّح أن يتوسّع التعاون الدفاعي بين الأردن ودول الخليج، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي، والإنذار المبكّر، ومكافحة الطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية.
أظهرت الضربات أنّ امتلاك قاعدة صناعية دفاعية وطنية أصبح أحد أهم عناصر الصمود العسكري، إذ يحدّد قدرة الدولة على تعويض خسائرها والمحافظة على استمرارية الردع خلال النزاعات الممتدة.
تُفيد المُعطيات الراهنة بأنّ المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الأمنية والاستراتيجية.
فبينما تسعى إسرائيل إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية وإضعاف أدوات الردع التي تمتلكها طهران، فإنّ إيران ما تزال تحتفظ بعناصر قوّة مهمّة تمكّنها من التأثير في البيئة الأمنية الإقليمية.
وفي هذا السياق، يبرز الأردن أحد الأطراف الأكثر قدرة على المساهمة في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين من خلال موقعه الجغرافي وقدراته العسكرية وعلاقاته السياسية المتوازنة.
كما أنّ التطوّرات الجارية ستدفع، على الأرجح، نحو تعميق الشراكات الدفاعية بين الأردن ودول الخليج، بما يسهم في بناء منظومة أمنية أكثر قدرة على مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية في المستقبل.
ومن المرجّح أن يشهد الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة انتقالاً من سباق التسلح التقليدي إلى سباق في مجالات الدفاع الجوي المتكامل، والحرب السيبرانية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، وهو ما يفرض على دول المنطقة، وفي مقدّمتها الأردن، الاستثمار في بناء قدرات تكنولوجية واستخبارية متقدمة إلى جانب الحفاظ على جاهزية قواتها المسلحة.
وفي هذا السياق، لن يتمثّل التحدّي الرئيس أمام دول المنطقة في مواجهة ما تبقى من القدرات العسكرية الإيرانية فحسب، وإنما أيضاً في التكيّف مع بيئة أمنية تتسم بسرعة إعادة بناء القدرات، وتزايد الاعتماد على الحرب الهجينة، واتساع أهمية التكامل الدفاعي الإقليمي بوصفه الركيزة الأساسية للحفاظ على الاستقرار والردع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك