يحصل أن نصادف نصا موجها للأطفال، لكنه يتجاوز الفئة الموجه إليها، ويصير نصا مفتوحا على التأويلات النقدية، يتجاور فيه عالمان، الأول واقعي والثاني سحري، بما يوسع من أفاق النظر إليه، وهو نص ينضوي على المفارقة والاحتمال، شخصياته تتراوح بين أطفال وبالغين، ويبدو أن لغتهم مألوفة من الظاهر لكنها تحمل دلالات مضمرة، ذلك ما يمكن أن يلمحه القارئ في «القمر في قبو الكتب» للكاتبة الجزائرية علياء عبد الله (جبل عمان ناشرون، 2026)، وفي هذه القصة يتحمل طفل تفاصيل الوقائع، يقضي صيفا في بيت العمات، ويعيش فيه طفرات بما يشبه الحياة التي لا تكف عن مباغتتنا، كما أن القصة تطرح سؤالين جوهريين: من نحن؟ ومن هم الآخرون؟لا نعرف أنفسنا إلا إذا عرفنا غيرنا، لأن هذه القصة تُقرأ كذلك على ضوء نقد سيكولوجي، لا تتوقف عند عتبة اللغة فحسب، أو الحكاية وكفى.
تزعزع الثوابت بحيث لا نعرف الفرق بين الحقيقة والوهم، مع أن الحواجز بين هذين المفهومين جد هشة.
كما إن «القمر في قبو الكتب» يقوم بنقد السلطة الاجتماعية، بحيث أن الأكبر سنا ليس بالضرورة الأكثر ذكاء إزاء من يصغره في العمر.
إنها قصة تحتمل إعادة قراءة كلما فرغنا منها.
وهي تنطلق من مشهد الأم تلعب مع طفلها الغميضة، وبدل أن تتوارى ويبحث عنها سوف تغيب إلى الأبد، تنطفأ عينها وتترك ابنها وحيدا يشعر بالضياع.
لكن رائحتها لم تفارق باله ولا كلماتها، وكل ما سوف يحصل له عقب وفاتها يعيده إليها، صار غيابها أكثر طغيانا من حضورها في مخيلته، ثم يتواصل الحكي وتتوالى الفصول بصوت الطفل الراوي، فهو ليس بطلا مفردا ولا بطلا سلبيا، يتابع الأحداث بعين الشاهد، بل يشتبك معها ويصير جزءا منها.
يستحضر على الدوام جملة أمه: «لا تخف سأحميك من العالم»، قبل أن يحمي ذكراها عندما غابت، ثم يحمي واحدة من عماته عندما قضى العطلة في بيت العمات.
يصادف في البدء ثلاث عمات ثم يتعرف في الختام على الرابعة ينقذها وتنقذه، يحمي كل واحد منهما الآخر، يسافر في فقاعة صابون ويحرر الفراشات، ثم ينفذ إلى لوحة ويصير واحدا من الألوان، وفي بيت العمات بالضبط يتحول هذا الطفل الراوي إلى نظير «أليس» في بلاد العجائب، وبيت العمات هو أرض العجائب التي سوف يتسلل إلى مجاهيلها.
في بلاد العجائب، يرافق أليس هر، بينما طفل علياء عبد الله ترافقه قطة يطلق عليها اسم «سيدة بلوتو»، تصير دليله في بيت العمات، ومثل أليس ينحدر إلى عالم سفلي، يلجأ إلى باب لا يعرف ماذا يختبأ وراءه، فيكتشف قبوا عامرا بالكتب، ويلامس سحر القراءة.
وهذه واحدة من نقاط قوة الكتاب، أن المؤلفة استطاعت أن تصنع توليفة تقود في النهاية إلى مقبرة كتب، لكنها مقبرة حية والكتب تضج بالحياة وتنتظر من يطالعها.
ينهمك البطل في المطالعة وكلما استفاق من نومه يعثر على عمل جديد تحت الوسادة.
لكنها كتب من غير مؤلف، يعرف العنوان ولا يعرف صاحبه، في إحالة إلى أن الكتب تخلد بالقصص التي ترويها وليس بأسماء مؤلفيها.
يتعلم من العمة الرابعة أن الكتب تُقرأ وليست ديكورا، هي أرواح تحتاج إلى من يعتني بها ويصغي إليها.
وقد ذهبت المؤلفة إلى مسلك واعٍ في هذا الخيار، قربت القارئ الطفل إلى الكتاب، من غير أن يشعر بأن الأمر ينضوي على واجب، أو يحتم عليه الاستجابة إلى أوامر، بل قدمت الكتاب بوصفه مرافقا أمينا، وأن الخلاص من الشعور باليتم، أو التخلص من شعور بالوحدة لا يتحقق من مخالطة الآخرين، بل يتحقق من مخالطة الكتب.
كما أنها تنحو في كتابها إلى لغة سهلة، يتيسر فهمها، بما يسمح بالاطلاع على عملها من غير حرج، مع إصرار على لعبة «فلاش باك»، لأن الراوي يصر على العودة في كل مرة إلى ذكرياته مع أمه، وكل ما يحصل معه يحيله إلى محاورة مع روحها، وكأن المتاهة التي دخل إليها هي تبرير للحوارات الصامتة التي ينخرط فيها مع أم غائبة.
والعجيب في بيت العمات أن يسمع في كل حين ضجيجا ويلمح طيفا من غير أن يعرف هويته.
لذلك يسند إلى نفسه مهمة البحث عن صاحب الطيف وصاحب الضجيج الذي يبلغ أذنيه.
من هنا تتشكل الحبكة التي تقود إلى إدراك المجهول في بيت العمات.
لماذا توارت العمة الرابعة عن الأنظار؟ لماذا لم تستقبل الطفل ولم تحضر له الأكلات التي يحبها؟ هذا هو جوهر «القمر في قبو الكتب».
وفي الأثناء عند البحث عن الإجابة، يكون القارئ قد صار بدوره دودة كتب، يطالع الكتب من دون أن يبالي باسم المؤلف، لأن القصة التي تقدمها علياء عبد الله هي بانوراما أدبية كذلك، تستعيد أعمالا كلاسيكية وأخرى معاصرة، تذكرنا بكتب محلية وأخرى من الأدب العالمي، تحرض على القراءة بأن تتحول إلى ممارسة مصاحبة لكل إنسان.
وما يحسب لها أنها لا تنشغل بتوصيل رسائل أخلاقية ولا تعليمية بشكل مباشر، لا نشعر في عملها حشوا ولا إسرافا في تحميل القارئ ما لا يحتمل، بل توصل إليه رسائلها بشكل مبطن، إلى درجة أن يبتلع الطعم من غير أن يشعر، بحيث أن الطفل القارئ يخرج من هذا العمل وقد تعلم قدرا من الأعمال الأدبية المهمة، يخرج منه وقد صار مثل البطل الراوي ينهمك في القراءة أكثر من الانهماك في الأكل، بل قد ينقلب إلى النقيض ويصير شخصا يبحث عن الكتب في الأمكنة المظلمة، ففي «القمر في قبو الكتب» (رسوم غزالة بيكدلو)، الحائز جائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال، يخرج القارئ بسؤال: هل ما قرأه حقيقي؟ لأن الحقيقة ليست مثلما هي عليه في الواقع، وكل الأشياء التي آمن بها الراوي تصير محل سؤال وشك، ليقتنع الطفل في الختام أن السؤال أعلى مرتبة من الإجابة، وأن القراءة هي الخلاص من كل شعور بالفراغ أو الخذلان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك