لم تعد ساقا ليونيل ميسي تركضان كما كانتا تفعلان في سنواته الذهبية، لكن ذلك لم ينتقص من خطورته، بل أعاد تشكيلها.
في كأس العالم 2026، يظهر قائد الأرجنتين كثيرًا وهو يمشي، بينما يركض زملاؤه من حوله، يضغطون ويتدخلون ويطاردون الكرة.
يبدو كأنه خارج المشهد، لكنه في الحقيقة يراقبه من الداخل، يحسب المساحات، وينتظر اللحظة التي تتحول فيها المباراة إلى فريسة.
هذا هو ميسي في نسخته الحالية: مجهود أقل، رؤية أوسع، وضربة أكثر قسوة.
ويقول مدرب النمسا رالف رانغنيك إن ميسي يحب البقاء على الطرف، وأحيانًا يتوقف أمام المرمى في وضعية تسلل، وهو ما يمنح الأرجنتين لاعبًا أقل في الضغط العكسي، لكنه في الوقت نفسه يجعله أخطر، لأنه قد يجد نفسه فجأة بلا رقابة.
عرف رانغنيك ذلك جيدًا، لكنه لم يتمكن من منعه.
ففي مواجهة النمسا خلال دور المجموعات، احتاج ميسي إلى ومضتين فقط ليقود الأرجنتين إلى الفوز بهدفين دون رد، ويؤكد أن اختفاءه المؤقت من المباراة ليس تراجعًا، بل جزء من أسلوبه الجديد في إدارة الطاقة.
وفي ثمن النهائي أمام مصر، ظهر الوجه الأكثر قسوة لهذا الأسلوب.
كانت الأرجنتين متأخرة، والمباراة تقترب من نهايتها، قبل أن يصنع ميسي هدفًا ويسجل آخر خلال خمس دقائق، محولًا الضغط إلى اندفاع، والهدوء إلى عاصفة.
كتبت صحيفة" كلارين" الأرجنتينية أن الحديث عن مشي ميسي داخل الملعب لم يعد مهمًا، لأن كرة القدم لا يفوز فيها من يركض أكثر، بل من يلعب أفضل، ولا أحد يلعب مثله.
أما شبكة" بي بي سي"، فرأت أن ميسي لا يختفي، بل يراقب وينتظر ويدخر طاقته للحظات الحاسمة، مضيفة أن الجسد ربما أصبح أبطأ، لكن العقل بقي حادًا، بينما بقيت العبقرية كما هي.
وتؤكد أرقامه أن هذه النسخة من ميسي لا تزال قادرة على الهيمنة.
فقد سجل ثمانية أهداف في خمس مباريات خلال البطولة، ليتساوى مع الفرنسي كيليان مبابي، ويتقدم على النرويجي إرلينغ هالاند والإنكليزي هاري كاين.
وكان بإمكانه رفع حصيلته إلى عشرة أهداف لولا إهداره ركلتي جزاء أمام النمسا ومصر.
لكن تلك الإخفاقات لم تدفعه إلى التراجع، بل أيقظت فيه شيئًا آخر.
قال لاوتارو مارتينيز إن ميسي هو توازن المنتخب ومرشده وقائده، وإن اللاعبين سيواصلون تقديم كل ما لديهم من أجله.
وهذه العبارة تلخص علاقة ميسي بهذه المجموعة.
فالأرجنتين لا تلعب فقط إلى جانبه، بل تتحرك حوله، وتحمي مساحاته، وتنتظر اللحظة التي يتولى فيها قيادة المشهد.
وقد وصف زلاتان إبراهيموفيتش ما حدث أمام مصر بكلمات أكثر مباشرة.
فقد قال إن شيئًا تغير عندما تأخرت الأرجنتين بهدفين، وإن ميسي أصبح" وحشًا" دخل في مهمة ولن يترك فريسته، مضيفًا أنه حين بدأ المطاردة لم يعد من الممكن إيقافه.
أما تييري هنري، زميله السابق في برشلونة، فاختصر الأمر بقوله: " أحيانًا يجب ألا توقظ الوحش".
ويروي هنري أن ميسي غضب في إحدى الحصص التدريبية بسبب هدف احتسب ضد فريقه بعد قرار تحكيمي لم يعجبه، فتحول فجأة إلى لاعب آخر.
أخذ الكرة، وسجل ثلاثة أهداف متتالية، ثم التفت إلى الحكم وقال له إن عليه في المرة المقبلة احتساب الخطأ.
كان الجميع يعرف في تلك اللحظة أن النقاش انتهى.
ومع اقتراب مواجهة سويسرا في ربع النهائي، لا تحتاج الأرجنتين إلى ميسي الذي يركض طوال المباراة، بل إلى ميسي الذي يعرف متى يمشي، ومتى يراقب، ومتى ينقض.
إنه لا يطارد الكرة كما في السابق، لكنه لا يزال يعرف تمامًا متى تبدأ المطاردة الحقيقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك