عندما أغلقت إيران مضيق هرمز ورفعت مستوى التهديد للملاحة الدولية خلال الحرب أخيراً، لم تكن تستخدم مجرد ممرّ بحري، بل كانت توظف أهم ورقة ضغط استراتيجية تمتلكها في مواجهة الولايات المتحدة.
فالمضيق لم يعد مجرّد موقع جغرافي، وإنما أداة قادرة على إحداث آثار اقتصادية عالمية مباشرة، بدءاً من ارتفاع أسعار النفط، مروراً بزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وانتهاءً بارتفاع معدّلات التضخم في الاقتصادات الغربية، وفي مقدمتها الاقتصاد الأميركي حتى إن الرئيس ترامب عبر صراحة عن قلقه من أن يلقى مصير الرئيس الأميركي هيربرت هوفر الذي حدث في عهده الكساد الكبير وانهيار سوق الأسهم عام 1929.
ولعل المفارقة اللافتة أن ورقة هرمز أثبتت، من حيث النتائج السياسية فعالية أكبر من البرنامج النووي الإيراني نفسه، الذي استثمرت طهران فيه عشرات المليارات، وتحمّلت حزمة من العقوبات سنوات طويلة بسببه.
أما مضيق هرمز، فقد نجح في فترة قصيرة في إحداث ضغط اقتصادي كبير دفع واشنطن إلى إعادة حساباتها، وأسهم في تهيئة الظروف لوقف العمليات العسكرية والانتقال إلى مسار التفاوض.
بهذا المعنى، تحوّل المضيق إلى أهم أدوات القوة الإيرانية، وربما أكثرها تأثيراً في صناعة القرار الأميركي.
ولكن نجاح أي ورقة ضغط يحمل في داخله بذور مشكلة جديدة، وهي الاعتماد المفرط عليها، فكلما أثبتت الأداة نجاحها، زادت الرغبة في استخدامها مرّة بعد أخرى، حتى تتحول من خيار ضمن مجموعة خيارات إلى الخيار الوحيد تقريباً.
وهنا المعضلة الإيرانية.
فبدلاً من أن يكون مضيق هرمز إحدى أوراق القوة الإيرانية، بدأ يتحوّل تدريجياً إلى الورقة الأساسية التي يصعب على طهران التفاوض أو التصعيد بعيداً عنها.
وكأن إيران أصبحت ترى أن أي ضغط حقيقي على الولايات المتحدة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر التهديد بالمضيق أو استخدامه.
وهذا النوع من الاعتمادية الاستراتيجية يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يجعل الدولة أسيرة لأداتها الناجحة، بدلاً من أن تبقى هي المسيطرة عليها.
ولهذا السبب، بدأ مراقبون يتساءلون عما إذا كانت القيادة قد بالغت في توظيف ورقة هرمز، وهل أصبح الاعتماد عليها يفوق قدرتها الفعلية على تحقيق مكاسب جديدة؟ فالأداة التي تحقق نجاحاً في مرحلة معينة قد تتحوّل، مع الوقت، إلى عبء إذا أصبحت متوقعة، أو إذا تمكن الخصوم من بناء تحالفات واستراتيجيات للتعامل معها.
القوة الصلبة، مهما بلغت فعاليتها، تحتاج دائماً إلى قوة ناعمة تبرّرها وتفسّرها وتحشد التأييد لهاوفي المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة بدأت تستوعب هذا التحول، فبالإضافة إلى استخدام الخيار العسكري المباشر، أخذت تعمل على بناء جبهة دولية حول قضية حرية الملاحة في مضيق هرمز، كما انعكس هذا في بيان حلف شمال الأطلسي (ناتو) في اجتماعه أخيراً في أنقرة الذي طالب إيران بفتح مضيق هرمز وحرية الملاحة الدولية فيه، علماً أن الحلف كان ومنذ بداية الأزمة مجرّد مراقب للحرب.
ولم يعد الأمر مقتصراً على الموقف الأميركي، بل بدأت تتشكل مواقف غربية وإقليمية أكثر تشدّداً تجاه استخدام المضيق ورقة ضغط سياسية، كما في الموقفين البريطاني والفرنسي، الذين فضلوا عدم الانخراط المباشر في السابق أعلنتا استعدادهما لحماية المصالح العُمانية في المضيق، في إشارة إلى أن أي تصعيد هناك لم يعد يُنظر إليه خلافاً أميركياً إيرانياً فقط، وإنما قضية تمسّ الأمن الإقليمي والدولي.
كما أن دول الخليج، التي كانت، منذ البداية، ترفض إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه، تجد نفسها اليوم أكثر تقارباً مع هذا الموقف الدولي، فاقتصادات هذه الدول تعتمد مباشرة على استمرار تدفق التجارة والطاقة عبر هرمز، ولذلك تنظر إلى أي تصعيد طويل الأمد تهديداً لأمنها الاقتصادي قبل أي شيء آخر.
وحتى عُمان، التي حافظت تاريخياً على علاقات قوية مع إيران منذ السبعينيات، تبدو أقل ارتياحاً لما تعتبره استخداماً متزايداً للمضيق أداة للصراع، واتخذت موقفاً يطالب بحماية السفن التجارية وضمان سلامة العبور.
ومن هنا يصبح من الصعب افتراض أن جميع الشركاء التقليديين لطهران سيستمرّون في تفهم سياساتها في المضيق إذا تحوّلت إلى مصدر دائم للتوتر.
وزادت هذه التحدّيات بعد استهداف ثلاث سفن داخل المياه الإقليمية العمانية، وهي خطوة دفعت إلى التساؤل حول ما إذا كانت إيران بدأت تقع في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه الولايات المتحدة خلال حربها على إيران، عندما اعتمدت بصورة مفرطة على القوة العسكرية، معتقدة أن استخدامها المتواصل سيحقق الأهداف السياسية المرجوة.
كذلك أهملت الولايات المتحدة حلفاءها الأوروبيين وذهبت إلى الحرب بدونهم، والآن تخسر إيران مقرّبين تقليديين لها مثل عُمان.
الاعتماد المفرط على أداة واحدة، مهما كانت فعّالة، قد يؤدّي إلى تآكلها وقد تتحول مع الوقت من مصدر قوة إلى مصدر هشاشةلقد اكتشفت واشنطن آنذاك أن التفوّق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق النصر السياسي، خصوصاً عندما يغيب السرد الذي يمنح استخدام القوة شرعية دولية.
واليوم تبدو إيران معرّضة للمأزق نفسه.
فالتصعيد العسكري في المضيق لا ترافقه حتى اللحظة رواية سياسية أو قانونية قادرة على إقناع المجتمع الدولي بشرعية هذا السلوك أو ضرورته، فالقوة الصلبة، مهما بلغت فعاليتها، تحتاج دائماً إلى قوة ناعمة تبرّرها وتفسّرها وتحشد التأييد لها.
وعندما تغيب هذه الرواية، قد تتحوّل القوة العسكرية إلى عبء سياسي أكثر منها مصدر قوة.
وهنا المفارقة الكبرى، فإيران التي نجحت في تحويل مضيق هرمز إلى مصدر قوة خلال الحرب، تواجه اليوم خطر أن يتحول المضيق نفسه إلى مصدر تقييد لحركتها السياسية.
فكلما ازداد اعتمادها عليه، تقلصت خياراتها الأخرى، وازدادت قدرة خصومها على توقع سلوكها وبناء التحالفات اللازمة لتحييد هذه الورقة.
من جهة أخرى، تواجه إيران خطر تأقلم الاقتصاد العالمي مع ارتفاع أسعار النفط إذا أغلق المضيق فترة طويلة، فقد وصل سعر برميل النفط اليوم في ظل التوتّر وقصف الناقلات إلى 79 دولاراً فقط، في حين أن سعر البرميل قد وصل إلى 120 في الأيام الأولى من الإغلاق قبل أربعة أشهر، ما يشير إلى حالة من التأقلم لأسعار الطاقة خلال أربعة أشهر.
يذكر أن سعر برميل النفط وصل في عهد إدارة بايدن بدون الحرب إلى 138 دولاراً.
وهكذا يصبح السؤال المطروح اليوم أكثر عمقاً من مجرّد مستقبل الملاحة في هرمز: هل لا يزال المضيق أسيراً لإيران، أم أن إيران نفسها أصبحت أسيرة للمضيق؟ فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على امتلاك أوراق القوة، وإنما أيضاً بقدرتها على تنويع أدواتها وعدم الوقوع في أسر الورقة التي صنعت نجاحها، فالاعتماد المفرط على أداة واحدة، مهما كانت فعالة، قد يؤدّي إلى تآكلها وقد تتحول مع مرور الوقت من مصدر قوة إلى مصدر هشاشة، ومن عنصر ردع إلى قيد استراتيجي يحد من حرية الحركة وصناعة القرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك