مداخل لتجديد اليسار السوداني (2)النموذج اللينيني بين ضرورة التاريخ وتحديات الحاضرلا تنبثق الأشكال التنظيمية من الفراغ، ولا تولد الأحزاب السياسية خارج سياقاتها التاريخية.
فكل تنظيم هو في جوهره محاولة للإجابة عن أسئلة محددة فرضها الواقع، وكل نموذج تنظيمي يمثل في لحظة ظهوره حلاً لمشكلة قائمة، وليس بالضرورة صيغة نهائية صالحة لكل الأزمنةومن هنا فإن فهم النموذج اللينيني يتطلب الخروج من دائرة السجال الأيديولوجي التقليدي، الذي ينقسم عادة بين الدفاع المطلق أو الرفض الكامل، والانتقال إلى مجال التحليل المؤسسي الذي ينظر إلى التنظيمات باعتبارها كائنات تاريخية تتغير بتغير البيئة التي تعمل فيهاالسؤال الأساسي ليس: هل كان لينين محقًا أم مخطئًا؟بل السؤال الأكثر أهمية- لماذا ظهر هذا النموذج في ذلك الزمن؟ ولماذا امتلك تلك القدرة على الفاعلية؟ وهل ما تزال الشروط التي منحته هذه القوة موجودة في عالم اليوم؟أولاً- لينينية الضرورة.
التنظيم كاستجابة لبنية القمعلم يظهر النموذج اللينيني في روسيا القيصرية باعتباره اختيارًا تنظيميًا مجردًا، بل جاء استجابة لواقع سياسي شديد التعقيدفقد كانت روسيا في مطلع القرن العشرين دولة سلطوية مغلقة، تفتقر إلى المؤسسات الديمقراطية، وتخضع فيها الحياة السياسية لرقابة أمنية صارمةلم تكن الأحزاب قادرة على العمل العلني الطبيعي، وكانت الصحافة مقيدة، والاجتماعات السياسية معرضة للقمع، والمناضلون يعيشون بين الاعتقال والنفي والعمل السريفي مثل هذا الواقع، لم يكن بناء حزب مفتوح يقوم على النقاش العام المستمر أمرًا سهلًا أو ممكنًا.
كان التحدي الأول أمام أي تنظيم سياسي هو القدرة على البقاء، والحفاظ على التواصل الداخلي، واتخاذ القرارات بسرعة في ظل ظروف تهدد وجودهمن هنا ظهرت الحاجة إلى تنظيم يمتلك درجة عالية من الانضباط والتنسيق.
فالسرية لم تكن قيمة أيديولوجية في حد ذاتها، بل كانت وسيلة للحمايةوالمركزية لم تكن غاية سياسية مستقلة، بل كانت أداة للتنسيق في بيئة تفتقر إلى وسائل الاتصال الحديثة والمؤسسات المستقرةوهذا ما توضحه دراسات التنظيم الحديثة التي تؤكد أن شكل المؤسسة يرتبط بدرجة كبيرة بالبيئة التي تعمل فيهافالتنظيمات التي تواجه تهديدات مستمرة تميل إلى بناء هياكل أكثر مركزية وانضباطًا، بينما تحتاج التنظيمات التي تعمل في بيئات مفتوحة إلى المرونة، وتوزيع المعرفة، وتشجيع المبادرةلقد كان الحزب البلشفي، في جانب كبير منه، تنظيمًا صُمم للإجابة عن مشكلة تاريخية محددة: كيف يمكن لحركة سياسية أن تعمل وتستمر في ظل دولة قمعية؟ثانياً- لماذا نجح النموذج اللينيني؟نجاح النموذج اللينيني لا يمكن تفسيره بالمركزية وحدها.
فالتاريخ لا تصنعه الهياكل التنظيمية فقط، بل تصنعه لحظات التحول الكبرى التي تتفاعل فيها الأفكار والتنظيمات مع الظروف الاجتماعية والسياسيةلقد جاءت الثورة الروسية في سياق استثنائي: حرب عالمية مدمرة، انهيار اقتصادي، ضعف الدولة القيصرية، أزمة شرعية سياسية، وتنامي الغضب الشعبي داخل قطاعات واسعة من المجتمعفي تلك اللحظة كان التنظيم الأكثر قدرة على اتخاذ القرار والتحرك السريع يمتلك ميزة مهمةاستطاع الحزب البلشفي أن يستثمر الفراغ السياسي الذي نشأ، وأن يقدم نفسه كقوة قادرة على الفعل في لحظة كان فيها النظام القديم ينهارلكن الدرس التاريخي الأهم هنا هو أن النموذج لم ينجح لأنه كان الأفضل بصورة مطلقة، وإنما لأنه كان الأكثر ملاءمة لظروف عصرهفالتنظيمات لا تُقاس خارج سياقها , النموذج الذي ينجح في بيئة معينة قد يصبح أقل فاعلية عندما تتغير البيئة التي أنتجتهوهنا تظهر إحدى أهم المفارقات في تاريخ المؤسسات السياسية- الأدوات التي تمنح التنظيم قوته في مرحلة معينة قد تصبح لاحقًا مصدرًا لضعفه إذا تحولت من أدوات مرنة إلى قواعد ثابتة لا تقبل المراجعةثالثاً – من أداة للتحرير إلى خطر الجمودالمشكلة ليست في النموذج اللينيني بوصفه تجربة تاريخية، بل في تحويل تجربة تاريخية إلى نموذج أبديفالتنظيم الذي نشأ لمواجهة القمع السري يواجه تحديات مختلفة عندما ينتقل إلى العمل في مجتمع مفتوح، أو عندما يتحول من حركة معارضة إلى مؤسسة سياسية تسعى إلى التأثير في الدولة والمجتمعهنا يصبح السؤال- كيف يحافظ الحزب على الانضباط دون أن يفقد النقد؟ وكيف يحافظ على الوحدة دون أن يخنق الاختلاف؟ وكيف يحافظ على الهوية الفكرية دون أن يتحول إلى مؤسسة تدافع عن ماضيها أكثر مما تصنع مستقبلها؟وقد أشار عالم الاجتماع الألماني روبرت ميخلز في مفهومه الشهير “القانون الحديدي للأوليغارشية” إلى أن التنظيمات تميل بطبيعتها إلى إنتاج مراكز قيادة ونخب داخلية مع مرور الزمن.
وهذا لا يتعلق بالأحزاب اليسارية وحدها، بل هو تحدٍ تواجهه معظم المؤسسات السياسيةلكن الفرق بين تنظيم حي وتنظيم جامد يكمن في قدرته على مراجعة نفسه، وإعادة توزيع السلطة والمعرفة، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدةرابعاً- النموذج اللينيني واليسار السودانيعندما انتقلت الأفكار اليسارية الحديثة إلى السودان في أربعينيات القرن الماضي، لم تنتقل فقط بوصفها أفكارًا سياسية، بل حملت معها أيضًا تصورات تنظيمية تشكلت في سياقات تاريخية عالميةوقد لعب الحزب الشيوعي السوداني، بوصفه أحد أقدم الأحزاب الفكرية والتنظيمية في البلاد، دورًا مهمًا في التاريخ السياسي السودانيفقد أسهم في بناء الحركة النقابية، والدفاع عن قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وكان جزءًا من العديد من التحولات السياسية الكبرى منذ فترة الاستعمار وحتى مرحلة ما بعد الاستقلاللكن التاريخ، مهما كان غنيًا، لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن المستقبلفالسودان الذي نشأ فيه هذا التنظيم ليس هو السودان الذي نعيشه اليوم.
فقد تغير المجتمع، وتغيرت أدوات التواصل، وظهرت أجيال جديدة تمتلك طرقًا مختلفة للتنظيم والمشاركةلقد كشفت ثورة ديسمبر 2018 عن أنماط جديدة من الفعل السياسي، خاصة عبر لجان المقاومة والشبكات الشبابية، حيث ظهرت أشكال أكثر أفقية وأقل اعتمادًا على البناء الهرمي التقليديهذه التحولات لا تعني أن التنظيمات التقليدية انتهت، لكنها تعني أن عليها أن تعيد التفكير في علاقتها بالمجتمع، وفي معنى العضوية، والقيادة، وصناعة القرارففي عصر المعرفة الرقمية، لم تعد القوة السياسية قائمة فقط على امتلاك المعلومة، بل على القدرة على إدارتها، وعلى بناء الثقة، وفتح المجال للمشاركةخامساً- نحو أفق جديد للتجديدإن تجديد اليسار السوداني لا يعني القطيعة مع تاريخه، ولا إنكار إسهاماته الوطنية والفكرية، بل يعني ممارسة النقد التاريخي للأدوات التي استخدمها عبر العقود و فالوفاء للتاريخ لا يكون بتجميد التاريخ، وإنما بفهمه وتجاوزهالسؤال الحقيقي ليس – هل كان لينين على حق؟ , بل – هل ما زلنا نواجه المشكلات نفسها التي واجهها ذلك النموذج عند ولادته؟فإذا تغيرت طبيعة المجتمع، وتغيرت أدوات الاتصال، وتغيرت طرق المشاركة السياسية، فإن الإصرار على استنساخ النموذج القديم لا يصبح حفاظًا على التراث، بل يتحول إلى عائق أمام التجديدوالتنظيمات التي تريد أن تصنع المستقبل تحتاج إلى امتلاك الشجاعة لمراجعة نفسها، لأن الأفكار الكبرى لا تبقى حية بتكرارها، بل بقدرتها على التطوروفي المقال القادم سنناقش أحد أهم عناصر النموذج اللينيني وأكثرها تأثيرًا في تاريخ الأحزاب اليسارية – المركزية الديمقراطية، وكيف انتقلت من أداة تنظيمية فرضتها ظروف تاريخية معينة إلى واحدة من أكبر القضايا الجدلية في مستقبل الأحزاب السياسية الحديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك