الطب مهنة إنسانية قبل أن تكون تجارية، والقسم الذي يؤديه الطبيب هو قسم لحماية الإنسان وعلاجه، لا لإثقال كاهله.
ولكن ما نشهده اليوم في «بعض» المستشفيات الخاصة يستدعي وقفة جادة ومراجعة مسؤولة.
تتزايد شكاوى المواطنين والمقيمين من المبالغة في الفحوصات والإجراءات الطبية، وتصل ذروتها عندما يعلم المستشفى أن المريض لديه «تأمين صحي».
فجأة تتحول زيارة بسيطة إلى سلسلة لا تنتهي من التحاليل والأشعة والمراجعات، حتى لو كان التشخيص واضحاً والعلاج بسيطاً.
الأخطر من ذلك، هو حالات التنويم.
أعرف حالات تم تنويم أصحابها في المستشفى عدة أيام، مع أن الحالة لا تقتضي ذلك طبياً.
والهدف: زيادة الفاتورة.
والنتيجة: إرهاق المريض، وتعطيل سرير كان يمكن أن ينقذ حالة حرجة، وتحميل شركات التأمين ونظام الصحة أعباءً لا داعي لها.
المتضرر الأكبر هو المواطن، خاصة من لا يملك تأميناً صحياً.
يدخل المستشفى لحالة بسيطة ويخرج بفاتورة خيالية بسبب «باقة فحوصات شاملة»، لم يطلبها ولن يحتاج إليها.
حتى من لديه تأمين لا يسلم، فارتفاع كلفة التأمين سنوياً سببه المباشر هو هذه الممارسات.
وفي النهاية الكل يدفع: المواطن من جيبه، والدولة من دعمها، وشركات التأمين من أقساطها.
ناهيك عن كثرة المراجعات غير المبررة، وتكرار الأدوية، وتشخيص واحد من 3 أطباء مختلفين.
الهدف ليس العلاج، الهدف هو «تدوير» المريض داخل النظام لتحقيق أكبر عائد مالي.
هنا يأتي دور الجهات الرقابية والمهنية لحماية قدسية المهنة وحق المريض.
إلى الهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية «نهرا» نقترح وضع بروتوكول علاجي موحد ومعتمد لكل حالة مرضية.
بروتوكول يحدد: ما هي الفحوصات الأساسية المطلوبة؟ ومتى يكون التنويم ضرورياً؟ وكم عدد المراجعات المنطقية؟ كما نطالب بتفعيل نظام رقابة ذكي على فواتير المستشفيات الخاصة.
أي فاتورة تتجاوز المتوسط الطبيعي لحالة معينة يجب أن تخضع للمراجعة والتدقيق التلقائي، مع عقوبات رادعة على المخالف.
كما نتمنى من (جمعية المستشفيات الخاصة) توجيه الإدارات الطبية بعدم المبالغة، ذلك أن احترام مهنة الطب يبدأ من الداخل، والطبيب ليس موظف مبيعات، والمريض ليس «حالة ربحية».
ودعونا نتذكر القسم الطبي: «ألا أستخدم علمي في غير ما وضع له».
صحة الناس أمانة، وليست سلعة.
هذا الوضع ليس فريداً، وهناك دول واجهته ونجحت، ففي السعودية قامت هيئة التخصصات الصحية باعتماد «إرشادات سريرية وطنية» ملزمة، وأي مستشفى يخرج عنها بدون مبرر طبي موثق يتعرض للمساءلة.
وفي الإمارات فإن هيئة الصحة ربطت نظام الفوترة الإلكتروني مباشرة بالهيئة، وأي مطالبة تأمين مبالغ فيها يتم رفضها تلقائياً ويتم استدعاء المستشفى.
حتى في أمريكا هناك نظام «المراجعة الطبية» الذي يرفض دفع تكاليف التنويم أو الفحوصات التي لا تتطابق مع التشخيص.
كلمة أخيرة وحكمة قال أبقراط أبو الطب: «أولاً.
لا تضر»، وهذه هي القاعدة الذهبية.
الضرر لا يكون فقط بالعلاج الخاطئ، بل أيضاً بالعلاج الزائد عن الحاجة.
نحن لا نعمم، هناك مستشفيات خاصة محترمة وكوادر طبية نرفع لها القبعة، ولكن «القلة المستغلة» تسيء للجميع وتضرب الثقة.
الهدف ليس محاربة القطاع الخاص، بل تنظيمه وحمايته.
فلنعمل جميعاً (نهرا، وجمعية المستشفيات الخاصة، والأطباء، والمواطن) على أن تبقى صحة الإنسان هي الهدف، لا الربح.
فالمواطن يستحق نظاماً صحياً عادلاً، لا فاتورة مرعبة.
إقرأ أيضا لـ" محميد المحميد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك