برحيل المغنية الويلزية بوني تايلر عن 75 عاماً، يفتقد المشهد الغنائي العالمي إلى واحد من أهم الأصوات التي طبعت موسيقى الروك والبوب منذ سبعينيات القرن الماضي، بعدما نجحت في تحويل خامة صوتها الخشنة والاستثنائية إلى علامة فنية.
وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، ظلت تايلر حاضرة في الساحة الغنائية، محافظة على مكانتها بين الفنانات اللواتي تجاوز تأثيرهن حدود النجاح التجاري إلى صناعة هوية موسيقية خاصة، جعلت أعمالها قادرة على عبور الأجيال والثقافات.
ولدت غينور هوبكينز، وهو اسمها الحقيقي، في بلدة سكيون الصناعية، جنوبي ويلز، في عام 1951، ونشأت في عائلة عمالية محبة للموسيقى وسط أربعة أشقاء وشقيقتين.
تأثرت منذ طفولتها بأصوات أيقونية أزالت الفوارق بين الروك والبلوز، مثل جانس جوبلين وتينا ترنر، ما دفعها في سن السابعة عشرة إلى الانضمام لمسابقات المواهب المحلية، ثم العمل مغنية في النوادي الليلية مع فرقة" بوبي واين أند ذا ديكسيز".
اختارت لاحقاً اسم بوني تايلر ليكون هويتها الفنية، وبدأت تسجل أولى أسطوانات الـ45 لفة في منتصف السبعينيات مع شركة آر سي آيه، إذ لفتت الأنظار بأغنية Lost in France في عام 1976 التي دخلت قائمة العشرة الأوائل في الإذاعات البريطانية والأوروبية، مؤكدة قدوم موهبة واعدة تمتلك طاقة تعبيرية استثنائية.
شهد عام 1977 منعطفاً حاسماً في مسيرتها الفنية والجسدية، حين خضعت لعملية جراحية دقيقة لإزالة عقيدات حميدة من أحبالها الصوتية.
أوصى الأطباء بوني تايلر بالصمت التام لأسابيع عدة لضمان تعافي أوتارها الصوتية، لكن الإحباط أوقعها في خطأ التحدث والصراخ قبل التماثل للشفاء، ما أدى إلى بحة دائمة وخشونة عميقة في صوتها.
اعتقدت تايلر حينها أن مسيرتها الغنائية انتهت في مهدها، غير أن المنتجين والجمهور وجدوا في هذه النبرة المبحوحة سحراً فريداً وعمقاً عاطفياً مضاعفاً، ليطلق عليها النقاد لقب" رود ستيوارت النسائي".
وسرعان ما أثبتت هذه الصدمة الطبية أنها محفز انطلاقة عالمية كبرى، فأصدرت عام 1978 أغنيتها الشهيرة It's a Heartache، التي مزجت فيها بين موسيقى الكانتري والروك، وحققت مبيعات تجاوزت ستة ملايين نسخة حول العالم.
مع حلول حقبة الثمانينيات، سعت تايلر إلى الخروج من عباءة الكانتري-بوب، نحو صوت أكثر ملحمية وقوة، فتعاقدت مع شركة سي بي إس، وقررت التعاون مع المؤلف والمنتج الموسيقي الأميركي جيم ستاينمان، المعروف بأعماله الأوبرالية في موسيقى الروك.
أثمر هذا اللقاء ألبوم Faster Than the Speed of Night عام 1983، الذي مثّل ذروة نضجها الفني والتجاري.
دخل الألبوم مباشرة إلى المركز الأول في قائمة الألبومات البريطانية، لتصبح بوني تايلر أول فنانة ويلزية تحقق هذا الإنجاز التاريخي، وتحصد ترشيحين لجوائز غرامي في فئتي أفضل مغنية روك وأفضل مغنية بوب، مؤكدة قدرتها على تطويع خامة صوتها الفريدة لتناسب التوزيعات الأوركسترالية الضخمة وإيقاعات سينث-بوب الثمانينيات.
ضمن هذا الألبوم، برزت أغنية Total Eclipse of the Heart عملاً استثنائياً احتل صدارة قائمة بيلبورد الأميركية لأربعة أسابيع، وباعت أكثر من ستة ملايين نسخة عالمياً، متحولة إلى إحدى أشهر قصائد الروك العاطفية في التاريخ.
واصلت تايلر شراكتها مع ستاينمان لتقديم تحفة أخرى عام 1984 بعنوان Holding Out for a Hero لفيلم Footloose، والتي أصبحت بمرور العقود نشيداً ثابتاً في السينما والثقافة الشعبية.
لم تتوقف مسيرتها عند الثمانينيات، بل واصلت إصدار الألبومات والجولات الموسيقية، ومثلت بريطانيا في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) عام 2013 بأغنية Believe in Me.
وتقديراً لإسهاماتها، منحتها الملكة إليزابيث وسام الإمبراطورية (MBE) عام 2022.
هكذا، تترك بوني تايلر إرثاً يمتد لسبعة عشر ألبوماً ومبيعات تتجاوز مائة مليون أسطوانة، مؤكدة أن الإخلاص للهوية الصوتية والصلابة في مواجهة التحديات هما السر الحقيقي للخلود الفني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك