يكشف تحقيق استقصائي أجرته المجلة الألمانية الكبيرة" دير شبيغل" بالتعاون مع الموقع الاستقصائي الروسي" إنسايدر" والصحيفة الفرنسية اليومية" لوموند" حقائق جديدة حول اتساع نطاق التعاون العسكري السري بين روسيا والصين.
ووفق التحقيق، فإن اللبنة الأساسية لهذا التعاون أسس لها منتدى روسي-صيني للتقنيات العسكرية عقدت اجتماعاته بعيدا عن الأنظار وشارك فيه مسؤولون عسكريون وممثلون عن شركات للصناعات الدفاعية ومؤسسات حكومية.
" يحظر حظرا تاما نقل أي معلومات عن المنتدى أو إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام أو تمرير أي معلومات حول المحتوى بغض النظر عن نوعها"بواسطة رسالة وزعت خلال النسخة الرابعة من المنتدى الروسي-الصيني للتقنيات العسكريةوتشير الوثائق التي حصلت عليها المجلة إلى أن التعاون تجاوز تبادل المعدات ذات الاستخدام المزدوج، ليشمل تطوير أسلحة متقدمة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ومناقشة سيناريوهات لاستهداف بنى تحتية غربية حيوية، وبحث سبل مواجهة التفوق العسكري الأمريكي.
list 1 of 2خبير أمريكي: واشنطن تملك أوراقا لمنع المواجهة بين تركيا وإسرائيلlist 2 of 2كاتب بنيويورك تايمز: أمريكا تشبه" زومبي" ولا تقود العالمكما تتحدث الوثائق عن اهتمام صيني روسي بمواجهة نظام ستارلينك الذي اضطلع بدور مهم في دعم الجيش الأوكراني في الحرب المستمرة منذ عام 2022.
ويخلص التحقيق إلى أن موسكو وبكين تعملان على شراكة عسكرية قائمة على تقاسم الأدوار إذ تقدم روسيا خبرتها الميدانية المكتسبة في الحرب الروسية الأوكرانية، بينما توفر الصين قدراتها في مجال الإلكترونيات وأشباه الموصلات والتقنيات الصناعية.
المنتدى الروسي-الصيني للتقنيات العسكريةتبدأ قصة هذا التحقيق في ديسمبر/كانون الأول 2024، بقصر سيفاستيانوف بمدينة يكاترينبورغ، حيث استضاف ألكسندر فورونتسوف -أحد كبار مسؤولي الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري والتقني- 80 مسؤولا رفيعا من روسيا والصين.
هذا الاجتماع يعتبر النسخة الرابعة من المنتدى الروسي-الصيني للتقنيات العسكرية، الذي بقيت اجتماعاته طي الكتمان حتى بالنسبة لكثير من أجهزة الاستخبارات الغربية.
وتنقل" دير شبيغل" عن مصادرها قولهم إن الاجتماع تم بدقة متناهية، حتى إن قواعد اللباس تم تحديدها مسبقا: العسكريون ظهروا بالزي الرسمي الشتوي، بينما ارتدى المدنيون من شركات الصناعات العسكرية وهيئات حكومية بدلات رسمية وربطات عنق.
لكن الأهم من ذلك كان الالتزام الصارم بالسرية.
فقد وُزعت على المشاركين قبل الاجتماع رسالة تقول: " يحظر حظرا تاما نقل أي معلومات عن المنتدى أو إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام أو تمرير أي معلومات حول المحتوى بغض النظر عن نوعها".
هذه السرية المطلقة حافظ عليها الطرفان لسنوات قبل حصول مجلة" دير شبيغل" وموقع" إنسايدر" وصحيفة" لوموند" على وثائق سرية، تقول" دير شبيغل" إنها تتعلق بالتعاون العسكري الروسي الصيني.
وبعد أشهر من التحقيق المشترك، حصلت" دير شبيغل" وشريكاها على عشرات الصفحات من المعلومات المتعلقة بمشاريع مشتركة للأسلحة والتصنيع العسكري بين موسكو وبكين، إضافة إلى اتفاقيات تمخضت عنها اجتماعات مجموعات العمل المشتركة وقوائم بأسماء المشاركين.
إنهاء التفوق العسكري الأمريكيأما الهدف الأساسي لهذه الاجتماعات -بحسب المجلة- فهو التعاون لكسر التفوق العسكري للولايات المتحدة.
وفي أحد الاجتماعات في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بمدينة غوانغجو جنوبي الصين، قيل إن الولايات المتحدة تحاصر الصين وروسيا وإن 550 طائرة شبح من طراز" إف-35" متمركزة في أوروبا وإن سياسة التطويق الاستراتيجي لروسيا والصين تمثل أكبر التحديات التي تواجه البلدين.
كما يرى الجانبان -تتابع المجلة- أنهما في وضع غير متكافئ على الأرض.
ففي أحد الاجتماعات، تمت الإشادة بأحدث الدبابات الغربية.
ووفق المجلة، تشير الوثائق الجديدة إلى أن التعاون العسكري بين البلدين وصل إلى مستوى وعمق غير معروفين، وقد بدأ تدريب مشغلين روس على المسيرات القتالية العام الماضي في 6 مواقع داخل الصين وعاد ما لا يقل عن 200 جندي روسي إلى جبهات القتال في أوكرانيا.
وقد استدعت وزارة الخارجية الألمانية الأسبوع الماضي السفير الصيني في برلين لإجراء محادثة عاجلة بشأن هذه المعلومات، بحسب التحقيق.
لكن القضية التي اعتبرها الطرفان ذات أهمية أكبر هي أقمار ستارلينك التابعة لشركة سبيس إكس لأنها تعد عنصرا لا غنى عنه بالنسبة لأوكرانيا في حربها مع روسيا.
كما أنه هناك قناعة لدى الطرفين بأن ما يمكن استخدامه في أوكرانيا يمكن أيضا استخدامه في تايوان في حال مواجهة مع الصين.
لهذا قدم الوفد الصيني في عام 2023 إجراءات واسعة النطاق للحد من تأثير ستارلينك، طبقا للمجلة.
وبحسب المجلة، ينظر الروس والصينيون إلى نظام ماسك بشيء من الإعجاب والحسد معا؛ فوفقا للجانب الصيني، يتيح ستارلينك للقوات الأوكرانية تبادل المعلومات في الوقت الحقيقي، الأمر الذي يعتبر تحولا ثوريا في أنظمة اتصالات المعارك.
وفي إطار الاستعدادات لمواجهة ما تصفه الوثائق بـ" الحرب الأمريكية عالية التقنية" و" تهديد ستارلينك"، يؤكد الجانبان ضرورة إعداد" إجراءات مضادة" منها التشويش على ستارلينك، أو إبطاؤه أو تدمير الأقمار الصناعية للعدو.
ووفقا لما ورد في الوثائق، يمكن تنفيذ ذلك من خلال هجمات إلكترونية على البنية التحتية للأقمار الصناعية التابعة للملياردير إيلون ماسك، باستخدام أسلوب يعرف في الأوساط المتخصصة باسم" الانتحال".
وتضيف الوثيقة أن هدف إصابة الشبكة بالشلل يمكن تحقيقه إذا نجح المهاجمون في إدخال فيروسات إليها.
وتكشف تحقيقات المجلة وشريكاها أن الشراكة العسكرية بين روسيا والصين تقوم على تقاسم الأدوار بحيث يسد كل طرف النقص لدى الطرف الآخر.
وتوضح" دير شبيغل" أن ما تتعلمه روسيا في حربها بأوكرانيا يمكن للصين الاستفادة منه في ما يتعلق بتايوان، وما تطوره الصين يمكن لروسيا استخدامه في ساحة القتال.
ورغم اعتماد روسيا الكبير على السلع الصينية في المجالين التقني والعسكري، إلا أن لدى روسيا ميزة حاسمة وهي خبرتها القتالية؛ فالصين لم تخض أي نزاع عسكري منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما وقعت اشتباكات حدودية مع فيتنام.
أما روسيا، فتواصل حربها ضد أوكرانيا منذ أكثر من أربع سنوات ولذلك يستطيع جيشها نقل خبراته المكتسبة في ساحة المعركة إلى الصين، وهذه الخبرات دفعت روسيا مقابلها ثمنا باهظا يتمثل في مقتل مئات الآلاف من جنودها على الجبهة.
ووفقا لمعلومات مجلة" دير شبيغل"، أرسل الجيش الصيني مؤخرا عددا من الضباط رفيعي المستوى إلى جبهة القتال في أوكرانيا للاطلاع المباشر على مجريات الحرب.
قلق بالغ في الخارجية الألمانيةوتنقل" دير شبيغل" عن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قوله -بعد اطلاعه على الخطوط العريضة لتحقيقها- إن المعلومات المتعلقة بحجم الدعم الصيني للجيش الروسي" تبعث على قلق بالغ".
ويضيف أن الصين يجب أن تدرك أن ذلك يمس جوهر المصالح الأمنية الأوروبية وأن أي دعم للحرب الروسية ضد أوكرانيا سيطيل أمد الحرب ولن يؤدي إلا إلى مزيد من المعاناة.
في المقابل، قالت السفارة الصينية في برلين في رد خطي للمجلة إن هذه الادعاءات" لا تستند إلى أي أساس واقعي ولا تعد أكثر من افتراءات ومحاولة لتشويه السمعة"، مضيفة أن التعاون بين الصين وروسيا" لا يستهدف أي طرف ثالث".
ولم ترد السفارة الروسية ولا الشركات المشاركة في المنتدى على طلبات التعليق، وذلك بحسب نص" دير شبيغل".
وتنقل المجلة عن إحدى الوثائق قولها إن 16 مسؤولا صينيا و13 مسؤولا روسيا ناقشوا بين نهاية مايو/أيار إلى بداية يونيو/حزيران 2023 في موسكو آليات التطوير المشترك لـ" أنظمة أسلحة متكاملة" لمواجهة الصواريخ الباليستية.
وفي وثيقة مكونة من 6 صفحات اتفق الطرفان على" تعميق التعاون التقني في مجال الدفاع الجوي والصاروخي" وأكدا أهمية ذلك من أجل" تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما"، وفق التقرير.
وخلال اجتماع المنتدى الروسي الصيني للتقنيات العسكرية في موسكو عام 2023، اجتمع ممثلون عن أبرز المؤسسات العسكرية والصناعات الدفاعية في البلدين، بما في ذلك جهات مسؤولة عن تطوير أنظمة الرادار والدفاع الجوي والاتصالات العسكرية وتصدير الأسلحة.
واتفق الطرفان على تعزيز التعاون لتطوير نظام دفاع جوي وصاروخي من الجيل الجديد قادر على مواجهة الصواريخ الباليستية المناورة والصواريخ فرط الصوتية، في إطار سعي البلدين إلى تقليص التفوق العسكري الأمريكي، خصوصا في المجالين الجوي والصاروخي.
وينص المشروع الروسي الصيني المشترك على تطوير مراكز قيادة وتحكم للصواريخ الأرضية، إضافة إلى صاروخ موجه قادر على المناورة لاعتراض الصواريخ فرط الصوتية في مراحلها الأخيرة من الطيران على ارتفاع يصل إلى 40 كيلومترا، وكذلك مواجهة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى.
ويعد هذا النظام، في حال اكتماله، من أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورا.
وتنقل" دير شبيغل" عن خبراء غربيين قولهم إن الهدف الأساسي من المشروع هو حماية البلدين من الضربات الدقيقة بعيدة المدى، خصوصا الأسلحة الأمريكية الحديثة، مع توقع دخوله الخدمة نحو عام 2030.
وتكشف وثائق الاجتماع السري عن دور شركة صينية حكومية لتصدير الأسلحة، يمثلها في الاجتماعات رونغ شياويانغ، وهي شركة خاضعة لعقوبات أمريكية وتنتج أنظمة دفاع جوي متطورة مثل" إف دي-2000" القادر على اعتراض الطائرات والصواريخ والطائرات المسيرة.
ويشير التقرير إلى أن اجتماع موسكو عام 2023 لم يكن الأول، إذ سبقه لقاء وُضعت خلاله مسودة اتفاق عُدلت لاحقا وفق متطلبات الجانب الصيني، قبل انتقال المشروع إلى مرحلة التنفيذ تمهيدا للمفاوضات النهائية في بكين أواخر عام 2023.
ومن خلال الوثائق التي تستند إليها" دير شبيغل" لا يمكن التنبؤ بالمسار الذي سيؤول إليه المشروع، لكن اللافت هو أن ممثلي الجانبين يواصلون تبادل الزيارات بشكل منتظم.
فبالنسبة إلى أندريه كوفاليوف، مدير شركة روس أوبورون إكسبورت والمفاوض الرئيسي عن الجانب الروسي، تظهر السجلات أنه قام بثماني رحلات بين روسيا وبكين وهونغ كونغ وذلك خلال الفترة من ديسمبر/كانون الأول 2023 حتى يناير/كانون الثاني 2025.
أما تشاو تينغ تينغ وهي مسؤولة رفيعة في شركة صينية حكومية للصناعات الدفاعية فتظهر قواعد البيانات المتخصصة أنها قامت منذ عودتها من اجتماع موسكو بعشر رحلات أخرى بين بكين وموسكو.
وكانت آخر زيارة لها إلى روسيا قبل أيام قليلة فقط إذ وصلت إلى العاصمة الروسية في 21 يونيو/حزيران الماضي.
وتشير معلومات" دير شبيغل" وموقع" إنسايدر" إلى أن الاجتماع السري الروسي الصيني السادس سيعقد في موعده ولكن هذه المرة في مدينة سانت بطرسبورغ بدلا من يكاترينبورغ أو غوانغجو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك