بعد أيام، تحل الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل الكاتب المغربي محمد زفزاف (توفي في 13 يوليو/ تموز 2001).
كاتب عرف دائما أن الكتابة هي الجسارة على قول ما تريد قوله.
ولهذا ما يزال حضوره يتجدد مع كل قراءة جديدة.
أدرك زفزاف، وهو القادم من الضاحية السفلى لليتم، أن الإصغاء إلى الهامش هو الاعتراف المثالي والمشبع بالذات، وأن أعظم الروايات- هو الذي كان قارئا نهما لأعمال إرنست همنغواي وجيمس جويس وفرانز كافكا ووليام فولكنر- قد تبدأ من زقاق ضيق، أو من بيت واطئ، أو من أي معجزة صغيرة لم يفلح اليقين في تجميع هيكلها العظمي.
ولهذا تمكن من لفت الانتباه إليه في أواخر ستينيات القرن الماضي، لأن النقاد- بمن فيهم الأيديولوجيون- اعتبروه الكاتب الذي" اخترع" الرواية المغربية دون منازع، وجردها من ثياب البلاغة الثقيلة التي كانت سائدة حينذاك، وخرج بها من كتب النحو إلى فضاءات أخرى أقل استقامة وأكثر واقعية، مثل الأرصفة والحانات والبيوت الواطئة.
كما ألبسها وعيا جماليا صارما حد العفوية الخادعة، خاصة أنه لم يكن يؤمن بالزخرفة البلاغية، إدراكا منه للقوة الكامنة في الجملة العارية، وفي استعارات المقام التي لا تتباهى بالكلمة قدر تباهيها بالحبكة والبناء والفضاء (المكان/ الزمان/ الشخصيات).
ولهذا كانت نصوصه تترك أثرها العميق في القراء من غير ضجيج.
أيها الجحود لن تكون لك لغتيمن هذا الوعي الجمالي، ولدت أعمال ستغدو علامات فارقة في السرد المغربي: " أرصفة وجدران"، " المرأة والوردة"، " قبور في الماء"، " بيوت واطئة"، " الأفعى والبحر"، " بيضة الديك"، " محاولة عيش"، " الثعلب الذي يظهر ويختفي"، " أفواه واسعة"، " الملاك الأبيض"، " الشجرة المقدسة"، " غجر في الغابة"، و" ملك الجن"؛ وهي الأعمال التي قالت، بمستويات مختلفة، ما لا يجرؤ على قوله أحد.
ذلك القول الذي يصرخ في وجه المؤسسة الرسمية وجميع الأوهام المعتادة: " أيها الجحود لن تكون لك لغتي! ".
قالت ذلك في زمن كانت الرواية العربية تميل إلى البطولة والخطابة والأفكار الكبرى، بينما اختار هو أن ينصت إلى المهمشين في انغماسهم العاثر في اليومي.
لم يُقدّم زفزاف أبطالاً رومانسيين بل انتصر للشخصيات الهامشيةلم يبحث محمد زفزاف عن الأبطال الخارقين أو الرومانسيين، وإنما عن أولئك الأبطال الإشكاليين خائري القوى الذين لا تمل هممهم من مقارعة العلو (العامل/ العاهرة/ بائع السجائر/ البحّار/ العاشق المهزوم/ الموظف الصغير/ المهاجر.
إلخ)، أي كل أولئك الذين كانوا يصنعون من" الانحناء القسري" برنامجا حيويا للعيش على وزن" بذل قصارى الجهد".
ومع أن زفزاف هو الكاتب الذي" مغرب" اللغة (مع إدريس الخوري)، بمعجمها وتراكيبها، وكساها بألسنة الناس البسطاء واستعاراتهم، كانت المفارقة الأكثر إيلاما في سيرته أنه الكاتب الذي لم ينل في حياته ما يوازي أثره الأدبي الحقيقي، إذ عاش بعيدا عن التكريمات الكبرى، ولم تمنحه المؤسسات الثقافية ما يليق بقامته، بينما كانت أعماله تشق طريقها إلى الجامعات، وتُترجم إلى لغات أجنبية، ويُنظر إليه في الأوساط النقدية العربية بوصفه" حالة أدبية كاملة" في النصف الثاني من القرن العشرين.
لم يكن انكماشه في الظل غريبا.
فقد رغب دائما أن يكون نكرة.
ولهذا لم يكن من الذين يحيطون أنفسهم بهالة" الكاتب الانعزالي غير القابل للاختراق"، كما لم يكن من الذين يتصرفون كما لو أنهم يملكون زمام الحقيقة.
كان أقرب إلى رجل خرج لتوه من زقاق شعبي بلحيته" الفيتنامية" وكوفيته الفلسطينية التي لم تفارق كتفيه.
يمشي بين الناس خفيفا من كل شيء.
وكان يدرك أن الاستثناء يغري الصحافة، أما الأدب، فلا يعيش إلا على ما يبدو عاديا.
ولعل هذا ما جعل القاص الراحل إدريس الخوري، الذي رافقه سنوات طويلة، يعتبره" غورا عصيا على التصنيف، يعيش بعيدا عن الادعاء، ويهرب من كل ما يمكن أن يحوله إلى ظاهرة".
ولذلك وصفه بأنه الكاتب الذي" يظهر ويختفي"، لأن حضوره الحقيقي يتم داخل النصوص، ولأنه لم يكتب يوما ليصنع لنفسه صورة عامة ما دام اليتم المبكر قد تكلف بكل شيء.
ولد محمد زفزاف سنة 1945 بمدينة أربعاء الغرب، في مغرب كان يتهيأ للخروج من الحماية، لكنه دخل الحياة مثقلا بما يكفي من الخسارات ليصبح الأدب عنده شكلا من أشكال النجاة.
فقد والده صغيرا، واختبر" ضيق ذات اليد" مبكرا، وعرف معنى أن يبيع الصحف ليكسب قوت يومه، لكنه، في مفارقة سترافق حياته كلها، كان يبيع الورق ليشرب الكتابة حتى الثمالة.
ففي الوقت الذي كان يحمل فيه الجرائد إلى الآخرين، كانت تلك الجرائد نفسها تفتح أمامه نوافذ الأدب.
وهذا ما استعاده ابن مدينته، القاص إدريس الصغير، بكثير من الدقة، متوقفا عند الفتى الذي كان يقطع المسافات الطويلة إلى المدرسة، ويعود منها حاملا شغفا لا ينطفئ بالقراءة.
لم يكن أكثر التلاميذ ثراء، لكنه كان من أكثرهم فضولا.
وصفه إدريس الخوري بأنه الكاتب الذي" يظهر ويختفي"ذلك أن الكتب كانت بالنسبة إليه هي الضرورة الكبرى التي بإمكانها أن تبرهن على كل شيء.
ولذلك، حين التحق بكلية الآداب في الرباط لدراسة الفلسفة، بدا الأمر امتدادا طبيعيا لذلك الفضول القديم.
غير أن خلافه مع المفكر محمد عزيز الحبابي أنهى مساره الجامعي، دون أن يني مساره الفكري والإبداعي، خاصة أنه أدرك أن" الاختلاف" هو الاختراع الجدلي الذي لا يمكن الإفلات منه، وأن الغضب من" الأستاذ" لا يدوم إلا بقدر العثور على ما يكفي من كلام.
في ذروة الهدوء والتصالح مع الذات، عمل أستاذا للغة العربية، ثم استقر في الدار البيضاء، حيث سيصبح حي المعاريف، بمقاهيه وشوارعه وحاناته ورجالاته، مختبرا يوميا لكتابته، وملتقى لأصدقاء صاروا، مع الزمن، جزءا من ذاكرة الثقافة المغربية، من بينهم إدريس الخوري، ومحمد شكري، وأحمد الجوماري، وأحمد صبري، وأحمد بوزفور.
وغيرهم ممن صنعوا ما يشبه" جمهورية سرية للأدب".
وكان زفزاف دائما رمزا مضادا للرخاوة الأدبية، وصاحب" النقد الذاتي للهوية المغربية"، والكاتب الذي ظل، في حياته ومماته، على قدر لا يستهان به من الاحترام الهائل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك